عمر عبدالحميد - سيمفونية


سيمفونية

بقلم: عمر عبدالحميد

سيمفونية عشق يصلنى عزفها من بعيد، وليس أى بعيد.. سنوات لا تحصى غبرت على أوهام وحقائق رسمتها من ظروف الطبيعة، فيتسلل عبر هذه الرحلة الطويلة غيمة تندفع من حناياها طيف يعبر الطريق متخذًا سبيله إلى محلى القائم على وجهة الشارع الرئيسى، وما أن تدانت الخطوات حتى خفق قلبى، فما يتوارى خلف الشارب الأبيض أذكره جيدًا، فلن تخوننى التجاعيد التى تبرز من ملامحه، لن تغدر بى الذاكرة التى منحت إشارة لقلبى ليصطك من عطش السنيين.

معالم الانفعال يتسرب مفعولها إلى جسدى الذى يلهج بالحلم الضائع فى براثن الذكريات، فأنهض حينما دنى إلى مكانى وتصلبت أقدامه أمام ناظرى ليشرد عقلى فى وجهه الذى يحتضن معالم الشيب، يعجز لسانى عن الكلام وتسرد ذاكرتى الذكريات التى كانت ترياق سعادتى فى زمن فات بجروحه ودفن سرابه فى طى الذاكرة.

سبحت بعينيه التى كدرت بصفار المرض، وشعرت بيده التى تبتلع كفى ثم يعلمنى حفاوة الروح ببسمة تنبعث من بين شفتيه البنيتين.

"فالزمن دائمًا لا يخلص للبشر" مقولة كان دائمًا يتفوه بها إلى أن ثبت صحة قوله أمام ناظرى فالزمن يعشق التغيير. أين وسامة الذى كان تسعى الحسناوات لعبور قلبه؟ وأين الغطرسة التى كانت تخترق صدره؟ فيفرد ضلوعه ويمضى ورأسه كأنها تحدث السماء. الآن ماتت العجرفة ودفنت بضريح الزمان.

وهكذا تبتدئ الرواية دائمًا.. ببسمة تصدح بأنشودتها على أجنحة المشاعر وتنتهى بدمعة على وجنتى الظروف وينطوى الورق فى دفتر الذكريات.. ومضيت وحدى فى سفينة لا تعرف لها مرسى وأجوب بمرافئ الزمن ولا أصل لمرفأ الراحة وأركب عقارب الساعة لتأرجحنى على حافتى الهزيمة والانتصار وبين أصابعى سراج يسهر بين الشموع ويلثم جلدى بلفحته الطفيفة، ولا تصرخ أطرافى ولا تهزها كهربة اللفحات، فبعد الجروح الوخيمة التى أضرت القلب، لم يعد بجسدى عضو يصرخ أو يشكى من علته.

وجاء اليوم الذى سلبت فيه بقايا معاملى، ورغمًا عنى قدست الحياة واتخذت عهدًا بأن أغرد من أجل من هم أغلى من روحى وأصنع من صوتى أحبالًا أقوى من زم العصفور وهديل الحمام ولن أهاب رحى الأيام لأعيش فى وطن خلقت لأجله ولمجتمع صغير له مهام فى رقبتي.

وهكذا كان عهد كفى بين راحة الزمن، ونضبت مآقى العيون، وأشهرت سيف الأمل بالحياة من أجل عيون صغيرة وقلوب نضرة، كنت أحلم بمستقبل لهم لألمسه بيدى فأسدلت ستارًا حائلًا بينى وبين قبح الحياة لترقص البشائر دائمًا على ساحتى الضيقة.
لكن العالم الكبير والوقت الفسيح لم يمنعا قط جمع شمل القلوب واحتضان العيون، ولتبقى دائمًا الذكرى عروسًا ترقص فى أذهاننا حتى تندفع من ثقب صغير لتهبط فى عالم العيون.

والآن أستحى وأنا أقف بين عينيه، فأدثر وجهى براحتى لأخفى ما تركه العمر لجسدى وما سرقته السنوات من معالم حسنى وشعرى التى طرسته هموم الزمن بالأبيض واقترب نحوى، فشعرت بأنفاسه الدافئة تحط على قلبى السكينة، ليذكرنى حينما كنت أحتسى من منهله العذب أمان الروح ورضا النفس، ثم احتضن يدي الصغيرة ليذهب بعقلى إلى سنوات انصرمت كعبور الريح، كان بها العبث والجنون والفكر والدراسة والذهاب إلى الأندية ودور السينما.

وجلس يسرد تاريخ عمره الذى مضى بين الوحدة والترحال، ومحاولة صعوده القمم وعبوره البحار ليهرول من الجروح التى تلاحقه حين ينظر إلى كل مكان كان يجمعنا، وكل شجرة كنا نستظل تحتها ونرسم بتفاؤلنا خطوط المستقبل الذى نحلم به، وتعاهدت روحانا أن تبقيا متلاحمة، وانحدرت دمعة واهية ابتلعها شاربه الأبيض ثم استطرد: لن يحتسب من عمرى غير سنوات الهناء التى عشتها بين أحضانك، وبعدها عاهدت نفسى بأن لا يركض فى قلبى حب أخر، وغضبت ضلوعى واعتصمت عن احتواء أى امرأة أخرى.

فقلت بوجد: وأنا لم يبق عندى شئ أقدمه لك، فاليوم أرتدى ثياب الحداد على زوجى الذى توفته المنية منذ شهرين، وغدًا البقية من عمرى سيسرقها أولادى وأحفادى، هكذا هى الحياة.. اعتدت منذ ميلادى ألا أكون لنفسى، أنا دائما ملك الناس، فهم يمتلكون فى جسدى أكثر منى، حتى قلبى جاء من يحاول اغتصابه وادعى أنه نجح رغم أنه خاب.

فقال والحزن يبرز بعينيه: اكتفيت بالحب الذى أهدانى به قلبك.. عاش قلبانا عقيمين، لا يلدا حبًا ولا راحة، فكفانا من عذاب طعنته السنون بصدرنا فقلت بيأس يخترق أنفاسى: الزمان لن يعود للخلف، لا يلتفت إلى النهر الذى نضب بعد انهمار دموعه، لن يندم على سعادة غمرت مآقى العين، لن يكرر رسم صوره تشبه لائحته القديمة، لكنه دائمًا يحن لرؤيتها، ربما وقتها يقتله ندم أو تغبط روحه ذكرى جميلة خطفها العمر ومضى بها إلى اللامعلوم.. فأومأ بوجهه الشاحب نافيًا كلامى وقال: مقدرتنا أن نصنع ما يرضينا ويسعدنا، فالشمس لن تأفل يومًا على كلمة وداع، فدائمًا تستعيد صباها وإشراقها، ونحن البشر نستطيع أن نعيش، نستطيع أن نصنع المعجزات، فنحن أقوى من الشمس التى سخرت لخدمتنا، ونور قلبينا أشد من نور القمر الذى يهدى الغريب إلى دروب المكان.

قلت وشفتاى ترتجفان: أنا أهاب كل الأشياء حولى، لم أعد المرأة التى سكنت قلبك وهدأت كثيرًا من روعك، لم أعد الأنثى الماهرة فى غزل الكلام، واستحضار طاقات الأمل، فالعيون لم تعد تحتمل الدموع، حتى الجسد الصلب صار عظامًا مهشمة تكسرها نسمة الصيف وتوجعها لفحة البرد، أرحل.. ليس عندى ما أقدمه لك، فلن تستحق بقايا امرأة عجوز.

فقال وهو يضغط على يدى: أنت امرأة قلبى، ولن يتغير شيء، فأنا لم أعود لأستمع حديثك الملون باليأس، أنا عدت لأغير عنوانك لكنى لم أوصد بابك...

فقاطعته قائلة: أنت جئت فى الوقت الضائع، فماذا تنتظر من قلب بلا جسد، فماذا تهبك عجوز فى منتصف العقد السادس؟
فرد بحزم: وإن كان الجسد هو الحائل بيننا، فما فائدة الإنسان؟
فنظرت إليه دون إجابة تخطر بذهنى، فربما أشعر بأن آراؤه صائبة وإحساسه صادق، لم تغير ملامحه السنون، فلن يتردد لسانه وطلب إعلان حياته من جديد ويصفح عن المشاعر المرتهنة بقلبه عشرات السنيين .

أوقات وأوقات كان النوم يحلم بالحياة الثانية التى كان سيدها هو، ورب المسكن الصغير، وراعى الصغار، لكن العين كانت تصحو على حياة مريرة، باردة كأوانى الثلج، لكن الإنسان تطبع ألا يكون لنفسه، ودومًا حياته للآخرين، لمن لم يمتلكون زمام أمورهم، كانت الدموع تنسكب من عينى كسيول الشتاء، ولن يسهو الحزن قرع أبوابى، فكان يداوم على زيارة قلبى، فأصمد، وأعيش من أجل أرواح كنت سببًا بتواجدها بالحياة، لكن بهذه اللحظة كنت أشعر بخيانتى، واستحقار نفسى حين أراه بمخيلتى زوجى فى شرعى، وحبيبى الوحيد الذى نبض قلبى، فيحاصرنى الندم عندما أرى السراب ذنبًا فى حقى، حتى الحلم ليس لى، فسأكون فى عينى الخائنة.. العاهرة وأنا المغبونة المظلومة فى أرض ليس لى مسكنها.. أنا التى اغتصبت أرضى الجروح، وحرثت نباتى، وبذرت بذور الوجع
وماذا أقول له، وهو يتألم لحاله وماذا يجدى إذا سردت متاعب السنيين إلا أنها ستزيد نحيبه فالأفضل أن يبقى العذاب موؤود، والنفس صامدة لا تحركها رياح الذكرى، وأصابتنى قشعريرة حين لمس شعرى، وأستأنف قائلًا : أضعنا الكثير من عمرنا فكفانا من متاعب كفانا معاشرة الناس، فقلت لك: أنا هنا لأجلك ولأجلى لنعيش السعادة المؤجلة، لنبعث المشاعر المكسورة التى دفنت فى قلب الفراق الذى اصطلينا بناره ثم انسدلت دمعه واهية من عينيه الذابلتين، فتحركت مشاعرى لتدفع أيدى نحوه لتمسحها برفق، فأذكر حينئذ الكثير والكثير من ماضى الحب الجميل، حين كان يندفن فى حضنى ويشتكى من ضيق الحال وعبث الحياة فأداوى جروحه بابتسامتى وقبلاتى حتى تتسربل الأنوار على دربه وتشرق روحه الحزينة، كنت الحبيبة والأم والصديقة، وهو كان كل أشيائى التى لا تحصي جاء لأجلى، وأنا دائمًا لأجله، فما يمنعنى عنه؟ أولادى.. أحفادى.. المجتمع. فقد كرست شبابى لأجلهم، فليتركوا لى ذبول زهرى أرمرمها بشباب الحب، وليغلقوا عليهم أبوابهم، فأنا لى الكثير فى نفسى، فالبقية من عمرى ليست بكثيرة، والوقت يأزف على لا شئ، فلتفسح لى الحياة قليلًا لأستأنف روحى وأجمع زهورى من حدائق الشوق وأعيش لنفسى مرة واحدة فقط فاستعدت قوتى وضغطت على يده قائلة: أنا معك.

فأشرقت ابتسامته وقال : وأنا معك حتى الموت، فلن يمنعنى عنك إلا الرب، وأنتى لى روحى التى لن تموت.

ومسك يدى ونهضنا سويًا نمضى على قدمينا ولا نعلم أين ذاهبون، لكننا نبحث عن شئ ضائع، أو مكان مؤجل نسعى إليه بعد كل هذه السنيين.

وسلكنا طريق الحلم الذى يشهد على إخلاصنا بتاريخ الحب، فسنوات الدراسة الذكرى الأولى التى تحمل الآمال بين راحتيها، وصاح الوقت من غيلته ليسلك السبيل المراد، ويجتاز دروب الأمل دون احتساب لشئ، وإن كنت خلفت الطريق، فأنا قد عدت له، مثلما عادت الشمس من بحور الأفق، واختلفنا إلى المكان الذى تشهد فيه السماء على عقد قراننا، فتنحنى الوعود احترامًا لروحينا الصادقة، ويغتبط قلبى وترقص دقاته على دفوف الحب، وأخيرًا يا قلبى جاء اليوم الذى اختلطت فيه أسماؤنا فى خانة الزواج.

عند باب الحلم وطأت خطواتى إلا أن نفسى شجعتنى على خوض المعارك وكسر أبواب اليأس، فأصعد الدرج معه، وجسدى يرتجف كعروس فى الثامنة عشر، ثم يجمعنا عزلة المكان الذى يحتفى بالعرس المسن، فلثم خدى بقبلة الأب الحنون والحبيب الصدوق، وظل يحدق بوجهى طويلًا ليروى وحشة السنيين، وأحسست بخفقات قلبه تزداد فيسقط من بين أحضانى مودعًا.

وانطفأ السراج الذى كان يسرج قلبى وأخذت برأسه على ركبتى دون نحيب أو صراخ.. ولكن خشونة تخترق صدرى.. ربما البشائر ستقرع أبوابى، وأنفاسى ستسافر معه، وأقول وداعًا لقحط الحياة.



الإبتساماتإخفاء