أحمد يسرى الصباغ - لوحات سوداء ( قرنان)



لوحات سوداء  - قرنان  

أحمد يسرى الصباغ  


- استووا! 

ترددت الكلمة التي خرجت ممطوطة بين جموع الواقفين في ساحة المسجد الكبير، الذي أسكن في البيت المقابل له..  كأن لها مفعول السحر.. اصطف الناس في صفوف متراصة الكتف في الكتف والقدم في القدم.. أحدهم يتطوع خارجًا عن الصف للحظات ليضبط اعوجاجًا في الخط الممتد ما بين جداري المسجد من المتصّافين، ثم يعود إلى مكانه مرة أخرى ويقف منتظرًا في خشوع.. سعال من هنا وهناك وبعض الهمسات تفنى بعد أن تخرج من فم صاحبها بلحظات.. اضطراب يليه الهدوء والسكينة وكل العيون معلقة بالإمام في انتظار تكبيرة الإحرام.. أحرك عيناي في من حولي في سرعة وأنظر إلى السقف للحظات كأني أستلهم الخشوع من السماء كعادتي، أنظر من جديد إلى الأرض من أمامي فتصطدم عيناي في طريقها بالنعش ذي اللون الكئيب (الخشبة) كما يطلق عليها العامة، التي احتوت جسد (سيد) الشاب الذي يسكن في الشقة التي تعلوها شقتي، وافته المنية فجر اليوم وهو مَن اصطف هؤلاء الناس لأداء صلاة الجنازة عليه الآن، استعدادًا لدفنه بعدها في المدافن القريبة من هنا.

اخفض عيناي في سرعة كأني انفض فكرة الموت عن عقلي.. أغمض جفوني محاولًا استعادة خشوعي من جديد، فيسرح خيالي في الصورة التي أرّقت نومي وزارت كوابيسي مرات أكثر مما أستطيع الإحصاء.. أنا أقف في ساحة مشابهة معطيًا ظهرى للناس من ورائي، وهم يهتفون في حماس مطالبين إياي بالاستدارة ليروا وجهى لتحل عليهم بركتي أنا الشيخ عبد الله.. أقف للحظات منصتًا للجمع فيملأني الزهو ثم أقرر أن انصاع لرغبتهم وإلحاحهم، فألتف في بطء وابتسامة وقورة تمرنت عليها طويلًا أمام مرآتي تملأ وجهي فتتعالى الصرخات.. من كانوا يهتفون باسمي منذ لحظات تبدلت أصواتهم واستحالت كلماتهم إلى صراخ يتخلله تعوذات كثيرة من الشيطان الرجيم.. البعض يشير إلى رأسي فتمتد يدي في سرعة ﻷرى ما هناك لتصطدم بقرن نما فوق مقدمة رأسي كقرون الثور، حاد كاد يجرح أصابعي لمجرد ملامسته.. الصرخات تتعالى والبعض خرج مسرعًا وعاد بأجولة من الأحجار فتحها في سرعة وبدأ في توزيع ما بها على من ظل واقفًا.. النظرات الملتاعة المستغيثة استحالت إلى نظرات غاضبة لترتفع الأذرع والأيادي بما فيها من أحجار وتقذفها إلى ناحيتي بينما تتعالى أصوات التكبيرات الغاضبة لتملأ الساحة.. أفتح عيناي طاردًا الصورة من خيالي فليس بي شوق لها فهي تزورني في نومي كل بضعة أيام مرة على الأقل.. يتململ الناس في وقفتهم بعدما طال انتظارهم:

- الله أكبر!

أقرأ الفاتحة بينما يتقافز إلى عقلي سؤال طالما بحثت له عن إجابة منذ أن رأيت هذه الصورة المرعبة في نومي، هل هي رؤيا من عند الله فأتقصّى وراءها وأرى ما تفاسيرها، أم هي أضغاث أحلام من الشيطان الذي طالما رددته خائبًا عن طريقي، وقطعت عليه كل فرص المعصية التي طالما هيأها لي، محاولًا جرجرتي إلى هلاك الخطيئة بعيدًا عن الطريق المستقيم.. ربما كانت لعبة أخرى من ألاعيب إبليس اللعين يطاردني بهذه الصورة ليرمى الشك في قلبي ويجعلني أتشكك في طاعتي لله رب العالمين.. أنا الشيخ عبد الله العابد الزاهد، فطرتي الصلاة في المساجد وكلامي التسابيح والقرآن، حامل الكتاب والسنة، أفنيت حياتي في تدارس الدين بين حلقات العلم، أفيكون في كل هؤلاء المصلين من هو أعبد مني؟ من هو أصلح مني؟.. أساتذتي وتلامذتي على حد سواء يقرّون لي بالصلاح والهداية، ويتبركون بمجرد تواجدي بينهم في مجالسهم.. لا يعقل أن تكون رؤيا، لست معصومًا من الخطأ بالطبع، ولكن أخطائي في الحياة مجتمعة لا تجعلني أتحول مطلقًا إلى هذه الصورة الشيطانية.. ليست رؤيا.

أتذكر صورة القرن مرة أخرى فتمتد يدي في غير وعي تتحسس مقدمة جبهتي فلا أجد شيئًا فأتبسم من مدى سذاجة ما فعلته يداي و..
- الله أكبر!

أسمع أحدهم يهمس بما يقرأه بصوت مسموع فتقشعر أذناي ويتشتت تركيزي، أغلب هؤلاء المصطفّين ذاهبون إلى الجحيم في النهاية لا يعرفون الله إلا في صلاتي الجمعة والجنازة ولا أرى وجوههم العكرة المغطاة بأثر اللهاث وراء شهواتهم وملذاتهم من جديد.. مرة أخرى ترتفع يدي لتتحسس مقدمة جبهتي  ولكني أمنعها في المنتصف فتعود على صدري، وأحاول أن أسكت عقلي الثائر من أجل أن أخشع في صلاتي.. تهدأ الأصوات في الداخل وتقفز صورة (ميادة) دون سابق إنذار أمام عيناي فأجفل.. ميادة أخت سيد الذي نصلى على جثمانه هذه الصلاة لربما هي خطيئتي الكبرى في هذه الحياة، رأيتها تمسح بلاط منزلهم أثناء صعودي على السلالم المتهالكة وكان بابهم مفتوحًا، بينما هي تربط جلبابها الواسع إلى وسطها لتظهر من تحته سيقانها التي لم أرَ في بياضهما ولا رشاقتهما من قبل.. لم اعلم لمَ لمْ أغض النظر هذه المرة كما تعودت طيلة حياتي، الشيطان الذي حار معي وجدها فرصة سانحة فدعاني للتأمل طويلًا في جسدها البض.. ساءلت نفسي كيف لم أر هذه الحورية من قبل أو أشعر بها فانشغل عقلي بالتفاف عودها والكمال الذي رأيته في تكوين أردافها، فتناسى السؤال وأنساني نفسي، فظللت على حالي كالمجذوب لا أعلم كم مر علي وأنا واقف هناك.. شعرت بوجودى فأدارت وجهها إلى ناحيتي فتهللت ملامحها إذ رأتني وقالت بصوت ملائكي "اتفضل يا شيخ عبد الله".. نقلت عيناي بين ملامح وجهها الفاتنة، وانحدرت نظراتى إلى صدرها الناضج المشدود وجسدها الذي يفور بالأنوثة في تؤدة.. ظللنا واقفين للحظات بينما تحفر عيناي تفاصيلها في عقلي حتى لاحظت أنى لم أتحدث  فقلت بصوتي الوقور متسائلًا في دهشة مصطنعة:

- انتى مين؟

- انا ميادة اخت سيد.. انتا عايزه؟ اتفضل ده زمانه جاي.

اتبعتها بابتسامة أدخلت البهجة إلى قلبي برغم الحزن الذي كسا ملامحي.. سيد شارب الخمر ومدمن المخدرات وأحيانًا تاجرها، يخفي في بيته جوهرة كهذه، قد يبيعها من أجل سيجارة أو جرعة مما يتعاطاه أيًا كان اسمه.. سيد الشيطان الآثم يسكن معه تحت نفس السقف هذه الحورية التي سقطت من بهاء وعلياء الجنة إلى عفن وشرور الأرض.. لابد أن أقتني هذه الأنثى لنفسي وأنقذها مما هي فيه وأطهرها من ذنوب أخيها قبل فوات الأوان.. تركتها وأنا أقول:

- هاجيلوا تانى.. أكيد هاجيلوا تانى.

- الله أكبر!

اللهم ارحم الميت واجعل قبره روضة من رياض الجنة.. يتمتم بها لساني بينما أتذكر ما حدث بيننا في حياته عندما فاتحته في زواج أخته منّي، ظل ينظر إلى ناحيتي مليًا ثم انفجر في الضحك لا يستطيع التوقف ثم أنهى ضحكاته بأن قام واقفًا صائحًا في صوت غليظ:
- يا راجل عيب عليك ده انتا أد ابوها وعلى ذمتك اتنين.

أصدر صوتًا حلقيًا بذيئًا مثله ثم أكمل:

- عيب على دقنك يا.. يا شيخ.. باقولك ايه قوم امشي، انتا راجل بركة وبتاع ربنا بدل ما تهزأ نفسك معايا.

ألا اللهم فلا ترحمه، اللهم اجعل جسده حطبًا لنار جهنم.. اللهم اخزه في الآخرة كما أخزى عبدك المسبح بحمدك في الدنيا.. اللهم اجعل قبره جمرة من نار جهنم بما فعلت يداه وما قاله لسانه فآذاني.. اللهم أنت المنتقم الجبار أغوث بقدرتك أن تجعله عبرة لمن تطاول على عبادك الصالحين.

أشعر بألم بسيط في مقدمة جبهتي فأتذكر حلم القرن الذي يراودني فتمتد يدي مسرعة تتحقق من رأسي فلا أجد شيئًا كالعادة.. أعيدها على صدري فوق يدي الأخرى بينما صورة ميادة تقفز مجددًا إلى عقلي فيسرح عقلي المشتت في تفاصيلها، عيناها الواسعتين ورموشها الطويلة الكحيلة، شفتاها الممتلئتان التي تناديك أن تتذوق من رحيق الجنة الذي يسكن فيهما في كل كلمة تخرج من بينهما.. صدرها النافر الذي يشد عيناك مهما حاولت أن تقاوم النظر إليه.. أنثى كما تجب أن تكون الأنثى.

- الله أكبر!

رأيت سيد اليوم عند صلاة الفجر يستند إلى اثنين من المدمنين أمثاله بينما أخرج إلى صلاتي من باب البيت القديم.. كانت قدماه لا تقوى على حمل جسده وأثر المخدرات يطغى على ملامحه وعندما نظرت إلى عينيه ربما علمت ساعتها أنه لن يعيش حتى تشرق عليه الشمس.. رأيت الموت يحوم حوله وشممت رائحته في أنفاسه التي لوثت الهواء وأفسدت لثوان رائحة المسك التي أتعطر دومًا بها، بينما أتحرك من جانبهم في طريقي للمسجد.. فكرت للحظة أن أطلب له الإسعاف ربما كان بمقدورهم فعل شيء ولكني فكرت أيضًا ربما إن مات فلن تخسر البشرية شيئًا حقيقة، بل ربما كسبنا نحن بزواله الكثير من راحة البال.. ربما إذا خلى الطريق من سيد وبلطجته اكتسبت أنا ميادة الحزينة المولولة بغير جهد يذكر.. ربما إذا أشحت النظر إلى الجهة الأخرى سيكسب الكل ولن يخسر أحد، فأشحت النظر وتحركت إلى صلاتي مهرولًا للمسجد.

اليوم ميادة ترتدي السواد وتفكر في مستقبلها منعدم الملامح الذي تضعضعت أركانه بزوال أخيها آخر من تبقى لها في الدنيا.. سأنتظر لبعد غد، لا بل للغد فقط وأظهر مواسيًا وأعطيها المال متعللًا بالمصاريف.. سأزورها كل يوم أو اثنين متفقدًا أحوالها وأمّلى عيني بمحياها الجميل.. شهر على الأكثر وستكون زوجة لي أستعيد من شبابها شبابي، وأسبح في بحر أنوثتها الطاغية مستمدًا منه الحياة، سأجعل من شفتاها قِبلتي وفي أحضانها ملاذي.. سأجعلها تناديني عبده وليس الشيخ عبد الله كما أفعل مع الاثنتين الأخريتين.. لن أخرج من الفراش إلا للصلاة وسأرجع مهرولًا إلى دفء جسدها الملتهب مرات بعد مرات.. أشعر بألم من جديد كأنه نار في مقدمة رأسي فأرفع يدي في سرعة فتصطدم أصابعي بذلك النتوء الصغير كأنه.. كأنه قرن ينبت من تحت جلدي.. قلبي يتواثب في صدري ويتملكني الهلع.. أتحقق مرة أخرى فأشعر به يتحرك كأنه ينبت.. ما كنت أظنه خيال وأضغاث أحلام يتحقق الآن.. الغوث يا الله.

- السلام عليكم ورحمة الله!

قدماي لا تقوى على حملي.. هوة سوداء تتسع أمام عيناي تحاول ابتلاع وعيي.. أقع على الأرض بينما تداري يدى اليمنى قرنًا أشعر به ينبت فوق رأسي وتداري اليسرى قرنًا آخر انتصب عند فرجي بينما صور ضبابية ﻷشخاص يهرولون إلى ناحيتي وصوت منزعج يصم أذني ينادي

- الحقوا الإمام.. حد يطلب الإسعاف!






الإبتساماتإخفاء