داليا عادل - زمان ودلوقتي (4) - أنا والحب





زمان ودلوقتي (4) - أنا والحب

بقلم: داليا عادل 


ده المقال الرابع في سلسلة ‫#‏زمان_ودلوقتي‬
الحب من القيم الأساسية في حياتي. تميل روحي لدفء الحب والحنان والاحتواء من طفولتي. ربما يكون هذا من الأسباب التي سهلت اقتراب من تحرش بي مني – حنانه علي واحتواؤه لي واحتياجي لهذا الدفء والقرب. أو ربما بسبب التجربة كنت أحتاج لأمان الحضن؟ لا أعلم. كنت أشعر دائما بعطش لا يرتوي للحب .. للقرب .. للأحضان. في المرحلة الابتدائية كنت ألازم الحنونات من المدرسات وأساعدهن وأتلقى منهن من فيض الحب ما يعين روحي. 

كنت متفوقة في دراستي ومهذبة ولطيفة ومتعددة المواهب والنشاطات. هل كنت كذلك لاحتياجي لإنجازات أشعر معها بقيمتي؟ أو لأنني كنت فعلاً كذلك؟ أو لأنها كانت تجلب لي الحب والدعم المعنوي؟ لا أعلم. 

بداية من المرحلة الإعدادية ثم الثانوية والجامعة وما تلاها انفتحت أكثر على الآخرين وبدأت أكون صداقات أعمق من رفقة الطفولة. على طول الخط – باختلاف الدرجات – كان أسلوبي في العلاقات يتميز بسمات متكررة. سأسردهم الآن ثم أتناولهم بالتفصيل:

- متطلبة في علاقاتي
- غير واضحة
- قماصة
- غير محددة الحدود 
- غير مرنة

متطلبة في علاقاتي من الناحية العاطفية؛ أحتاج تعبير دائم عن المشاعر بكافة الطرق. حضن .. طبطبة .. بوسة .. لمسة .. كلمة. كلنا يحتاج الحب بس القصة عندي كانت أووووووووفرررر!! مش شرط طول الوقت الصديق يكون عنده استعداد أو في موود حضن أو أي حاجة من الحاجات دي. لا مكانش ينفع معايا الكلام ده! وقت ما تطلب؛ تطلب! وبعدين المفروض ان الطرف الآخر يقدم عمال على بطال من غير ما اطلب لأن الطلب كان بيحسسني بالاستجداء والذل. دايما كنت باشوف صورة كلب بيتمسح في رجلين صاحبه وبيستجدي منه عضمة أو طبطبة وكنت باشوفني الكلب ده.

غير واضحة .. رغم إني شخصية معبرة ومتمكنة من أدوات اللغة من صغري بس كنت مش باقدر أعبر لأني من جوايا حاسة بالذل. مش عايزة أقول انا محتاجة ايه لأن الاحتياج واجعني. ومش عارفة ولا اوقف الاحتياج ولا اقبله واعبر عنه. فعايزة اللي قدامي يفهمني من غير ما اتكلم. نفس نظرية "انت لو مهتم كنت عرفت لوحدك". وياما قامت خناقات ونزلت بتتر "انتي لو مهتمة كنتي عرفتي لوحدك". 

وهنا تأتي فقرة القمص. بما إن الطرف الآخر لم يستطع أن يفتح المندل أو يضرب الودع ويعرف أنا محتاجة ايه؛ إذن فهو وقت القمص. وهي الطريقة التي كنت استخدمها لأعبر عن استيائي من موقف أنا نفسي مستاءة منه بس مش قادرة اتكلم عنه عشان "الكلب". بعد القمص في ايه؟ دوبل قمص! ما هو لم يتعامل مع احتياجي فاتقمصت ثم لم يتعامل مع القمصة لأنها غير مفهومة فالعك بيزيد. وكل ده بيصب في رؤيتي لنفسي وتقديري لها .. متسولة وهايفة وقماصة. البعض كان يتعامل مع الموقف الانفعالي العاطفي بدون الخوض في التفاصيل والأعماق بتاعة "مالك دلوقتي؟" مقموصة؟ ننزل بحضن. وياللعجب! القمصة بتفك بس باتفتح في العياط لأن صورة الكلب بتترسخ. يعني القصة بايظة بايظة!

غير محددة الحدود .. مفيش نقطة باقف عندها واقول لأ. وانا باتكلم هنا عن العلاقات الشخصية لأني كنت في الشغل مختلفة. فإيه بأه؟ أي طلب أو احتياج عند الطرف الآخر حتى لو كنت هاتشقلب على راسي كنت باعمله ممكن من غير ما يطلب الآخر أصلا. وممكن يطلب واعمله رغم اني – في ظروف نفسية سوية – المفروض اقول لأ. آه كنت باعمله بحب بس كان في دايما توقع لحاجة في المقابل. وعدم تلقي المقابل بيستدعي صورة الكلب خاصة إذا كنت أعرف في قرارة نفسي أن ما قدمته يتخطى حدود العطاء مع احترام حدود الذات.

غير مرنة .. اللي نتفق عليه قرآن أنزل ويستحيل تغييره! تغييره – لأي ظروف من الظروف يستدعي موجة من النكد والغم والهم غالباً لن يفهمها الطرف الآخر فيتبعها قمص .. وهلم جرا.

ماذا وراء هذه الأنماط في التصرف؟ أغلبها – إن لم يكن كلها – كان وراءه عدم حبي لنفسي. كوني متطلبة في علاقاتي ومحتاجة دائماً للطرف الآخر وما يقدمه لي من حب يعكس الهوة السحيقة بداخلي من الافتقاد لحب الذات. رفضي العميق لذاتي كان يحتاج – على طول الخط – للتأكيد على استحقاقي للقبول وللحب من الطرف الآخر. وهو تأكيد لا يقدم مرة أو مرات ويرسخ. وإنما هو الحرث في مياه البحر!
كوني غير واضحة يعكس رفضي لمشاعري واحتياجاتي ورؤيتي لها على انها تقلل مني. هذا غير أن عدم الوضوح الخارجي كان في أحيان كثيرة يعكس عدم وضوح داخلي. أنا أصلا مش فاهماني! واقع الأمر أن كل شئ كان يبدو وكأنه يقلل مني بينما المشكلة اني شايفاني من الأصل قليلة. عندما نتبنى وجهة نظر ما تصبح كل الملابسات دلائل لإثبات صحة قناعتنا – هكذا قرر العقل.

القمص – في رأيي – طريقة تعكس عدم الثقة في الذات وعدم النضج. ممكن نقعد نتكلم كناس ناضجين عاقلين واعيين ونحط أوراقنا وتحدياتنا واحتياجاتنا على الترابيزة ونتكلم فيها ونشوف هانتعامل معاها ازاي. لكن لو رافضينها ورافضين نفسنا ومهزوزين طبيعي نبقى مقموصين.

الحدود أيضاً من الأمور التي تعكس تقدير الذات كما تعززه في نفس الوقت. ليه ماكونتش باحط حدود؟ لأني مستعدة امشي على الحيط بس أحس ان اللي قدامي بيحبني. ومهما اثبت لي؛ محتاجة اثبات وتعبير باستمرار لأني من الأصل غير مؤمنة اني مستحقة لحبه. وكوني حاسة اني غير مستحقة بيخليني اقدم واقدم واقدم فوق اي حدود طبيعية كأني باكفر عن ذنوب كوني "انا". كمان كنت باخاف احط حدود الناس تبعد. هما اصلاً مستحمليني على ايه؟!

النفس مجبولة على الحب. والاحتياج للحب طبيعي لأننا مخلوقين من الحب. لكن أول حب نحتاج أن نتقن أدواته هو حب الذات؛ ليس بصورة مرضية ليتحول لأنانية أو نرجسية. بصورة معتدلة. كل حب نتلقاه من الحياة مهما كان قويا وصادقا وثريا ومعطاءا دون حبنا لنفسنا في الأساس حب منقوص. يسعدنا في لحظة ثم يتركنا للفراغ. تهبط أرواحنا في نفس الهوة السحيقة المظلمة الجافة المحتاجة. هذا ما تعلمته. 
بعض أنماط التصرف الأخرى – مثل عدم المرونة مثلا – مرجعه محبسي في منطقة الأمان comfort zone وخوفي من الخروج منها. وإن كنت أعتقد أن هذا في حقيقة الأمر يرجع أيضاً إلى علاقتي بنفسي وتقديري لها وثقتي فيها والفرص التي أقدمها لها وايماني بقدرتها على إدارتها. 

هذا على صعيد الصداقة. أما على صعيد العلاقات العاطفية فليس لي تجارب كثيرة. دائماً كان الارتباط جزءا أساسيا من أحلامي. وذلك لعدة أسباب: كون الأمومة هو الحلم الوحيد الذي كان ومازال رفيقي طوال الرحلة. كوني أحب الحب وإحساس الصحبة والاحتواء. كوني محتاجة للكثير من الحب حيث لا أقدمه لنفسي. ده غير طبعاً فكرة "التطور الطبيعي للحاجة الساقعة" وسياق التوقعات الذي يرسمه المجتمع بكل طنطاته اللي مستنية "نفرح بيكي بأه .. ولا انتي عاجباكي قعدتك كده!". دون وعي مننا نقع فريسة للضغوط إذا لم تسير الخطة وفق توقع المجتمع: تدخلي الجامعة – تتخرجي – تشتغلي – تتخطبي – تتجوزي – تخلفي – تخاوي الأولاني – وهلم جرا.

وبالنسبة لي كما ذكرت كان الحلم حقيقياً ليس مجرد سياق اجتماعي. ولكل ما سبق عشت سنوات بأحلام وخطط مؤجلة. بلاش ألبس الهدوم دي .. خليها لما ارتبط. بلاش استخدم الحاجات دي .. خليها لجهازي. بلاش أجرب النشاط ده .. خليه لما اتخطب. بلاش أسافر البلد دي .. خليها لما اتجوز. وهكذا

متى وكيف تعاملت مع كل هذا؟ وماذا حدث بعد ذلك؟

كانت البداية عندما انفصلت عن أهلي وعشت بمفردي وقررت أن أحتمل جحيم صحبتي وخوفي منه وأتعامل معه. في ثاني مقال - "أنا وأنا" - من هذه السلسلة تناولت الحديث عن علاقتي بنفسي وكيف كثفت العمل عليها. ما أريد أن أركز عليه هنا هو الحب. أول خطوة كانت التوصل للقناعة أن حب العالم – لو قدم إلي – لن يكفيني ولن يروي عطش روحي طالما هناك تلك الفجوة داخل ذاتي تتوق لحبي لي. الوعي والإدراك أول خطوة للخروج من أي مأزق. بدأت العمل على تغيير الأفكار والقناعات المترسخة في عقلي وتغيير نبرة الصوت الداخلي لتكون أكثر إيجابية وهذا قطعاً ساعدني في رحلة حب ذاتي. لكني كنت أيضاً أحاول أن أبذل أقصى جهد لأقدم الحب حتى مع قناعي أني غير مستحقة – السباحة ضد التيار. نعم تغيير القناعة سيجعل عطائي واستقبالي للحب أسهل ولكن أيضاً عطائي واستقبالي للحب سيساعد على تغيير القناعة. هكذا شعرت وهكذا سلكت. فالظلمة يبددها النور والحزن يبدده الفرح والكره يبدده الحب. هذا غير أن الحب طاقة شفاء وكنت أحتاج الكثير من الشفاء العميق.

المرحلة التالية أتت بعدما شعرت أني بدأت أتوازن قليلا. وكانت مراجعة دوافعي في العطاء والحدود التي أضعها في علاقاتي. مما قرأت واستوقفني أننا يجب أن نتخذ قراراتنا من منطلق الحب؛ وليس من منطلق الخوف. فتوقفت لأتساءل: لماذا أقدم هذا العطاء؟ ما الدافع والمحرك وراءه؟ ما الذي انتظر منه؟ ما الذي سيحدث لو لم أقدم هذا العطاء؟ كما توقعتم وجدت أن معظم عطائي في علاقاتي كان مشروطا. نعم وراءه حب ولكنه أيضاً مدفوع بكثير من الخوف وينتظر ردا. لا يتوقف عطائي اذا لم يلق المردود المتوقع ولكن يشوب النفس ضيق وغضب واحباط. قررت أن اواجه الضيق والغضب والاحباط والخوف من البعد بقبول فكرة البعد في سبيل تعديل الموازين. وطبقت نفس طريقة الانفصال عن الذات لأحدد الحدود التي توضع في حالة حب الشخص لذاته. كنت اتخيلني صديقة احبها واتخيلها تتصرف تصرفاتي وانصحها هي من منطلق حبي لها وتقديري لذاتها ثم انقل الصورة واطبقها على نفسي (مع امتعاضي بالطبع في البداية). 

لما ارتبط .. لما اتخطب .. لما اتجوز. كل السلسلة دي أوقفتها بسؤال: ماذا لو لم يكن مقدراً لي أن أتزوج؟ هل سأعلق كل حياتي وقراراتي ومشاعري وتجاربي على احتمال؟ ثم فكرة "نصي التاني" و"إنسان يكملني"! مين قال؟

ماذا فعلت؟

اشتغلت الأول على القناعات. مثلا:

• "أنا مستحقة للحب". رغم أن هذا يبدو كبديهية؛ لكن هل حقاً وصدقاً وقولاً وفعلاً نؤمن أننا مستحقين للحب؟ لم تكن لدي هذه القناعة فركزت عليها.
• "كل عطاء له مردود. لكن وفق التوقيت والشكل والمقدار والاتجاه الذي تحدده الحياة." وجدت أني أشغل نفسي كثيراً بما سأتلقاه أو ما أود أن أتلقاه مقابل ما أقدم من عطاء ثم أدور في دائرة الإحباط مما لقيته أو لم ألقاه حسب ما توقعت. لم ولن يذهب أي عطاء خالص هباءا. توقع المقابل بشكل معين من شخص معين في وقت معين بقدر معين لا يمكننا من استقبال فيض العطاء من اتجاهات اخرى غير منتبهين لها
• "أنا واحد كامل". لسنا مخلوقين "أنصافا" ولا "يكملنا" أحد. يضيف البعض إلينا؛ ربما. تزيد حلاوة الأيام بصحبة البعض؛ ممكن. ترتاح الروح لرفقة أرواح على الدرب؛ أكيد. لكننا في مبتدأ الأمر ومنتهاه مكتملون.
• "كل ما أحتاجه بداخلي". كل المشاعر والأفكار والطاقات والأنوار التي أحتاجها بداخلي. فقط أحتاج لأن أتواصل معها وأفعلها وأطلق سراحها.

بعد ترسيخ القناعات يكون تطبيقها. والاثنان مرتبطان. وجود القناعة يعزز إمكانية تطبيقها وتطبيقها يعزز ويرسخ وجودها. كل القناعات تدور حول نفس الفكرة .. أحب نفسي. كيف يكون تطبيق ذلك؟

• أعرف ما يسعدني وأقدمه لنفسي بحب
• أكلم نفسي بطريقة محبة ومشجعة
• أجيب لنفسي هدية من غير مناسبة
• أكافئ نفسي لما أنجز حاجة
• أدلع نفسي .. أخرجني .. أفسحني
• أطلع الحاجات اللي مخزناها واستخدمها واعيش حياتي
• اتفهم احتياجاتي واتعامل معاها برحمة
• أقف جنبي واسندني وادعمني

انعكس بإيه كل اللي فات ده؟ تصالح مع النفس واحساس بالونس في صحبتي خلق حالة من السلام والسعادة. أكيد ده انعكس في حياتي وتصرفاتي وعلاقاتي. لست مضطرة لتكوين صداقات أو الاحتفاظ بناس في حياتي لمجرد الاحتياج أو ملء الفراغ أو الهروب من صحبتي. أقدم ما أستطيع تقديمه وفق الحدود التي أرسمها وأتوقف حيث أشعر بضرورة التوقف دون خوف من النتائج. أعبر عن نفسي ومخاوفي ومشاعري واحتياجاتي بوضوح وبوعي وبثقة وبصدق وبحب. أسعد بعطاء الحب من الآخرين وفقما ووقتما يقدم.

ثم أهلني كل ما سبق مضافاً إليه قراءاتي في الصوفية لمراجعة مفهومي عن الحب وعن الذات ومكانها من الكون ومن خالق الكون. فاتسع مفهوم الحب عندي ليشمل الكون. الجزء الأسهل على روحي كان رؤية الحب في تفاصيل الحياة من حولي؛ الطبيعة .. تصاريف القدر .. لطف الله .. أحداث الأيام .. قلوب البشر .. العلاقات بين الناس.

جزء من مراجعة مفهوم الذات؛ مراجعة فكرة انفصالنا عن بعض. نتعامل مع بعض من منطلق كوننا كيانات مستقلة يمكن أن يقترب أحدها من الآخر كما يمكن أن يهاجم أحدها الآخر. ومن هنا تنبع مخاوفنا والأساليب التي نتبعها لحماية أنفسنا أو الدفاع عنها. أؤمن أننا في الحقيقة واحد. كلنا من أصل واحد. كل الكون – ليس فقط كل البشر – روح واحدة. لو رأيت نفسي في كل نفس – وأنا متصالحة مع نفسي ومحبة لنفسي – أن يكمن الخطر؟ 

وهذه الفكرة – وغيرها – تقودني لفكرة الحب غير المشروط. لا أدعي أنني أتعامل مع البشر الآن وعلى طول الخط من منطلق أننا روح واحدة. ولا أدعي أنني أحب كل الناس وكل الأشياء حباً غير مشروطا. ولكنني أحاول. مازلت أجاهد. مبدئياً مازلت استكشف مفهومي للحب وشرطيته من عدمها وكيف يكون ذلك في التطبيق. وكل التحديات التي تواجهني في الحب غير المشروط والأوقات التي أشعر فيها بالانفصال عن غيري ولا أتعامل من منطلق وحدة الروح ووحدة الكون. واستكشف كيف يمكن لي أن أتعامل مع هذه التحديات. لكنني في هذه المرحلة من حياتي أؤمن أن الحب – بمعناه المطلق الواسع الغير محدود – هو الإجابة لكل سؤال. فقط لو فتحنا قلوبنا وأرواحنا له بوعي وبعمق وبصدق.




الإبتساماتإخفاء