شعراء اصطدموا بعبد الناصر في حياته ورثوه بعد موته

"كيفَ أصدِّقُ أنَّ الهرمَ الرابعَ ماتْ".. شعراء اصطدموا بعبد الناصر في حياته ورثوه بعد موته


محمد فايز جاد



جمال عبد الناصر



ليس غريبا أن يمتدح شاعر حاكما في حياته، ربما يمتدحه صادقًا، وربما يمتدحه بحثًا عن هبة أو جائزة. ولكن الغريب أن يمتدح الشاعر حاكمًا مات، ويرثيه بأحر الكلمات التي لا تصدر إلا عن مكلوم فقد عزيزًا لديه، لا مجرد حاكم سيأتي غيره. ربما هذه حتى قد لا تبدو غريبة إن كان الشاعر على وئام مع الحاكم في حياته وإن لم يمتدحه، ولكن أن يكون الشاعر على خلاف مع الحاكم، واصطدم إما بالحاكم بشكل مباشر، أو بنظامه وحاشيته فهذا هو الغريب.




الزعيم جمال عبد الناصر حقق هذه المعادلة الصعبة، فرغم الصدام القوي مع الكثير من الشعراء والمبدعين الذين امتدت أيديهم لنقد نظام الحكم، أو للصراخ أم أخطائه، فإن موته حقق ما لم يكن متوقعًا، وانبرى كل من كان يمفترض أن يقيم الدنيا ولا يقعدها سبًا وقدحًا في عبد الناصر، انبرى ليرثوه رثاء حارًا لم يعرفه واحد من الحكام السابقين، ولا التالين.




أول هؤلاء الشعراء كان الشاعر السوري الراحل نزار قباني، والذي اصطدم بالأنظمة العربية، وتحديدًا النظام المصري بعد قصيدته الشهيرة "هوامش على دفتر النكسة" التي هاجم فيها بضراوة وصراحة، الأنظمة العربية بل والشعوب أيضًا، وفيها يقول:








لو كنتُ أستطيعُ أن أقابلَ السلطانْ
قلتُ لهُ: يا سيّدي السلطانْ
كلابكَ المفترساتُ مزّقت ردائي
ومخبروكَ دائماً ورائي..
عيونهم ورائي..
أنوفهم ورائي..
أقدامهم ورائي..
كالقدرِ المحتومِ، كالقضاءِ
يستجوبونَ زوجتي
ويكتبونَ عندهم..
أسماءَ أصدقائي..
يا حضرةَ السلطانْ
لأنني اقتربتُ من أسواركَ الصمَّاءِ
لأنني..
حاولتُ أن أكشفَ عن حزني.. وعن بلائي
ضُربتُ بالحذاءِ..
أرغمني جندُكَ أن آكُلَ من حذائي
يا سيّدي..
يا سيّدي السلطانْ
لقد خسرتَ الحربَ مرتينْ
لأنَّ نصفَ شعبنا.. ليسَ لهُ لسانْ
ما قيمةُ الشعبِ الذي ليسَ لهُ لسانْ؟




















"هوامش على دفتر النكسة" أثارت جدلاً واسعًا في مصر وأثارت غضب المقربين من الرئيس جمال عبد الناصر، بل وحتى المؤيدين له من الكتاب والصحفيين، لدرجة أنهم طالبوا بمنعه من دخول مصر، ليس ذلك فحسب، بل ومنع أعماله، وبعضهم طالب بحرقها.




هذه الهجمة الشرسة رد عليها قباني بأن أرسل رسالة إلى الرئيس يقول فيها:
إننى لم أخترع شيئًا من عندى، فأخطاء العرب النفسية والسياسية والسلوكية، مكشوفة كالكتاب المفتوح.




وماذا تكون قيمة الأدب يوم يجبن عن مواجهة الحياة بوجهها الأبيض ووجهها الأسود معًا؟ ومن يكون الشاعر يوم يتحول إلى مهرج يمسح أذيال المجتمع وينافق له؟.




لذلك أوجعنى يا سيادة الرئيس أن تمنع قصيدتى من دخول مصر. وأن يفرض حصارًا رسميًا على اسمي وشعري في إذاعة الجمهورية العربية المتحدة وصحافتها.




والقضية ليست قضية مصادرة قصيدة أو مصادرة شاعر. لكن القضية أعمق وأبعد.




القضية هى أن نحدد موقفنا من الفكر العربي. كيف نريده؟ حرًا أم نصف حر؟ شجاعًا أم جبانًا؟ نبيًا أم مهرجًا؟
ورغم أن الرئيس أمر بإنهاء هذه الحالة من المصادرة، فإن قباني كان يعرف أن حاشية عبد الناصر كانت متربصة به، وأن قرار عبد الناصر لم يغير من موقفها شيئًا، وأن حالة العداء تجاهه ما زالت على حالها.




المفاجأة كانت بعد وفاة عبد الناصر، وعلى غير المتوقع خرج نزار قباني بقصيدة صارخة يرثى فيها الزعيم الراحل كما لم يرثه أحد من محبيه، واصفًا إياه بـ "الهرم الرابع"، وفيها يقول:




السيّدُ نامْ




السيّدُ نام




السيّدُ نامَ كنومِ السيفِ العائدِ من إجدى الغزواتْ




السيّدُ يرقدُ مثلَ الطفلِ الغافي.. في حُضنِ الغاباتْ




السيّدُ نامَ..




وكيفَ أصدِّقُ أنَّ الهرمَ الرابعَ ماتْ؟




القائدُ لم يذهبْ أبدًا




بل دخلَ الغرفةَ كي يرتاحْ




وسيصحو حينَ تطلُّ الشمسُ..




كما يصحو عطرُ التفاحْ..




الخبزُ سيأكلهُ معنا..




وسيشربُ قهوتهُ معنا..




ونقولُ لهُ..




ويقولُ لنا..




القائدُ يشعرُ بالإرهاقِ..




فخلّوهُ يغفو ساعاتْ




الشاعر المصري الراحل أحمد فؤاد نجم كان أحد الشعراء الذين تعرضوا للسجن في عهد عبد الناصر، وكان السبب الأول في ذلك أنه كان محسوبًا على الشيوعيين، رغم أنه أعلن مرارًا أنه لم يكن شيوعيًا. نجم انتقد صراحة وبلهجة لاذعة نظام الحكم في مصر آنذاك وما يقوم به من تضييق على الحريات، فانتهى الأمر بالاعتقال، وبينما كان الفاجومي معتقلاً مات عبد الناصر.




ورغم أنه ما زال يعاني السجن الذي زج به إيه عبد الناصر، فإن الفاجومي كتب قصيدة رثاء لا تخرج إلا من مؤيد، ومؤيد قوي، جاء فيها: و إحنا نبينا كده
من ضلعنا نابت
لا من سماهم وقع
ولا من مرا شابت
ولا انخسف له القمر
ولا النجوم غابت
ابوه صعيدي و فهم قام طلعه ظابط
ظبط على قدنا و ع المزاج ظابط
فاجومي من جنسنا
ما لوش مرا عابت
فلاح قليل الحيا
اذا الكلاب سابت
ولا يطاطيش للعدا
مهما السهام صابت
عمل حاجات معجزه و حاجات كتير خابت
و عاش و مات وسطنا
على طبعنا ثابت
و ان كان جرح قلبنا كل الجراح طابت
ولا يطولوه العدا
مهما الأمور
جابت








أكثرهم غرابة كان الشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي الذي رحل عن عالمنا في أبريل من هذا العام؛ فالأبنودي لم يكتب قصيدة مدح واحدة في حياة عبد الناصر، بل ولم يكتب قصيدة رثاء له بعد وفاته مباشرة، إنما انتظر لعقود طويلة حتى يكتب قصيدة من أقوى ما قيل في رثاء ناصر، وفي مدحه.




الخال تعرض للسجن في عهد جمال عبد الناصر عندما انضم لتنظيم "وحدة الشيوعية" مما أدى لاعتقاله لمدة أربعة أشهر، قبل أن يوجه الرئيس جمال عبد الناصر دعوة للمفكر الوجودي الفرنسي الشهير سارتر، وكان شرط سارتر للحضور أن يتم الإفراج عن كافة المعتقلين السياسين، وهنا خرج الأبنودي من المعتقل.




عندما عاد الأبنودي إلى قريته وسؤل عن سبب سجنه، وما أن لفظ لسانه عبارة" الراجل اللي اسمه عبد الناصر" حتى تلقى الخال توبيخًا شديدًا من أهله الذين دافعوا عن ناصر بضراوة، فسكت الأبنودي ومن يومها لم يمدح ولم يذم.




ثم خرج الأبنودي علينا بعد عقود بقصيدة يبكي فيها عبد الناصر، وكأنه ما كان إلا مؤيدًا له، ومؤيدًا شرسًا، يقول فيها: ملامحنا... رجعت بعد غياب
دلوقت بس اللى فهمناه
لاكان حرامى ولا كداب
ولا نهبنا مع اللى معاه أنا بحكى عن عبد الناصر








ويقول أيضًا: أنا أذكرك من غير ذكرى
والناس بتفتكرك بخشوع
الامس واليوم ده وبكرة
يبكوك بعظمة مش بدموع يكفى نقول عبد الناصر




اليوم تحل الذكرى الثالثة والستون لثورة 23 يوليو، وما زالت الأصوات ترتفع بالتأييد والمعارضة، وما زال المدح، رغم الموت، أكثر.






الاهرام 7/2015