أحمد حمدي الأشهب - ترويض


ترويض

بقلم: أحمد حمدي الأشهب



"أتعرف يا صديقى الوسيم أنك الوحيد الذى يسمعنى ..ليتك تتحدث  وتخبرنى برأيك فيما أحكيه لك ..حتى أمى التى ظلت طوال حياتها تلقننى الكلمات تلو الكلمات وتحكى لى قصص ابى وأجدادى الذين لم أرهم وكانت تنتظر ذلك اليوم الذى أجلس فيه  قبالتها وأحكى لها عن أحلامى وعما يدور من أحداث فى يوم عملى الطويل .. كانت تنتظر أن أصير سندا وأنيسا لها فى كبرها  ..أمى الطيبة الحنون ..أظنها  منذ فترة لم تعد تنتبه  لسنوات العمر التى  مرت بسرعة مثلما مرت تلك السيارة الطائشة التى دهست ابى وأودت بحياته..

 أمى التى كانت تبتهج فرحا وترقص  حينما كنت أنطق كلماتى الاولى لم يعد بوسعها الآن أن تسمعنى  ..أمى التى كانت أفراح الجيران ترتج بغنائها الريفى وصوتها الرنان ترقد أغلب الوقت فى سكون تام لا تكاد تقوى على الكلام  ، على نحو مفاجأ ذبلت ملامحها وأنطفأت عينيها البراقتان ..أصبحت لا أفهم  نظرتها الجديدة التى تصوبها لعينى مباشرة  و ربما كنت أخشى ما وراءها.. أصبحت فى كل لحظة أنتظر المجهول.. الأن يا صديقى لن أخبرها أننى لم آكل شيئا منذ الصباح ولن أخبرها أن الاسكافى  طردنى دون أن يعطينى أجرى وأن هذا الحقير ضربنى وادمى رأسى عندما أنكرت سرقته.. وأنا ورب الكعبة لم أسرقة ولم أسرق أحدا  من قبل ولا حتى فكرت فى هذا ابدا.."


  كان يجلس مقرفصا على مقربة من أحد محال الملابس بشارع رئيسى كبير يضج بزحام المارة والباعة الجائلين  ، ينظر الى الشمس المختبأة خلف الغيوم مثلما خبى وجه أمه المشرق خلف غيوم المرض وما بين لحظة وأخرى تهرب الدموع من عينيه رغما عنه فيمسحها بظهر يديه ويتنهد ثم يعاود النظر للسماء  متأملا حركة السحب الرمادية الملبدة ..كان ثمة صف كبير من المطاعم التى تتصاعد أدخنتها الكثيفة  لأعلى لتصنع غيوما  أخرى كئيبة و تفوح أبخرة الأطعمة المطهية والاسماك واللحوم المشوية للتو لتستفز أنفه وأنوف  الجوعى بينما يزدحم الزبائن داخلها ويقف أمامها صفين طويلين من السيارت ، فتش جيوبه أملا فى العثور على أى نقود دون جدوى قبل أن يعود الى حواره الصامت..

"صحيح أننى أسكن مع أمى فى غرفة حقيرة فوق سطح ذلك البيت الرمادى البائس الذى يعلو المخبز، غرفة  معرشة ببعض قطع وجذوع الخشب القديمة  تغطيها لافتات الانتخابات التى طبعت عليها صور باشوات البلد ، و كنا نجدد بها سقف غرفتنا  مع كل موسم انتخابات و كانت تحمد الله على ذلك كثيرا  وتخبرنى بأنها لا تتخيل كيف كنا سنعيش فى هذى الغرفة دون هذه اللافتات التى نتحصل عليها بمبالغ زهيدة بينما  هناك مساكين كثر ليس لديهم مثل هذه اللافتات يضطرون للعيش  تحت أسقف هشة فيغرقهم المطر ، كانت دائما تدعو الله أن يديم علينا هذه النعمة الكبيرة  التى تقينا  من المطر  والبرد، وكنت دائما _ومع اتساع رؤيتى للحياة والبشر_ اتعجب من ذلك الرضا الغريب والايمان الراسخ والقناعة التى لا تهتز ..

  صحيح أننى قضيت قرابة العشرة أعوام  أتبول فى صفيحة  صدأة وأستحم فى طست نحاسى  حتى أشفق علينا أحد الجيران  وصنع لنا حماما صغيرا فى زاوية على السطح ..وصحيح أن حياتى وضيعة وثيابى مرقعة وحذائى بالي ..

  وصحيح اننى جائع ألآن ..بل أتضور جوعا اذ أكاد أرى الجوع أمامى يزأر فاغرا فاه،  كاشفا عن أنيابه السوداء ويسيل لعابه مشرعا  فى التهامى.. لكننى أهون على أن أموت جوعا ولا يقال أننى سرقت..

كنت أجوع كثيرا وكنت أشبع أيضا دون طعام ..الا تصدق؟  ..والله دون طعام !!
 أجوع وأتعذب قرابة الساعة ولا أجد فى النهاية سوى  بضعة لقيمات جافة مختبئة تحت طيات الحصيرة المتآكلة يرشدنى اليها أحيانا فأر جائع عندما يدس رأسه تحتها بخفه ويظل يقضم منها  بتلذذ .. وان لم أجد شيئا فليس سوى الصيام  لحين توفر الطعام وكانت أمى  فى معظم الأحيان تتعمد ذلك فى قرارة نفسها كى أتعود على قسوة الحياة فتطمأن علي ان حدث لها مكروها ، كانت تعلمنى  كيف أروض ذلك الوحش الضارى وأتقى شراسته وألا أضعف أمامه حتى يصبح على نحو ما مستأنسا أليفا فلا  يفترسنى أبدا وكنت أضربه بسياط الصوم الذى كنت أتعبد به الى الله.. 

 علمتنى أمى أن اليأس قاتل  وأن العمل هو ذلك السيف الذى أهزم به جوعى وربما نستطيع أن نأكل  ذات يوم  بعض ما نشتهى  ..كنت فى البداية أضيق ببقايا الخبز الجاف  فأصرخ فى وجه أمى وأتمرد لكننى بمرور الوقت أدركت  أننى لست وحدى الذى أعانى الجوع فى هذا العالم وأن فى الحياة ما هو أصعب من الجوع كمرض أمى مثلا حتى اصبحت اتلذذ ببقايا الخبز الجاف ..

 لقد أصبح الجوع عندى من طقوس الحياة المعتادة  وتعلمت أنه من الشرف أن أتحمل الجوع ولا أسرق.. كنت اكل الخبز وحده احيانا وأحيانا أخرى مع الفول والبطاطس  حينما تكون رخيصة الثمن  وكانت امى تتفنن فى طهى الفول فتارة تطهوه بالطماطم وتارة بالبصل وتارة أخرى بالبيض وبالمثل تطهو البطاطس.. حتى عملت مع ذلك الاسكافى  .. الان ادركت يا صديقى كيف كنت أشبع دون طعام !! ..كنت أشبع بأنفاس أمى وصوتها الحنون الذى غيبه المرض..أخبرنا الطبيب أنها مصابة بالفيروس الكبدى الوبائى وأن حالتها متأخرة يجب علاجها فورا وهو ما سيتكلف مبالغ طائلة وحين سألناه ان كان متاحا صرف العلاج من التأمين الصحى مثلما اخبرنا البعض أجابها الطبيب بأن حالتها لا تحتمل الانتظار قرابة الستة أشهر  حتى يحين  دورها فى الحجز"

  يقف لاول مرة مصوبا نظراته لعين التمثال القابع خلف زجاج المحل والذى كان يفضى اليه بأسراره دوما..

 "  أعلم أننى لو كنت تمثالاً مثلك لوقفت هكذا جامداً بلا حراك ، مجرد قطعة  بلاستيكية صماء تشبه البشر ، لكننى على الأقل سأظل دائما ممشط الشعر ، مبتسمًا ،أرتدى ثيابًا نظيفة مبهجة ، ولن يستطيع ذلك الاسكافى اللعين التنكيل بى وسيكف ذلك العالم الأحمق عن احتقارى، بل  سينظر لى بكل انبهار ، أتعلم يا صديقى لو كنت مكانك حقًا  لما شعرت مثلما أشعر الأن بالجوع ينشب مخالبه السوداء فى صدرى العارى ولما ملكت قلبا داميا موجوعا مثل قلبى الموجوع على أمى  "

تنهد فى أسى ثم راح يفتش جيوبه مجددا فلم يعثر على شئ ..دخل المسجد

توضأ وصلى ..وأثناء تواجده فى المسجد تذكر انه لم يفتش احد الجيوب الصغيرة ببنطاله، دس سبابته فيه فعثر على جنيه فضي فابتسم متحسرا على حاله ثم حمد الله وفكر أن يشترى  رغيفا وقطعة جبن ..

 اقترب من المخبز الذى تفوح منه رائحة المخبوزات الطازجةوتردد قليلا قبل أن يرمق شيئا برتقاليا وتلمع فى ذهنه فكرة.. مضت ثوان قليلة قبل أن يجد نفسه يلتفت مناديا على أحد الباعة ويشترى منه فوطة برتقالية ، لم يضيع وقتا وانكب بحماس على  السيارات التى يوشك أصحابها على المغادرة  ليمسحها باتقان فيأخذ جنيها من هذا واثنين من ذاك ويعود اليه الأمل من جديد .. مضت دقائق قبل أن يلمح شابا بين الزحام يراقب بحذر  سيدة فى العقد الرابع تهم بالنزول من سيارتها الفارهة .. كان الشاب طويلا فظ الملامح ذا وجه أسمر باهت ممتلئ بالندوب ، تابعه الصبى باهتمام متوقعا سوء نواياه فى نفس اللحظة التى فوجئ فيها بقبضة يد  تندفع نحوه من الخلف و تمسك بتلابيبه بعنف وكان صاحبها يمسك بقبضتة الاخرى فوطة برتقاليه ثم راح يسبه بأمه وما كاد ينظر نحو من هاجمه ويفهم من كلامه انه قد تعدى على حرم أكل عيشه حتى سمع صراخا انثويا فيلتفت نحو السيدة من جديد ليجد الشاب الأسمر الطويل  قد التقط بخفة هاتفا محمولا من داخل سيارتها الفارهة و راح يعدو مسرعا ..لم يتردد لحظة بل نزع بقوة يد الصبى التى كانت تمسك بتلابيبه وطفق يعدو مسرعا خلف اللص  بكل ما اوتى من قوة ، ينقض عليه من الخلف محاولا عرقلته فيضربه اللص بقوة عدة لكمات فيدمى وجهه ويطرحه ارضا فى الوقت الذى كانت فيه السيدة صاحبة الهاتف ومعها شابين أخرين قد لحقوا باللص واشبعوه ضربا قبل أن يستعيدوا منه الهاتف.. 


  تعود اليه السيده لتشكره وتبدي له امتنانا كبيرا وتعرض عليه مالا نظير شهامته فيرفض بحزم .. تخبره انها تود ان تنقله الى احدى المستشفيات لتلقى العلاج اثر الاصابة التى لحقت بوجهه .. يرفض أيضا ..تخبره بأنها طبيبه وان عليه أن يمتثل للذهاب للمشفى وعلاج وجهه المتورم فيصر على رفضه ..تطلب منه أن تقوم بايصاله على الأقل الى منزله  .. يرفض فى بادئ الأمر بعدما يشكرها متعللا بقرب البيت وبان مثله ممن يسكنون عشة فوق السطح لا يركبون هذه السيارات الفارهة وانما يمسحونها فقط.. تصر السيدة فيضطر للموافقة فى النهاية بعد الحاحها الشديد ..فى الطريق تخبره انها أصبحت مدينه له وتسأله ان كانت تستطيع ان تسدى  اليه خدمة ما فيطلب منها دون تفكير أن تدعو لأمه المريضة..

  تخبره أنها طبيبة استشارية فى الكبد و تطلب منه نتيجة اخر تحليل أجرى لأمه ..يصعد الصبى بسرعة ليحضره  لها ، تقرأ التقرير ثم تخبره انها  مستعده لاستقبال امه بعيادتها للمتابعة والعلاج مجانا ..يرقص قلب الصبى ويسألها غير مصدق  " بجد عند حضرتك علاج الفيروس الكبدى ؟ " فتومئ الطبيبة برأسها وتبتسم بحماس وهى تعيد الأمل الى قلبه و تملأ وجهه البائس فرحا  ..أعطت له  بطاقة ورقية بها ارقام هواتفها وعنوان عيادتها فخر الصبى ساجدا لله وانهار باكيا من فرط سعادته بعد طول غياب.

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء