جيلان زيدان - ديوان مخطوط



ديوان مخطوط

جيلان زيدان 



خَطّي يبدو أجمل عبر هذه الآلة. ضربات الأزرار وتعنيفها بطلقات إرادية,ناتجة عن مشاعر محتشدة لا إرادية, تستطع أن تنقل ذلك الحس السريع بشكلٍ موحّد.
لا أذكر أني كتبتُ حرف الكاف –مثلا- في كلمة يختلف عن آخره في كلمة أخرى.. ولا أذكر أني هبطت بساعدي أحمل أصابعي الكاتبة عن استقامة سطرٍ أكتب عليه!


وكان يحدث ذلك في صغرنا, لما تضحك زميلاتي على إحداهن واقفةً على السبورة بالكاد تطالها, ومعلمة اللغة العربية تداعبها: "إنتي نازلة تشربي م البحر؟؟".
أما أنا فلم أكن أشرب أبدا كقريناتي. بل كان خطّ كتابتي يروي جميع أساتذتي ورفيقاتي إدهاشًا. كنتُ أكتب الحروف كالسلاسل المفتولة بمسافاتٍ متساوية.
يحلّ ببالي أنه كان من الواجب عليّ أن أخترع أنا تلك الآلة الكاتبة بحروف لها زوايا. بشكلها الحاد الأنيق, وأن أطوّرها –كالآن-إلى تعدد أنواع الخطوط بها, تلك الآلة التي تتبنّى استقامة الكتابة دون سطرٍ ملحوظ. أو أن يُملي عليّ العالم ما يريد كتابته بآليّتي الفطرية.
مع تقدّم الوقت وعلى مراحل مدروسة, صار خبراء تصميم الأزياء يعيدون تصاميمَ تشبه تلك القديمة من أيام السبعينات والثمانينات. وكأن هذا العصر بحاجة ليد تكمل رسمه بماضٍ أنيق. أو كأنه يلجأ لماضيه كي يطبع أثرا ما بنفوسنا ويهبنا دفتر الذكريات.
كذلك, "موضة" إصدار "الدواوين المخطوطة", تعود بشكل كتابتنا البدائي لشيء من روح الماضي.




اشتريتُ مؤخرا جدا فستانا يطابق "موديل" فستان أمي الذي ارتدته في حفل عقد قرانها. وفي أول مرة ارتديته, كان حنينٌ يناتبني لهذا الزمن الخفيف. حملتُ شيئًا من سنوات أمي. ومسؤولياتٍ ضخّمت حجمي الافتراضي لو رأيتموه!
لكنه كان زمنا رائقا على أية حال, تعلو فيه نسبة الطفولة الروحية, بينما نرتدي نحن اليوم أعباء التكاليف.



استللتُ صفحة من هذا الزمن. أهدرني الشجن الذي أعاد لي صوت معلمتي. وزيتْيّة السبورة الغامقة, وزميلاتي التي بالطبع تفوّقن كبرًا عن أعمارهن وتوزّعن في طرقٍ مختلفة.
**


(لماذا لا أسكبُ هذا الحنين بين غلافيّ ديوان؟)
كان صوتي الحيّ الذي يردد مثل هذه العبارة. وذاكرتي الشاحبة تؤيد هذا المطلب بأصداء له. تصبّ في ذات الأمنية بحياة يؤطرها النقاء بلا مسافات.

"ديوان مخطوط". هو الموديل الأنسب لذلك البعد الذي يحرّك صورتي الآن بهذا الشغب والحب للماضي.
وهو الخطّ الذي سيجرفني بحره حتى دون النزول عن استقامة السطر والحياة.. وهو المرآة التي ستظل تعكس تاريخ فستاني, وتؤكد لابنتي على لون الأصالة الزاهي في حفل عقد قرانها المستقبلي.



الإبتساماتإخفاء