عمر ثروت - لقائى بهيكل



لقائي بهيكل

بقلم: عمر ثروت


قابلت الأستاذ هيكل رحمه الله مرتين، الأولى كانت يوم الثلاثاء ٥ مارس ٢٠١٣م و الثانية يوم الثلاثاء ١٣ يناير عام ٢٠١٥م، المقابلتين يدوران حول مسودة كتاب البيان القومي، ولكن ما أود أكتب عنه هو ما جرى في المقابلة الأولى تحديداً لسببين الأول أنها بها الكثير من الكلام مهم و الإسقطات الهامة لما يجري في المشهد العام، الثاني هو أن حكايتي مع الأستاذ رحمه الله فيها ماقد يسيء إليه، وأنا مهتم بالتطرق لما قد يساهم في إصلاح الأحوال العامة، و أمتنع عن الإساءة حتى وإن كان لي حق قد هُضم.

إن مقابلة الأستاذ هيكل كانت حلم، فالأستاذ هيكل ليس فقط كاتباً مهماً قد شكل وعيي السياسي، بل هو صاحب بصمة تغيير وجهة مسار حياتي كله، من شاب يحلم بالمال و الوجاهة المادية، إلى رجل هدفة الثورة الاجتماعية و القومية العربية، وكنت دائما أدعو الله أن يمد في عمر الأستاذ كي ألحق مقابلته قبل أن يصل قطار حياته لمحطة الدار الأخرة، و لكنها كانت أمنية، فلماذا سيقابلني؟ على أي أساس أصلاً، هل سيقابل شاب كي يغوصا معاً في عمق بحر التاريخ؟ أبسط إجابة هي أن كتبه و أحاديثه تكفي و تفيض، فلابد من سبب للمقابلة، و لهذا ظلت الأمنية بداخلي حبيسة المنطق، و عاجزة عن التحقق لسنوات، إلا أن جاءت اللحظة التي إستجاب فيها القدر و قرر أن يحقق لي أمنية من طابور الأماني التي ماتت بالسكتة القلبية، فالسبب كان مسودة كتاب كنت أكتب فيه من حوالي خمس سنوات، واللحظة كانت يأس من صد أبواب الكثير من النخبة المثقفة في وجهي، وكأن طلب النصح و الإرشاد لكتاب عن الفكر السياسي تسول، و أن الاجتهاد لبلورة رؤية مستقبلية مضيعة لوقتهم الثمين، فدفعتني لحظة اليأس لكي أمسك بكتاب "مبارك و زمانه" للأستاذ هيكل، و أفر في ملحق الوثائق الذي تتميز به كتب الأستاذ، أبحث عن صورة ضوئية لورقة من مكتبه يرد فيها على الرئيس مبارك بالإعتذار عن علاجه، و بعد أن وجدتها دونت العنوان الذي في أول الصفحة، ٩٢ شارع النيل بالجيزة.

و بعد البحث في شارع الجيزة عن المبنى رقم ٩٢، وجدته بجوار مبنى فندق شيراتون القاهرة الشهير، و لكن الأمن قال لي الوقت قد تأخر الآن، تعالى غداً في الصباح الباكر كي يُسمح لك بالدخول، فعلت، جئت مبكراً في يوم الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠١٢م، اتصل الأمن بالمسئول عن المكتب و سألني هذا المسؤول عن ماذا أريد، قلت معي كتاب و أريد أن أقابل الأستاذ، وافق و أعطى الأمن الإذن كي أصعد للدور الرابع، الدور الذي يقع فيه مكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل.

فتح لي الرجل الأسمر عبد المنعم الباب بإبتسامة صدقتها (ياليتني ما فعلت) دون إسمي و سبب طلب الزيارة، في حجرة الأوفيس على يسار الطرقة المؤدية لحجرة مكتب الأستاذ، ثم أخذ مسودة الكتاب (البيان القومي)، و قال لي سنتصل بك، و بعدها بأسبوع إتصل ليقول أن الأستاذ وافق من حيث المبدأ على المقابلة.

من ذاك التاريخ حتى اليوم الخامس من شهر مارس، أخذت أكثر من المئة ميعاد تقريباً، لدرجة أن كثيراً ما كان يُلغى الميعاد بعد أن أصل المكتب، والأكثر حين كان يُلغى و أنا في الطريق، ناهينا من إلغاء الميعاد و أنا أرتدي ملابسي، و العادي كان أن أستيقظ مبكراً و أتصل بالسيد عبد المنعم لأسأله هل الميعاد اليوم يقول لي لا لقد تأجل إلى الغد.

كانت المسألة مرهقة نفسياً جداً، خصوصاً و أن المدى قارب الستة أشهر، إلى أن جاء يوم المقابلة الحقيقي، و كنت أظنه سيُرحل ليوم آخر كالمعتاد، إلى أن مكالمة الصباح كان فيها التأكيد، فبدأت أرتدي ملابسي و عيني مع الهاتف المحمول، أنتظر مكالمة التأجيل، فأنتهيت دون أن تأتي، و وصلت المكتب دون أن تفسد يومي هذه المكالمة اللعينة، و جاء السيد عبد المنعم ليقول لي تفضل بدلاً من أن يعتذر عن إتمام الأستاذ للمقابلة.

دخلت و قلبي يخفق بشدة، ولكن على مكتب السيدة "جيهان"، جلست أمام مكتبها، وراحت تتكلم معي، حتى جاءتها مكالمة لم تتعدى الثانية، أظنها الإذن بدخولي، و قام الجميع وكأني رأيتهم يزفوني في فرح مقابلة الأستاذ محمد حسنين هيكل، و هم في الواقع يرافقوني لباب حجرة مكتبه، وقد دخلت المكتب في رهبة و رأيته جالس يقرأ رسالة قد بعثتها إليه في وقت سابق بغرض حسم تحديد موعد نهائي للمقابلة و وقف مسلسل الإلغاءات المرهقة، وقد كانت مقدمة عني و عن ماذا أريد و عن تأثيره علي و أثره في حياتي، كان يقرأها وفي يده سيجار أو بالأحرى الثلث المتبقي منه، و قد رحب بي قائلاً "أهلا وسهلاً"، فرديت بالتحي، ثم جلست على الكرسي الوحيد الذي أمامه وقد كان موجهاً نحوه كي نجلس وجهاً لوجه، ولفت نظر الأستاذ رزمة ورق قليلة أحملها في يدي، و قال لي "هل ما تحمله لي كي أقرئه؟" 

قلت "نعم هذا ملحق للكتاب أردت أن أضيفه إسمه (في الثورة) "
و الملحق كان عبارة عن بضع صفحات قليلة، تناول الأستاذ الرزمة و قرأ معظمها بسرعة مدهشة، و قد عض على لسانه من فرط التركيز، ثم توقف بعد أن جمع الفكرة و سألني بعدها "طلباتك"

بدأت في حديثي "أنا ثمرة من ثمار أنت بذرت بذورها..."
قاطعني الأستاذ و أشار الأستاذ بيديه كي أنهي مقدمتي و كرر "طلباتك"

إرتبكت إرتباك شديد من حدة رد الفعل، أخذت ثواني في محاولة إستعادة توازني مرة أخرى، و حاولت أن أشحذ همتي لدرجة أنني قلت "بسم الله الرحمن الرحيم" بصوت مسموع و مع أني كنت أريد أن أقولها في سري.
ثم واصلت "أنا هدفي سياسي و هو تغيير الواقع على الأرض، و لكن كل حركة لابد لها من إطار نظري يحدد إتجاهها و يضبط حركتها، حيث أن الحركة من أجل الحركة تبديد للطاقات و إنهاك للقوى، و هو ما شهدناه على الساحة من يناير حتى الآن"

و هنا بدأ الأستاذ يظهر وجهاً أكثر مودة حينما رد "حضرتك أرسلت لي هذه المسودة من ستة أشهر، وهي كتاب عن الثورة - ولم أكن قد إستقريت بعد على عنوان "البيان القومي - و قد قرأت الـ١٢٧ صفحة كاملة و هو جهد مشكور و رائع، فما هو الذي أستطيع أن أقدمه لك"

إندهشت من أدبه في مخاطبته لي بـ"حضرتك"، وتعجبت من معرفته الدقيقة لميعاد دقي على باب مكتبه - على الرغم من فوضى المواعيد الذي تمت لدرجة أنني ظننت أن ما جرى كان متعمداً ليختبر صبري - ثم تفهمت برفق التداخل الذي حدث عنده حينما ذكر عدد الصفحات الـ١٧٢ بأنهم ١٢٧ ولم أرغب في تصحيح الرقم، ثم بدأ توتري يهدأ صممت على أن أقول له ما أردت

"أولاً أود أن أشكرك شكر عميق و أعرب عن تقديري البالغ لفتح بابك لي و إستقبالي، فققامة تاريخية كقامتك حينما تفتح بابها لي فهذا تاريخ، في الوقت الذي أهملتني فيه قامات متواضعة و أقل قيمة، و هذا يرسخ قيمتك الحقيقية"

وحين قلت قامة تاريخة أشار الأستاذ بتمنع و خجل أن لا أسترتسل في المديح على الرغم من أنه كان ظاهراً على ملامحه السرور.

ثم رن هاتف محمول، و من الواضح أنه هاتف الأستاذ، لأنه رد عليه و قال للمتحدث أن الرقم خاطيء، والغريب في الأمر أن نوع الهاتف كان قديماً ولم يكن من الهواتف الذكية الحديثة، أو هكذا توقعت أن يكون هاتفه بعد أن ذكر في أحد حواراته لقناة الجزيرة أنه كان يقرأ على "الأيباد" وثائق ويكيليكس.

ثم رن الهاتف مرة أخرى و كان نفس المتحدث ويسأل عن نفس الشخص و رد الأستاذ مجدداً أن الرقم خاطيء، و بعدها رن الأستاذ جرس المكتب فدخل شاب أسمر البشرة، أعطاه الأستاذ الهاتف و قال له "رقم خاطئ و كلام فارغ...كلام فارغ"

ثم سألني "ماذا تريد أن تشرب" فكان ردي المعتاد لمثل هذا السؤال هو "مياه باردة"

ثم بادرت بالسؤال الأهم وهو ما رأي الأستاذ في متن الكتاب الذي بين يديه (البيان القومي).
و كان رده أن الفكرة القومية لها تجربة و قالها بالإنجليزية (prototype) و هي تجربة ناجحة، و ما نراه الأن من فوضى و نشهده من أحداث في مصر و الوطن العربي هو نتيجة الإرتداد عن هذه التجربة، و هو ما يصب في نجاح التجربة القومية، و لهذا فأنت لم تأت بنظرية جديدة فهي مجربة بالفعل، على الرغم أنك أضفت بصمة رائعة أعتبرها أنا صيحة من جيل جديد.

فتشجعت و قلت "سؤالي الثاني هل ترى أن هذا الكلام (أقصد محتوى الكتاب) ناضج بما يكفي أم أنه فيه قصور"
رد الأستاذ "ناضج تماماً لأن له تجربه تدعمه"

أردت أن أستحوذ على أرض جديدة و سألته "هل هو ناضج بما يكفي كي ينشر الآن أم أن التوقيت لا يساعد"
وهنا رد الأستاذ بالرد الذي سيظل محفوراً في وجداني حتى آخر لحظة في عمري "هذا وقت الرسالات الكبرى و أنت رجل صاحب رسالة، فأنشر رسالتك"

لم أكن أتصور أنني قد أشعر بمثل هذا الشعور قط، شعور لا يمكن وصفه، و كأن الشمس في يميني و القمر في يساري، إنه إشارة من الأستاذ محمد حسنين هيكل ذاته "إستمر" (وبعد كل ما جرى أظن أن هذه كانت حكمة القدر من هذا اللقاء)

ثم سألني الأستاذ "الأهم من النشر هو ماذا بعد النشر، أنت هدفك سياسي، فالكتاب دون حركة على الأرض سيكون مصيره على الأرفف ثم مفرمة الكتب، فما تصورك لما بعد هذا "المانيفيستو"

عجبني مصطلح مانيفيستو كثيراً، و الأهم هو أنه بلور لي أنا شخصياً ماهية الكتاب بالضبط، و هو أنه مانيفيستو سياسي، و كان ردي "في الحقيقة أنه ليس لي تصور واضح لماذا بعد، حيث أن تركيزي كان منصب بالكامل في بلروة الطرح، و لكن المرحلة الثانية هو أن يتجسد هذا الطرح في بشر في صورة تنظيم سياسي، و أنا حينما نزلت للعمل السياسي في العديد من الكيانات السياسية، نزلت كمراقب بأكثر مني مشارك، حتى أفهم ماذا يجري"
و هنا قاطعني الأستاذ ساخراً "ماذا تعني نزلت؟"

ثم إستدركت بأنه لا يوجد تنظيم سياسي بل تجمعات غير منظمة، و قد كونت العديد من العلاقات التي أنوي أن أبدأ من خلالها كرؤوس جسور للحركة المقبلة

و هنا سألني الأستاذ و هو يرمقني بنظرة فاحصة لم تغيب عني طوال اللقاء "ما هو علمك؟"
فكان ردي أنني أعمل مع والدتي في مشروع صغير لتوريد الوجبات الغذائية للشركات

ثم إستفسر عن عمري قلت له أنني في السابعة و العشرين، فرد أنني متأخر عن اللحاق بركب العمل التنظيمي، فإسترسلت أنني عانيت في حياتي، و خضت مع أسرتي المحدودة المكونة من أمي و أنا غمار حياة صعبة، و أن هذا الكتاب هو نتيجة لها و عرض جانبي لأحداثها، كما أنه يحمل قضية حياتي، بل سببي الوجودي و ذكرتها بمصطلح (Raison d'eter).
ورد الأستاذ مستنكراً في رفق "أنت مازلت في السابعة و العشرين، أنت لم ترى شيئاً كي تقول هذا الكلام"

فأردفت "و هذا كله بسببك، أنت حولت حياتي بكتاباتك و أحاديثك من شاب يحلم بالمال و الأعمال إلى رجل هدفه الشأن العام".
فرد "هذا يعني أنني نجحت و أديت دوري". 

رأيت أن أرد نفسي من منعطف الفضفضة كي أعود لمعترك السياسة، و سألته "أنت من جيل الشرف الذي خاض معارك هائلة (و كنت أقصد المرحلة من عام ١٩٤٥م حتى عام ١٩٧٧م) و منه العديد من الـ(unsung heroes) 
فصحح لي الأستاذ (unsung martyrs)
إستدركت أسأل سؤالي "هل مصر قادرة على أن تقوم بالدور الهائل الذي يرسمه لها الكتاب؟"
فرد الأستاذ : "مصر قادرة و قوتها في الداخل، قوة النموذج الجاذب"

فكان ردي أن الأستاذ ساطع الحصري ذكر أن مصر هي بروسيا العرب (و هو ما يتماشى مع المبدأ السابع في الكتاب أن مصر هي قوة التوحيد المركزية و بهذا أردت أن أقول له أن القوة الصلبة و القوة الناعمة يتكاملان حين تكسر مصر قيود حدودها و تنطلق نحو أفاق الوحدة القومية العربية)
فصمم الأستاذ أن قوة مصر في الداخل و أنها القوة الناعمة لا غير، أو هكذا فهمت.

ثم تطرقنا مرة أخرى لمسألة ماذا بعد الكتاب و بدا أن الأستاذ يريد أن يعرف أبعادي و ماذا ورائي، فسألني و نظرته الفاحصة لم تغب لحظة عن لقائنا "هل تعرف أحد في الجيش؟"
فكان ردي هو "في هذا الظرف التاريخي الخطير لا يحتمل مجرد المحاولة في إختراق الجيش، فمخاطبة الجيش لها مدخل واحد و هو رأس الجيش" (و طرأت في بالي فكرة جامحة بإختراق الفريق أول عبد الفتاح السيسي عبر الأستاذ)
فرد الأستاذ بكلمة واحدة "السيسي"

قلت له "و لم لا؟ المشهد الحالي سينهار لا محاله (مشهد حكم الإخوان)، و السيسي له دور في ماهو قادم، أنت شبهت ما يجري بأنه تماثل للبلشفية و هيمنة شبح الشيوعية على أوروبا، و أنا أريد أن أقول لك أننا منذ يناير ٢٠١١م و نحن في جمهورية الفايمر، سنخوض تجارب عديدة حتى يظهر هتلر، هتلر قادم" 

قال لي "أنا معك أن المشهد الحالي سينهار، و أنت ذكرت في كتابك أن النازية ثورة و هذا غير صحيح، و هتلر جاء بالضبط و الربط، و على العموم هذه مسألة أخرى، و بالعودة لما يجري، السيسي سيستدعيه المشهد العام و لن يدخل المشهد من أجلك" (وكأنه يقرأ أفكاري)

فكررت المحاولة و قلت "المشهد العام مفلس ولن يوفر السياق، و على السيسي ألا يكون أسيراً لديه، ولابد من تسلحه برؤية، فدخول السيسي للمشهد العام دون سياق لن يحل الأمور"
حسم الأستاذ النقاش بتأكيده على أن السيسي سيستدعيه المشهد العام، و قال "دعك من الجيش و نحيه جانباً، و عليك أن تبني تصوراً لماذا بعد، فلينين حينما قدم ما العمل..."

و هنا لم أتمالك نفسي، و غلب طيش الشباب نضج الرجال الذي كنت أتحلى به، و بدأت أطرق على المكتب طرقات بسيطة حتى سألني "ماذا؟"
قلت له "لقد وضعت يدك على مربط الفرس، فأنا لا أريد أن أسير على خطى ماركس بل أريد أن أكون لينين، لينين القومية العربية"

ثم سألته "لماذا لا تقدم هذا الطرح؟"
وكان رده فيه بضعة تعجب و كثير من الحيرة "كيف أقدمه؟!" و قد كررها أكثر من مرة

فقلت له "في صورة مقدمة للكتاب، فأنت تعلم يا أستاذ أن إشارتك قيمة مضافة، فإذا هناك فكرتين بنفس المحتوى، واحدة منهم يشير إليها الأستاذ، فهذه الإشارة في حد ذاتها قيمة مضافة لها، كما أن ثقلها سيلفت الأنظار مما يساهم في نشر الفكرة"

فكان رده أنه إذا كتب مقدمة الكتاب فسيقولون أنه نفس الكلام في قالب جديد، و قالها بالإنجليزية  
 (The same fluid in a different flask)، وأكمل "أخشى أن يُحسب على عصر مضى أنتمي إليه، أنا أتممت مهمتي و كتبي التي قرأتها أنت تكفي"
و أشار لمجموعة من الكتب على يساره، و بنظرة سريعة تبين أنها مجموعة كتبه باللغة الإنجليزية، و هي مصفوفة بشكل يوحي بإعتزازه بها و إهتمامه أن تكون في مرمى بصر زائريه

و كان ردي "و هذا بالضبط ما أريد التأكيد عليه، مسألة التواصل ما بين الأجيال، فلابد لجيلنا أن يؤكد على الجذور، لأنه إذا كانت جذوره تمتد في الفراغ، لن يستطيع أن يبني المستقبل، و مع الأسف أن جيلي يظن أنه يُعلم ولا يتعلم، ولابد من كسر هذه النعرة، و تقديم سيادتك للكتاب سيدفع بهذا الإتجاه"

و هنا بدأ الأستاذ يلين و قال "أنا ليس لدي مانع من كتابة المقدمة و لكن على مسئوليتك"
رديت عليه "أنا مصمم على تقديمك للكتاب"
قال "إذاً معركتك الآن هي النشر، هل تعاقدت مع دار نشر؟"
قلت "لا لم يحدث فأنا حديث العهد بهذا المجال و ليس لي علم بالإجراءات ماذا تقترح علي"
رد "لابد من دار نشر لأن أهم مافي النشر هو التوزيع و أنت لن تستطيع أن تقوم بهذا الدور وحدك"

سألته عن دار النشر التي يقترحها، أجاب بتفضيله دار الشروق و أنه من الممكن أن يُكلم لي "شريف"، و كان ردي "أرجوك أترك لي معركة دار النشر فلا أريد أن أثقل عليك أكتفي منك بالمقدمة"

قال "إذاً أنهي معركة دار النشر حتى يضبطوا لك النص و قالها بالإنجليزية (Text) ثم عد لأكتب لك المقدمة"

أجبت "و هو كذلك، هل لي أن أطلب منك بعد أن عرفت مقصدي السياسي أن تكتب لي كلمات أضعها على مكتبي" 
قاطعني "لا تعتمد على المحسوبية" (أظنه فهم أنني أريده أن يكتب لي توصية)

لم أكن أريد الإلحاح فهذا الطلب قد يؤجَل للقاء القادم المنتظر، و لهذا لم أوضح موقفي خاصة و أنني أريد طلب أخير و سألته "آخر طلب يا أستاذ" فرد بكل رحابة صدر "تفضل" فطلبت "هل من الممكن أن ألتقط صورة فوتوغرافية"
إعتدل على كرسيه و قال "تفضل" و من الواضح أن الأستاذ فهم أنني أريدأن ألتقط له صورة فقلت "أعني صورة لي مع سيادتك" فرحب و قام من مكانه، ثم فتح الباب و نادى "جيهان" 

فقامت السيدة "جيهان" و في خطوات معدودة كانت حاضرة في المكتب، طلبت منها أن تلتقط لنا الصورة و أعطيتها هاتفي المحمول، و وقفنا أمام المكتبة الملاصقة للباب، و بدأت في إلتقاط عدة صور في حدود الثواني التي وقفها الأستاذ بجانبي، ثم تحرك في إتجاه المكتب من تلقاء نفسه، منهياً المسألة بالفعل

و قلت له "أراك على خير"
 فرد "لا تنسى شيئاً من أوراقك، خذ معك كل شيء"

وقام يوصلني لباب حجرة مكتبة، و نحن في الطريق للباب سألته "ما تقييمك؟"
رد "مازال مبكراً الحكم"

صافحته و خرجت.

إن من ينظر لكتاب البيان القومي سيلاحظ أمرين، الأول أن الأستاذ "يوسف القعيد" هو من كتب مقدمة الكتاب و ليس الأستاذ "محمد حسنين هيكل"، مع أن الأستاذ يوسف في مقدمته قد أشار إلى أنه "قابلني في مكتب الأستاذ هيكل"، و الأمر الثاني هو أن مقابلة الأستاذ كانت في مارس ٢٠١٣م و كتاب البيان القومي صدر في ديسمبر ٢٠١٥م مع أنه كان يقف على الإجراءات، فما الذي حدث؟

من جانب أن ماحدث يظهر الجانب الإنساني الرائع للأستاذ يوسف القعيد، ولكن مع الأسف أيضاً يُحسب على الأستاذ هيكل رحمه الله، و هو ما لن أخوض فيه، فلم أفعل و هو حي يرزق، فهل يمكن أن أفعل و هو بين يدي ربه، رحم الله الأستاذ.



الإبتساماتإخفاء