محمد حسن - السيرة الحلوة



السيرة الحلوة 

بقلم: محمد حسن



"كان يسكن مع أُسرته في كوخٍ يتكون من غرفةٍ واحدة ، ولم يكن هناك سوي باب واحد ونافذةٍ واحدة ، وعندما وصل إلي سن السابعة كان عليه أن يسير علي قدميه نحو أربعة أميال كل يوم ليذهب إلي أقرب مدرسة ".
تلك الكلمات الأولي التي يجب أن تعرفها عن الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية أبراهام لنكولن في الفترة مابين 1860 إلي 1865.

بدأ أبراهام حياته بولاية كنتكي وكان يعمل في الحقل مع أسرته يساعد في إعداد الأرض للزراعة وفي تقطيع الأشجار ، كان يبدو عليه ذكاءً شديداً وقوة تمكنه من أداء الأعمال الشاقة وهو لايزال في السابعة من عُمره !.

في إحدي المرات استطاع أن يُمسك بالبندقية وصوبها نحو طائر كبير فأرداه قتيلاً، وعندما ذهب ليُحضر الطائر شق عليه أن يكون هو السبب في مقتل هذا الطائر، ومنذ تلك اللحظة امتنع عن قتل أي حيوان ولو كان من الحيوانات المتوحشة !.

لم تشأ الأقدار أن تستمتع الأسرة بالكوخ الجديد الذي ساهم في بناءه أبراهام حتي ماتت الأم في فصل الخريف من شدة المرض وكان أقرب طبيب يبعُد نحو ثلاثين ميلاً "ما يقارب 50 كيلو متر".

كان موتها صدمة كبيرة للأب ولأبراهام ولإختهِ سارة التي كانت حينئذ في الحادية عشر من عمرها ، لكن الجميع تماسك حتي تزوج الأب بعدها بعام من امرأة طيبة ومحبة للجميع وبالرغم من الفقر والعمل المتواصل مع الأب والجيران لمساعدة الأسرة كان أبراهام محباً وعاشقاً للعلم والمعرفة ، التحق بالمدارس ثلاث مرات لايزيد مجموع ما قضاه بداخله عن اثني عشر شهراً نظراً لظروف الأسرة لكنه كان دائم الإطلاع شغوفاً بمعرفة الجديد ، دائم التفكير والتساؤل ، كان يكتب المعلومة الجديدة عدة مرات حتي يحفظها عن ظهر قلب ، كان يقضي النهار في العمل الشاق والليل بجوار النار ليستضئ بنورها لمواصلة القراءة والكتابة.

كان يكتب علي قطعة خشبية بطرف عودٍ محترق ، ثم يقوم بتقشير سطحها بعد إمتلائها
اقترض من أحد الجيران كتاباً بعنوان "حياة جورج واشنطن" أول رئيس جمهورية للولايات المتحدة الامريكية ، وأعجب بالكتاب حتي كان يصطحبه معه إلي السرير ، لكن المطر تساقط بشدة علي الكوخ فأفسدت الأمطار الكتاب ، فإضطر لأن يعمل في حقل صاحب الكتاب لمدة ثلاثة أيام كتعويض عن الكتاب التالف !.

من شدة إهتمامه بالعلم والثقافة وقوة إحتماله وصحته الجيدة أنه سار علي قدميه نحو خمسين كيلو متر ذهاباً وعودة حتي يستمع إلي أحد الخطباء ، وقد استمتع بالخطبة والمشوار معاً !.

والأجمل أنه جمع بين قوة الجسد وحسن الخُلُق قالت عنه زوجة أبيه "كان مطيعاً وعلي خُلُق رفيع ، لا يعص لي أمراً ، كان أفضل غلام رأيته في حياتي " في الحادية والعشرين قرر أبراهام أن يستقل بذاته وانتقل للعمل بولاية نيوأورلينز وفيها شاهد تجارة العبيد في أسوأ صورها وظلت تلك المشاهد تطارده طوال حياته ، كان أبراهام يتجول في سوق العبيد دائماً ويستمع إلي المفاوضات وكان يشمئز منها وكان يقول لو كان الأمر بيدي لأوقفت تلك العمليات في أسرع وقت وبمنتهي القوة.

بعدها إتجه للشراكة مع أحد الأشخاص في متجر واقترض أموالاً لذلك ، لكن التجربة فشلت لعدة أسباب منها أنه كان دائم الإنشغال بالقراءة أثناء العمل ، إضطر أن يشتري يوماً برميلاً قديماً من رجل يريد السفر ، ولم يكن يريده في شئ لكنه لم يرد إحراجه ، فاشتراه بنصف دولار ، وحين أراد تنظيفه عثر بداخله علي الكنز الذي غير مجري حياته بالكامل.

لقد عثر بداخله علي كتاب قانون وكأن الكتاب يقول له "خذني ، لقد ولدت لتكون محامياً"
ومن هنا بدأت رحلة أبراهام لنكولن نحو عالم السياسة والإنتخابات التي ظل يتدرج بها ويحوز ثقة البسطاء والمزارعين والفقراء حتي أصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية
لقد عمل لنكولن بالمحاماة علي مدي خمس وعشرين عاماً متواصلة عرف عنه أنه لسان الحق ، مساعداً لعامة البشر لا يحب الخصومة ويسعي للصلح دائماً بين الناس.

حين ظهرت نتيجة الإنتخابات الرئاسية في عام 1860 معلنة فوز المرشح الرئاسي أبراهام لنكولن علي نظيره دوجلاس علت الدهشة وجه لنكولن ورفاقه ، ذلك المحامي الريفي البسيط الذي كان من سنوات لايعرفه أحد أصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية !.

في مدة رئاسته اندلعت الحرب الأهلية وكان قلبه مفعماً بالحزن لكنه كان ثابت الجأش يثق في أن السلام سيحل علي البلاد مرة أخري ، رغم تلك الكارثة كان هادئاً طيب القلب يستمع إلي الجميع ولم يتخذ أي إجراء غاضب تجاه أحد ، حتي أصبح بمرور الوقت محبوب الجماهير وحائز علي ثقتهم حتي شعروا أن هذا الرئيس رجل عظيم من أنبل الرجال المخلصين.

أعاد السلام لدولته وقضي علي الحرب الأهلية وتجارة العبيد في وقت قصير للغاية ، لكن الأعداء لم يتركوه يبدأ بعد فترته الرئاسية الثانية حتي قتلوه غيلة في مساء عام 1965 حين كان يشاهد إحدي المسرحيات مع زوجته في المقصورة الرئيسية ، قتله جون بوث بمسدسه فمات علي إثر تلك الطلقات وفقدت الولايات المتحدة الأمريكية أحد أعظم الرجال علي مر التاريخ بل والعالم أجمع وعم الحزن والجزع كل الولايات الأمريكية علي الفقيد العظيم والرئيس النبيل أبراهام لنكولن.




الإبتساماتإخفاء