داليا عادل - زمان ودلوقتي (5) - أنا و الله



زمان ودلوقتي (5) - أنا و الله 


بقلم: داليا عادل  

ده المقال الرابع في سلسلة ‫#‏زمان_ودلوقتي‬ 





علاقتي بالله من العلاقات التي بدأت في النمو والتطور من مرحلة مبكرة. الأوقات الصعبة في طفولتي عشتها بمفردي. خليط المشاعر من الخوف والوحدة والألم والقهر والفزع والحزن لم يكن مفهوماً لطفلة لتتعامل معه ولا لأن تعبر عنه ولا عن التجربة التي أنتجته. ولكني كنت دوماً أشعر بالله معي كقوة داعمة مطمئنة غير مفهومة الهوية. ربما في أوقات لم أستوعب أنها "الله" ولكني شعرت بمعية حاضنة للروح وربما لاحقاً بدأت أستوعب أنها "الله" دون فهم واضح لكينونته. ولكني في كل الأحوال كنت دوماً شاعرة به ومنجذبة له.

بدأت أتعرف على الله أكثر وأكون أفكاري عنه في المرحلة الإعدادية ثم الثانوية. وبدا لي وقتها أني لكي أصلح حياتي علي أن أعمل على علاقتي بالله ثم علاقتي بنفسي ثم علاقتي بالآخرين. استوعبت الكثير عن أبعاد تجربة التحرش الجنسي التي مررت بها في طفولتي وأدركت أن الله كان دائماً معي. من كل الأطراف المعنية كان الله هو الطرف الوحيد الذي لم ألمه أبداً ولم أشعر نحوه بضيق ولا غضب. هذه الكلمات من أغنية لفريق Ace of Base كانت تمثلني تماما.

Why do you, why do you ask: why am not blaming my God!
I tell you, I tell you what .. He was the only one there

وفي المرحلة الثانوية كونت القناعة أنني يجب أن أرتدي الحجاب وهو ما استطعت أن أنفذه وأنا في أول سنوات الجامعة رغم عدم ترحيب الأهل الذي كان من منطلق أن الدين يتعلق بالجوهر في الأساس و"لما تتجوزي ابقي اعملي اللي انتي عايزاه". اتحجبت وكملت بناء العلاقة من منطلق نفس القناعة بنفس الترتيب: علاقتي بالله ثم علاقتي بنفسي ثم علاقتي بالناس.

مثل أغلب البشر ظلت علاقتي بالله تتأرجح بين قرب وبعد؛ حضور وغياب؛ خوف ورجاء؛ سخط ورضا؛ التزام وتقصير وغير ذلك من المشاعر والحالات ونقيضها. قرأت عن عذاب القبر والحياة بعد الموت وأهوال يوم القيامة وقرأت سير الأنبياء وحاولت حفظ القرآن وعشت تأنيب الضمير وذقت اطمئنان المعية .. كل التجارب التي نمر بها في علاقتنا بالله. ولم تستقم الأمور وفقاً للمسار المرسوم: علاقتي بالله ثم علاقتي بنفسي ثم علاقتي بالناس.

سألت كل الأسئلة الوجودية التي نسألها: لماذا خلقنا الله؟ هل الإنسان مسير أم مخير؟ لو مسير ليه الحساب؟ ولو مخير طيب ما هو مخير بناء على الرغبات والأفكار والمشاعر والامكانيات اللي ربنا حطها فيه! هل الله عادل؟ هل الحياة عادلة؟ وأين الله من كل الظلم على الأرض؟ ما ذنب الأطفال التي تولد لتموت مرضاً أو جوعاً أو قهرا؟ لماذا يجب أن نخاف من الله ولا نأمن مكره؟ ماذا يعني مكر الله؟ هذا غير الأسئلة المتعلقة بالإسلام بما إني مسلمة: القوامة .. تعدد الزوجات .. النشوز وبيت الطاعة .. فكرة الطهارة والنجاسة .. وغيره. بعض الأسئلة كانت تطرح نفسها بداخلي محملة بثقل تأنيب الضمير بسبب القناعات السائدة إننا ماينفعش نقول كده او نكلم ربنا بالطريقة دي أو نطرح الأسئلة دي! إحنا هانكفر ولا إيه!!

الاكتئاب كان من علامات الاستفهام الكبيرة. لماذا لم يمنعني إيماني من الوقوع في شباك الاكتئاب من منطلق أن الواحد لو ايمانه قوي مش بيكتئب ولا بيحزن! وإن كان الاكتئاب والدين يجتمعان؛ لماذا لا يخرجني الدين من الاكتئاب؟ لماذا لا يطمئن قلبي بذكر الله على طول الخط؟ لماذا لا تشفيني الصلاة وتلاوة القرآن؟ لماذا لا يمحو أنسي بالله غربتي ووحدتي وألمي وحزني؟ لماذا لا يمد الله يده ويخرجني من ألم تجربة لم أخترها وفرضت نفسها على طفولتي بكل تبعات التجربة التي امتدت لما بعد الطفولة؟

ومضت الأيام. إلى أن شهدت تجربة قلبت كل شئ رأساً على عقب. كنت مقربة لإنسانة مرت بظروف بدا لي وقتها أنها ظلم بين. وكانت لدي قناعة راسخة أن الله سيتدخل في لحظة فارقة ليرفع هذا الظلم. وتأخر التدخل. وبدأت أتشكك. "أين أنت؟ لماذا تأخرت؟" ثم بدأ السؤال يعتريه المزيد من الشك ليكون "هل ستتدخل أصلا؟ هل أنت هناك؟ هل تهتم فعلا؟" لم يتدخل الله بالشكل الذي انتظرته وفق فهمي لمعطيات الموقف وقتها. ثم انقلب الأمر مسألة شخصية.

"دلوقتي أنا كنت قريبة منك طول عمري. في اللحظة دي أنا بابعد. وانت شايفني بابعد! وسايبني! هل هاتندهلي؟ هل هاترجعني؟ هل هاتبعت لي أي إشارة؟" لم أتلق ردود ولا إشارات. وبدأت رحلة البعد شيئاً فشيئا رغم أني استمريت في الاستغاثة. "هاتندهلي؟ أنا بابعد ومش عارفة أرجع!! هل فارق معاك؟" هنا كانت الخناقة ثم القطيعة. "لو مش فارق معاك البعد Fine! Let it be then!
وقطعت العلاقات مع الله! لا سلام ولا كلام! ولا ارتحت في البعد ولا قدرت ارجع. لم يكن اهتمامي بالعبادات ووجودها أو انقطاعها قدر حزني لعلمي أني في قلبي لا أشعر بالله وحضوره مثلما كنت. ولا وجدتني في غيابه ولا استطعت استشعار حضوره. وعلى رأي الهضبة "لا القرب مرتاح له ولا البعاد باقدر عليه".

وبعد فترة بدأت أشعر أني غير مرتاحة مع فكرة الحجاب. بدأت كخنقة بتروح وتيجي. بدأت بعد شوية تيجي أكتر. وبعدين بقت مش بتروح. مجرد إحساس إني مش مرتاحة. لما الإحساس طول ومبقاش يمشي بدأت أقرأ. كنت في معركتي من أجل الحجاب قرأت كل الكتب التي تثبت فرضية الحجاب وتؤيده. أدركت أني لم أقرأ وجهة النظر الأخرى. فقرأت الكتب التي تقدم الدلائل على عدم فرضية الحجاب وتطرح تفسيرات مختلفة لنفس الآيات التي يستخدمها التيار الآخر لإثبات فرضية الحجاب. هل اقتنعت؟ لأ. ولكني توصلت لأنها مسألة غير محسومة. يمكن أن يكون من الأسلم أن أستمر في الحجاب أحسن يطلع إنه فرض فعلا خوفا من حساب الله. ولكني حين وقفت أمام مرآة روحي أدركت أني غير قادرة على الاستمرار في الحجاب بغض النظر عن كونه فرض أو لأ. خلاص مش حاساه. وسألت نفسي: "طيب إيه واقف بينك وبين إنك تقلعيه؟" وكانت الإجابة الصادقة أيضا: "منظري قدام الناس". وهذا الرد حمل في طياته القرار. يعني فارق معاكي منظرك قدام الناس ومش فارق معاكي منظرك قدام ربنا؟ وبعدين ربنا مش مطلع على قلبك وعارف انك في اللحظة دي لسه لابسة الحجاب بس عشان منظرك؟ ومن امتى بيفرق معاكي كلام الناس؟

صوت آخر بداخلي كان يقول ماذا لو أنا في هذه الحالة الآن بسبب بعدي عن الله والقطيعة فيما بيننا؟ مش أحسن استنى لما الأمور تتصلح واشوف حاسة ساعتها ايه؟ وكان الرد: وانا ايش عرفني الحالة دي هاتخلص امتى ولا هاتخلص أصلاً ولا لأ؟ واستمر ازاي بعد ما وقفت قدام مراية وعرفت اني مكملة عشان منظري قدام الناس؟ ارتديت الحجاب وانا في السادسة عشرة من عمري وخلعته وأنا في الثالثة والثلاثين من عمري! وأكملت مشواري في الحياة.

النقطة الفارقة بعدها كانت عندما انقطعت علاقتي بتلك الإنسانة وبظروفها التي بدت ظالمة. وكنت في رحلة لسكوتلاند. فذهبت إلى تلك المحمية الطبيعية التراثية التي اعشقها. ومشيت. ظللت أمشي كثيرا وسط الغابات والشلالات حتى وصلت إلى نقطة توقفت فيها. وشعرت أنني مستعدة في هذه اللحظة للتواصل مع الله. بالضبط مثل ذلك المشهد من فيلم الحاسة السادسة لما كان الطفل ومامته في العربية في آخر الفيلم والولد قال لها Mum, I am ready to communicate now

فجلست. وقلت لربنا كل الكلام. بخناق وبزعيق وبعتاب وبحب وبدموع كتير. دموع ألم لفراقه. اللحظة دي كانت من اللحظات الفارقة في علاقتي بالله. لأني قلت كل ما كان بداخلي بالضبط مثلما كان بداخلي. بدون حواجز الخوف والغير ممكن والعيب والحرام. يمكن من منطلق معنديش حاجة اخسرها اكتر ما انا خسرانة؟ احنا كده كده مقاطعين بعض. يا تظبط ونرجع يا نكمل القطيعة. وفوجئت أني بعدما كاشفت الله وصرخت في وجهه وعاتبته واتهمته وطلبت منه تفسيرات لتصرفاته لم يسخطني قرداً ولا اختفى من حياتي ولا وضعني على قوائم الكفار! بالعكس. يرد علي!

وفي هذه المرحلة أدركت أن الترتيب الذي وضعته من البداية - علاقتي بالله ثم علاقتي بنفسي ثم علاقتي بالناس – مغلوط. فكل شئ بدايته عندي أنا. "أنا" هي النافذة التي أطل منها على الناس وعلى الأشياء وعلى الحياة وعلى خالقها. لو لم يكن لدي فكرة واضحة عن كينونة نفسي ستكون فكرتي عن كل ما عداها مشوشة. وكذلك الحال إذا كانت علاقتي بنفسي مضطربة أو مفتقدة الحب أو منعدمة؛ ستكون علاقتي بكل ما هو غير "أنا" مضطربة. فأخذت وقت – خاصة بعد آخر تجربة انتحار – أعمل على علاقتي بنفسي وفهمي ورؤيتي وحبي وتقديري ودعمي لها. وشعرت أني وقفت على أرض صلبة إلى حد كبير وأن الوقت قد حان لأعيد النظر في مفاهيم وعلاقات أخرى في حياتي غير "أنا". اليوجا والتأمل من الأدوات التي ساعدتني جداً في العمل على علاقتي مع نفسي. وكذلك في التواصل مع الله حيث في التأمل يهدأ العقل وتصفو الروح. وحيث أسمع روحي؛ أسمع الله. حيث أجد روحي؛ أجد الله.

ثم بدأت مرحلة أخرى من مراحل علاقتي بالله قائمة على الصدق والمكاشفة. بدأت أتحرر أكثر من قيود الممكن والجائز والعيب والحرام في طريقة تواصل روحي مع الله وحديثي معه. وبدأ مع ذلك تحرري من الخوف. والتحرر من خوفي من الله في حد ذاته كان مخيفا. كنت في قرارة نفسي أنوي التحرر من الخوف من الله بسبب خطابي له بغضب أحيانا أو بمساءلة. ولكني في لحظة نظرت داخل روحي ووجدتني لا أشعر بالخوف من الله على الإطلاق! فخفت! بالنسبة لكل المنظومة الدينية القائمة على الترهيب والترغيب والخوف والرجاء؟ وآيات القرآن التي تذكر الخوف من الله وتفسيراتها؟ وعقاب الله وبطشه ومكره؟ مش خايفة؟!! وكنت أرد – بخوف – لأ مش خايفة! باخاف على زعله .. باخاف نبعد تاني. بس مش باخاف منه. لم أستطع أن أجبر روحي على الخوف من الله ولكني استمريت في خوفي من انعدام هذا الخوف. وانفتحت أكثر على الله. وبدأت أشعر بالمعنى الحقيقي للقرب منه والتواصل معه والاستماع إليه؛ المعنى الحقيقي لعلاقة بين طرفين فيها تواصل من الطرفين وصدق ورغبة حقيقية في كوننا سويا. ووجدت أننا لن نكون سوياً بصورة حقيقية إلا بالتواصل الصادق الحقيقي العميق بدون حواجز أو خوف أو تزييف أو كبت. فقبلت عدم خوفي وتوقفت عن الخوف منه.

وترسخت قناعتي أن الحضور مع الله سكون وسلام وأن ذكره يطمئن القلب وأن الصلاة راحة وانشراح وأن القرآن شفاء .. فقط لو أني متواصلة مع روحي ومنفتحة للتجليات. عشان كده الناس اللي بتكون مكتئبة ونقول لها "انت بس قرب من ربنا واقرا قرآن كتير" بنوديها ورا الشمس. حتى لما بنكون مخنوقين. ممكن نفس الآية اللي في العادي بتطمني؛ أسمعها وانا مخنوقة ماتريحنيش. بالنسبة لي ده بيحصل لما أكون مندمجة في الحالة – حزن أو غضب أو خنقة أو غيره – ومش متواصلة مع روحي ولا منفتحة لرسايل تطمني.
ثم بدأت أقرأ في الصوفية. ووجدتني مأخوذة تماما! بالنسبة لي هذه هي العلاقة مع الله كما يجب أن تكون. الحب .. العشق .. المعية .. الحضور .. النقاء .. تواصل الروح قبل أي شئ. وكلما اقتربت أحسست أن هناك أكثر. وتزامنت هذه المرحلة من الرحلة نحو الله مع إحساسي عموما في الحياة أني محتاجة أن أخرج من إطار العقل وأحكامه وأوهامه ودواماته وأستمع أكثر لقلبي وأتواصل أكثر مع روحي. فأحاول أن أترك روحي أكثر وأكثر لتقود المسيرة. ما يشغلني الآن هو كيف أخرج من "أنا" بكل ما تتضمنه الأنا من أفكار ومشاعر ورغبات واحتياجات وأحكام وتحديات لتظل فقط الروح.

لم أجد إجابات لكل الأسئلة الوجودية التي عشتها. كذلك بعض الأسئلة أعاود النظر في الإجابات التي توصلت لها وأقبل أن تتغير قناعاتي. حتى إن كان التغيير من اليقين للشك. لا أخاف الشك في هذه الحالة لأن اليقين قد أثبت أنه غير حقيقي. إما أن يقودني الشك ليقين راسخ أو يستمر الشك حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا. المهم الصدق. وفي كل الأحوال؛ لن يضيعني الله طالما ابتغيت وجهه حتى وإن كان بالشك فيه.

كذلك مازالت عندي علامات استفهام على موقف الإسلام من قضايا عدة. ولكني أيضاً عندي علامات استفهام على مواقف رسالات أخرى من قضايا أخرى. لا يهمني كثيرا. بالنسبة لي كل الأديان وكل الرسالات وحي من نفس المصدر. تعددت الوجوه والأصل واحد. مثلما أن كل البشر من روح واحدة ومن نفخة واحدة. وعموما "الإسلام" لفظاً في حد ذاته يعني "التسليم .. إسلام النفس لله". من هذا المنطلق أحاديث وأدعية كتير تصبح مفهومة بالنسبة لي وتفقد معناها وقيمتها لو نظرت إليها في إطار "الإسلام" كشريعة.
عندي أزمة مع كل الكليشيهات في الحياة عموما وفي الدين كذلك. مثلا فكرة إن في دعوة معينة بصيغة معينة بإحساس معين في موقف معين لازم كلنا نرددها كورس؛ مش باقبلها. ممكن طبعا أكون حاسة الدعوة؛ مفيش مشكلة عندي في الحالة دي. أما لو الدعوة لا تمثل روحي؛ أدعي من قلبي بما يجريه الله على لساني. المهم الصدق. المهم أن يلمسني دعائي ويعبر عن روحي.

بالنسبة لي المسيرة مع الله لا تنتهي ولا تتوقف وليس لها أطر ولا قواعد. ومقتنعة تماما أن هناك طرق للوصول إلى الله بعدد الأرواح في هذا الكون؛ كل له مسيرته الشخصية الخاصة جدا. وعلى ذلك فهذا المقال لا يحلل حراما ولا يحرم حلالا ولا يقدم "الطريق". هو مجرد تجربة شخصية بحتة.





الإبتساماتإخفاء