تامر حامد - زيارة نيلية


قصة قصيرة " زيارة نيلية

بقلم: تامر حامد 


أجلس الآن على أريكتى المفضلة أمام نافذتى الصغيرة بغرفتى المتواضعة، والوقت يقترب من العاشرة مساءً، ليس البرنامج الشهير, ولكنها الآن دقات الساعة المعلقة على الحائط تخبرنى بذلك.

أجلس وبجوارى هاتفى المحمول صادرٌ منه صوت الموسيقى الهادئة المسجلة عليه، أمسك بيمينى 
كوب الشاى الممزوج بالنعناع وعينى معلقة خارج النافذة؛ لأشعر بدفء الناس من حولى ليس غير ذلك.

ربما هذا المشهد يدفع البعض وأن يعتقد أن الهدف منه مراجعة بعض الذكريات أو ما شابه، لكن فى الواقع هذا 
المشهد أعتاده بين الحين والآخر، كى أهرب من أى لحظة تركيز أو تذكر، فقط مشهد أعتاده للنقاهة و الاسترخاء.

بدأت أستشعر نقاء ذهنى وفراغ رأسى من أى شحنة أو طاقة سلبية، واستطاع جسدى أن ينصاع لرد فعل هذاالمشهد المعالج، ليتخللنى قشعريرة الهدوء.

فرغ الكوب من محتواه، ثم نظرت إلى ساعتى التى تجاوزت العاشرة، لتستقر عند العاشرة وعشر دقائق، ليأتى قرارى المفاجئ بأن أتهيأ للنزول من البيت.. نعم فى هذا الوقت.

استوقفت سيارة تاكسى وبثقة "كوبرى أكتوبر لو سمحت"، المسيطر عًلًىّ الآن هو جسدى الذى أصبح خفيف الحركة الخالى من أى شحنات تعوقه، وصلت أعلى كوبرى أكتوبر فى منتصفه تمامًا، فتلك النقطة هى التى أحب أن أقف أعلاها، لأمتلك صفحة النيل شرقًا وغربًا.

أنظر يمينًا ويسارًا لأرى من حولى عددًا ليس بالكثير من جيرانى أعلى كوبرى أكتوبر، فهو ملتقى الأحبة والعائلات، ولقطات العرس المصورة.

التصق صدرى بالسور الأخضر لكوبرى أكتوبر وكأننى أحتضنه، ورميت بنظرى إلى مياه النيل لأتكحل بها، من لم يجذب اللجام سأظل أتغزل فيه لمساء الغد، سأكتفى بذلك لأكمل سرد القصة.

يبدو أن الوقت تخطانى بكثير وأنا واقف على حالتى دون أن أدرى، لأجد كتفى الأيسر ينزلق لأسفل بشدة جراء دفعة قوية ممزوجة بكلمة مروعة "بطاقتك"، التفت بفزع لتوقعى ما يخفيه القدر من خلف ظهرى، نظرت فى عين صاحب الصوت، إذ به رجلٌ ليس بالقصير أو فارع الطول، ضخم الجثة كثيف شعر الرأس، أنظر إليه برعبٍ استحوذ علىّ دون رد فعلٍ منى، إلا أنه أعاد الحديث إلى مرةً أخرى بعبارة "حمص الشام يا باشا"، قالها وهو ينحنى من شدة الضحك الهيستيرى.

أطلقت زفيرًا يطيح بطائرة ركاب وأنا أستند بكلتا ذراعى على ركبتى، اعتدلت لأقف مصلوب الظهر كى يناله رد فعلى جراء ما صنع بى، فقلت له وبشدة "حرام عليك يا عم محروس"، و طلبت منه إحضار كوب حمص الشام المفضل لدى. لا تبالوا إنه عم محروس بائع حمص الشام. 

بكل تأكيد وبعد أن أخرجنى عم محروس من حالتى، أو باللغة الجديدة حاليًا "فصلنى"، لذلك لم أستطيع أن أُسرد تفاصيل أخرى، سوى أننى أستعد لتذوق حمص الشام الممزوج بالليمون قليل الشطة الحارة، فهذا طلبى المعتاد فى زياراتى النيلية.


1 comments:


الإبتساماتإخفاء