محمد حسن - السيرة الحلوة





كثيراً ما أجدُ نفسي تائهاً، مشتت الذهن، بعيداً عن الهدوء وفي حالة مزاجية سيئة وردود تخلو من الود في كثير المناسبات، في مثل هذه الأوقات أبحث عن شريكي وصديقي المخلص، الذي لا يرحمني من شجن وبكاء متلازمين، الصديق الذي لايغيب، حاضراً أيّا كان الزمان والمكان، ومهما كانت الظروف والمعطيات، يتكلم فيسكت الجميع إلا البكائين، يتكلم فلا تملك إلاّ أن تسمعه وكأن علي رأسك الطير، يُبكيك فتذهب إليه مرةً بعد مرة ، يُثخن في الجراح فتزداد تعلُقاً به وبحكاياته وقصصه ، الطبيب الماهر محمد صدّيق المنشاوي.


لم أكن أعرف عنه، ربما لم أكن أُحبذ سماعه قبل ذلك ، قبل أن يتدخل القدر منذ خمسة عشر عاماً ، حين فاز الوالد في إحدي المسابقات بالعمل بمصحف كامل من "شرايط الكاسيت" للقارئ الشيخ محمد صديق المنشاوي.

هُنا بدأت القصة ، وبدأ المنشاوي يحكي في بيتنا بإستفاضة فأستمع علي قدر الإستيعاب في تلك المرحلة ، لكنّي منذ الوهلة الأولي كان لدي إحساساً عميقاً أن المنشاوي يملك مُربعاً مختلفاً ومساحة مختلفة وطريقة لا يقو عليها أحد ، يُغرد في مساحة صنعها بحنجرة خاصة جداً جعلت الحُسّاد يكيدوا له بوضع السُم في الطعام لكي يتخلصوا منه !

لكنّ تظل الحادثة التي ربطت بيننا بشكل كبير ، يوم أن سمعت له سورة يوسف ، الجميع يعلم أن المنشاوي يملك من الشجن فدادين ، لكنّ يوسف قصةُ أُخري
 .

رحلةُ مكتملة الأركان ، كأنك حجزت تذكرة لرحلة لم تذهب إليها من قبل رغم أنك تحفظ كل التفصيلات من كثرة الذهاب إليها !
يمتص فيها المنشاوي كل الحزن المفرود في مساحات العالم المختلفة ليخرجه من تلك الحنجرة حزناً خام ، حزن بطعم مختلف وكأنه إدمان لذة للسامعين ، عالم آخر مُبهر.

متحف ستخرج منه في ذهولٍ تام وكأنك لم تسمع أو تقرأ من قبل تلك الآيات

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)

لن تجد سبباً أو فهماً دقيقاً لإحساسك المُتناقض وقتها بين الحزن الشديد وعصير الصبّار الذي تتجرعه جرّاء سماع تلك الآيات بهذه الطريقة وبين حالة الهدوء والطمأنينة والسعادة التي تنتابك أيضاً في نفس الوقت ، بل وستجد نفسك في كل مرة تعود إليه وقت الشدة ليحكي إليك نفس القصة بنفس التفاصيل بنفس الوجع والشجن وبإكتشافات جديدة رائعة في كل مرة !


الإبتساماتإخفاء