داليا عادل - زمان ودلوقتي 8 - أنا والتعلق



زمان ودلوقتي 8 - أنا والتعلق

داليا عادل 


ده المقال الثامن في سلسلة #زمان_ودلوقتي
موضوع التعلق ده أخد مني راقات فعلا! التعلق من أنماط التصرف التي كانت تمثل لي تحدياً شديدا. كان التعلق عندي بالأشياء وبالأشخاص وبالأفكار وبالروتين وبكل شيء.
التعلق بالأشياء: 

بغض النظر عن كنه الأشياء؛ كنت أتعلق بها. الأشياء التي لها مكانة خاصة داخل قلبي سواء بسبب ملامحها أو تفاصيلها أو ذكرياتي معها .. بغض النظر عن حقيقة ومدى احتياجي لها؛ كنت أتعلق بها. توكة شعر .. حلق .. شنطة .. كتاب .. قلم .. بلوزة .. شراب (مع إن كلنا عارفين خطورة التعلق بالشرابات في ظل الاختفاء الغامض والغير مبرر لبعض الفرد بعد كل غسلة!!) وغيره.

إيه ملامح التعلق؟ إحساس بالاطمئنان في وجود الشيء. استخدامه بشكل مكثف حتى لو لم يكن أجدد أو أفضل أو أقيم شيء في فئته عندي. محاولات انقاذه إذا انكسر أو انقطع أو أصيب بأي شكل من الأشكال ثم استخدامه أياً كانت حالته! حالة من الهلع والقلق إذا اختفى الشيء عن نظري. بحث متواصل لا يكل ولا يمل تختفي معه كل الموضوعات الأخرى الكونية والوجودية ولا يبقى من الحياة أولويات غير أن أجد الشيء! حالة من الفرحة العارمة إذا وجدت الشيء وكأنني ملكت الدنيا وما عليها. حالة من الحزن العميق وعدم التصديق وعدم القبول إذا تأكد فقداني للشيء. حالة من جنون التسوق لأبحث عن قرين الشيء – أو أقرب شيء له في الشكل أو الروح – لأعود أقتنيه. أحياناً كنت أشتري بدل التوكة التي فقدتها مثلاً ثلاث أو أربع في محاولة لإقناع نفسي أن هذه قريبة من تلك التي فقدتها ثم أجدني غير مقبلة عليها فأشتري غيرها وهكذا.

التعلق بالأشخاص:
حدث ولا حرج عن التعلق في أبهى صوره! عموماً كنت أتعلق أكثر بالأشخاص الذين يغدقون علي الحب والحنان.

إيه ملامح التعلق ده؟ قايمة نايمة واكلة شاربة رايحة جاية بافكر في نفس الشخص. كل مشاعري وتفكيري وخططي وأحلامي وآمالي مع نفس الشخص. وبالتالي كل إحباطاتي ومشكلاتي وأزماتي مع نفس الشخص. الشخص يعني بالنسبة لي كل شيء في الحياة ويمكن أن أقدم له أي شيء أياً كان سواء كان في إطار تقديري لذاتي أو فيه تقليل مني. التوقعات كانت أعلى من نجوم السماء تقريبا. كل مشاكلي يمكن أن يحلها الشخص. كل مشاعري يمكن أن يحتويها. كل احتياجاتي يمكن أن يلبيها. غالباً كل المشاكل والمشاعر والاحتياجات كانت تتلخص في الاحتياج لحضن .. دائم! متاح طوال الوقت! إذا تضايق الشخص مني أو اختلفنا على أي موضوع مهما كان تافهاً يمكن أن أنهار. وأظل أطارد الشخص بشكل هيستيري حتى نصفي الأمر حتى لو كان يحتاج وقتا. لم أكن أحتمل عنصر الوقت. إذا حدث وانتهت العلاقة لأي سبب من الأسباب؛ بأي شكل من الأشكال؛ يكون الدمار والضياع وتظلم الحياة ويفقد كل شيء معناه وأدخل القوقعة.

التعلق بالأفكار:
يمكن أن يكون التعلق برأي في قضية أو التعلق بقناعة ما أو التعلق برغبة أو أمنية أو حلم أو التعلق بخطة معينة سواء على الصعيد المهني أو الشخصي.

إيه ملامح التعلق ده؟ رأيي صواب لا يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ لا يحتمل الصواب! التمسك الشديد بما تم الاتفاق عليه حتى لو أثبت عدم جدواه أو ظهر بديل أنسب. التمسك بالقناعات دون مراجعتها وحتى بعد مراجعتها وإثبات عدم صلاحيتها. الإحساس بالقلق لو النقاش أثبت فشل الفكرة التي أنا متعلقة بها دون أن أجد مخرجاً يساعدني على الاستمرار في القناعة. الإحساس بالهجوم الشخصي علي لو اعترض أحدهم على أفكاري أو ناقشني فيها بما إني أتعلق بأفكاري لحد التوحد – أنا أفكاري وأفكاري أنا. غلق الباب تماماً أمام كل الأفكار الأخرى المطروحة وكل البدائل الممكنة. لا أسمع ولا أرى ولا أتكلم إلا بما أنا متعلقة به. التصلب والتعصب والعند والعصبية والفتي من الأعراض الجانبية الحتمية للتعلق بالأفكار كما خبرت. 

التعلق بالروتين:
اللي نعرفه أحسن من اللي مانعرفوش بكل تأكيد! هذه كانت القناعة السائدة..
إيه ملامح التعلق ده؟ الروتين اليومي ثابت وشبه متكرر. صعوبة الانفتاح على نشاطات جديدة؛ كنت أدفع نفسي ولكن بصعوبة وبصورة محدودة. إذا أردت الخروج مثلاً؛ أذهب إلى نفس الأماكن التي أعرفها وأطلب نفس الوجبة او المشروب الذي أعرفه. أقرأ لنفس الكتاب الذين أقرأ لهم في المعتاد. أشتري ملابسي من نفس المتاجر التي أذهب إليها. دائرة معارفي ثابتة ومحدودة.

لماذا كانت لدي مشكلة التعلق؟

أعتقد – والله أعلم – أن التعلق لدي كان ناتجاً عن نقطتين:
- تجربة التحرش التي تعرضت لها وأنا طفلة وكل مشاعر عدم الأمان التي خلفتها كانت تدفعني لأجد الأمان في أي ثوابت في حياتي سواء كانت أشياءا أو أفرادا أو أفكارا أو روتينا أو عادات. الكمفورت زون كانت بحق منطقة أمان بالنسبة لي. لذلك كان فقد أو تغيير أي عنصر من عناصر الكمفورت زون بالنسبة لي يمثل تهديداً حقيقياً لأماني وثباتي النفسي ويثير مشاعراً وردود فعل عنيفة غالبة غير متناسبة حجماً وطبيعة وعمقاً مع الحدث.

- رفضي لنفسي وعدم إحساسي بقيمة ذاتي كان يدفعني لأجد القبول من المحيطين بي وأستمد قيمتي من حبهم لي. لذلك كنت أتعلق بالآخرين لأن حبهم يعطيني الإحساس بالقيمة المفتقدة وفقدانهم تهديد بفقدان قيمتي. كما أن فقدانهم كان يهدد ببقائي وحيدة في مواجهة نفسي التي كنت أكرهها مفتقدة لكل صحبة غير صحبتها التي لم أكن أطيقها. كما أن عدم تواصلي مع نفسي لم يهيئ لي إمكانية إدراك هويتي. لم تكن لي رؤية محددة لمن أنا. فكنت أستمد هويتي من أفكاري. لذلك كان فقد فكرة أو قناعة لدي يعني فقد هويتي.

كيف تعاملت مع التعلق؟

قبل سنوات الجامعة كنت أدرك ألمي ولكن أرجعه لأسلوب الشخص أو لفقد الشيء أو ألوم نفسي وأحملني المسئولية لفقد الشخص أو الشيء وأتصور أن الفقد هو المشكلة وأنني السبب فيها. أعتقد أنني بدأت أدرك مشكلتي مع التعلق منذ الجامعة وما بعدها بوعي أكبر. حاولت أن أتعامل مع التعلق ولكني لم أحرز وقتها نجاحاً يذكر.

العمل والحياة المهنية ساعدوني على بداية التعامل مع التعلق. تقريباً كل الوظائف التي عملت بها كانت تتطلب التعامل مع آخرين والعمل وسط فريق. لم يكن ممكناً الاستمرار بنفس الأسلوب الذي كنت أتبعه في التفكير والنقاش على المستوى الشخصي. كنت أجد صعوبة ولكني كنت أرغم نفسي على الاستماع للآراء المختلفة والانفتاح عليها وقبول تغيير الخطط وعدم التمسك برأيي على أنه الرأي الوحيد الصحيح أو الوحيد المناسب. مع التدريب تحسنت ولكن ليس بدرجة كبيرة. بالذات في الأوقات التي كنت أقع فيها تحت ضغط – داخلي أو خارجي – كانت الطريقة الديكتاتورية القديمة تطفو على السطح وتفرض نفسها خاصة عندما كنت أملك القرار النهائي.

مع نضج الوعي بدأت أستوعب أبعاد التعلق وتأثيراته علي وعلى علاقاتي وطريقتي في إدارتها. وبدأت أبذل جهداً أكبر من أجل إبداء مرونة أكثر ولكن الأسلوب كان بالضغط على نفسي. وطبيعي أنه لم يؤت ثمارا حقيقية دائمة. وكما الأمر في العمل؛ وقت ضغط المشاعر علي أنهار وأعود إلى نقطة البداية أو ما بعدها بقليل.

بداية التغيير الحقيقي كانت عندما بدأت أمارس اليوجا. لا تحتاج اليوجا أحداً لديه مرونة ليمارسها؛ بل تمنحنا المرونة. الأعمق من المرونة الجسدية التي تمنحها اليوجا؛ مرونة الروح. المرونة في التعامل مع الأفكار والمشاعر والخبرات. المرونة في التعامل مع الحياة. بعد فترة من ممارستي لليوجا والتأمل أدركت أنني – دون وعي مني – بدأت أتغير. فاخترت أن أبني على هذا التغيير الغير مقصود وأبذل جهداً لأنميه بوعي.

المرحلة العميقة التالية – الواعية – من التغيير كانت عندما انفصلت عن أهلي وبدأت أبني علاقتي بنفسي. وأتحدث هنا عن رحلة دوامها سنوات – ليس أياماً أو شهورا – حتى وقتنا هذا. تدعمها اليوجا والتأمل والقراءات المختلفة والجهد الواعي. إدراكي "من أنا" وتكوين فكرة عن هويتي وكينونتي والعمل من أجل تقديري لنفسي وحبي لذاتي واستيعابي لكل تحدياتي بحب ورحمة – كما تناولت بالتفصيل في مقال أنا وأنا – أحدث نقلة نوعية على جميع الأصعدة. 

على صعيد التعلق بالأشخاص؛ أدركت أن قيمتي تنبع من روحي. لا شيء ولا أحد ولا حدث يهدد قيمتي لأن قيمة الروح مستمدة ممن خلقها. بدأت أقبل أن البشر غير دائمين في حياتي مثلما أنني غير دائمة في حياة أحد. كلنا نلعب أدواراً في حياة بعضنا البعض. بعض الأدوار رئيسية وأخرى ثانوية وأحياناً تتبدل وفي نقطة ما يمكن أن ينتهي الدور. بدأت أقبل انتهاء الأدوار وخروج أشخاص من حياتي ولكني كنت أتوقف كثيرا عند السبب. لابد من كتابة نهاية للقصة. مع تطو وعيي لم تعد تهم النهاية. أحيانا يخرج أحدهم من حياتي أو أخرج أنا من حياة أحدهم دون أسباب معلنة أو حتى مدركة على المستوى الواعي. مجرد أن الأدوار المكتوبة انتهت. أبذل جهداً للحفاظ على العلاقات وأحرص على رعايتها ولكن أطلق سراحها لو حانت نهايتها. في مرحلة متقدمة توقفت عند السؤال: هل يمكن أن أحب أحدهم كثيراً ولكن لا أتعلق به؟ وكنت أعتقد أن الجواب في تقليل درجة الحب. ولكني كنت أشعر أني أسبح ضد التيار لأنني في العموم فياضة المشاعر وأحب الحب. هذا غير أنني في المرحلة الحالية أعمل على تنمية فكرة الحب غير المشروط بداخلي. ولذلك تحديد أبعاد الحب – حجمه أو عمقه أو قوته – بدا غير ممكنا بالنسبة لي. في مرحلة لاحقة استوعبت أن هناك فرقاً بين الحب والتعلق. يمكنني أن أحب بمنتهى العمق الذي أشعر به دون قيود أو شروط وفي نفس الوقت أقبل فكرة تغير شكل العلاقة في أي وقت من الأوقات. كما أنني لاحقاً بدأت أدرك أنني أحب روح الله في الروح الي أحبها. وحب روح الله ثابت. فأصبحت في بداية أي علاقة أجدد نيتي لأحب الشخص حباً غير مشروطاً وأن أبذل جهداً واعياً لأرى نور الله في قلبه وأحب روح الله في روحه وأطلق سراحه – من بداية العلاقة. ثم أدع العلاقة تأخذ مجراها. لا يعني هذا أنني لا أتألم عند البعد أو الفقد أو لا تنتابني مخاوف أحياناً أو أنني طوال الوقت أطبق هذه القناعات بمنتهى السهولة والسلاسة. أجاهد وأحاول. لكن تغير مستوى الوعي يحدث فرقاً في نوعية المحاولات وفي عمق الألم وفي التعامل معه.

على صعيد التعلق بالأفكار؛ أدركت أن هويتي شيء منفصل عن أفكاري. أفكاري ليست أنا. تغيير فكرة أو إثبات عدم صلاحيتها لا ينفي صلاحيتي أنا كإنسانة. مع الوقت وممارسة اليوجا والتأمل والقراءات والتدبر بدأت أفكار كثيرة وقناعات سائدة في عالمي تتغير. في الواقع تتحول تماما من نقيض لنقيض مثلما تحولت أنا في المجمل أو "اتبدلت" كما علق أحدهم ممن عرفوني قبل وبعد التغيير. وهذا التغيير في القناعات والأفكار في حد ذاته علمني أنه ما من فكرة دائمة تماما بكل تفاصيلها. يمكن أن يطرأ عليها تعديل طفيف أو كبير أو جذري أو تحل محلها فكرة مختلفة تماما حتى لو كانت معاكسة. تعلمت أيضاً أن الأفكار لا تقاس بمقياس "صحيحة أو خاطئة". بعض الأفكار يمكن أن تكون صحيحة في حد ذاتها ولكن غير مناسبة لموقف أو لشخص أو لحالة ما. فلم أعد أتشنج في التمسك أو الدفاع عن فكرة وكأنني أدافع عن فضيلة مقابل رذيلة. كما أن إدراكي لفكرة "الحقيقة" تغير. أرى أن الحقيقة غير مطلقة. يمكن أن نختلف في وجهة النظر ويملك كل واحد مننا جزءا من الحقيقة. كما أن الحقيقة نسبية ومتغيرة. ما هو حقيقي بالنسبة لي ليس بالضرورة حقيقي بالنسبة لغيري. ناهيك عن أنه ليس بالضرورة حقيقي بالنسبة لي غداً أو في المستقبل. أصبحت أتوقف عند الأفكار وأبحث فيما وراءها: من أين أتت؟ "مين قال"؟ إلى أين تأخذني؟ هل يجب علي أن أتمسك بهذه الفكرة الآن؟ لماذا؟ بماذا يفيدني ذلك؟ ساعدني التأمل كثيراً خاصة في الأوقات التي تتزاحم فيها الأفكار في عقلي. أتنفس بهدوء وأتخيل هذه الأفكار كسحابات عابرة في سمائي أو كموجات في بحر .. تأتي وتروح ويحل محلها الصفاء والسكون. لا داعي للتمسك بالفكرة أو التوحد معها ولا داعي لرفضها أو مقاومتها. فقط أراقبها وهي تأخذ مسارها. يحتاج الأمر لتدريب واعي طوال الوقت. أحياناً أجدني أنجرف مع الأفكار وأتوحد معها وأتعلق بها فأعود أذكرني. أتنفس وأعود لمركز روحي وأراقب عن بعد. جهد مستمر.

على صعيد التعلق بالأشياء؛ أدركت أن الأشياء – مثلها مثل الأشخاص والأفكار – هي أدوات لتسهيل مسيرة الروح. والروح متطلباتها بسيطة حقاً وتستطيع أن تكمل مشوارها بأقل القليل. ومثلما يلعب الأفراد أدواراً في حياتنا؛ تلعب الأشياء أدواراً وكل ميسر لدوره وفق الخطة الكونية المحكمة. كم من أشياء فقدتها واستمرت الحياة وتكمل الروح المسير! مشاعر الحزن عند الفقد جزء من الرحلة. أقبلها وأتعامل معها وأتركها تأخذ وقتها دون رفض للفقد أو ما خلقه من مشاعر. أيضاً أحاول أن أطلق سراح الأشياء وأتحرر منها. ربما في الغد لا أحزن لفقد شخص أو شيء أو غير ذلك؟ من يدري. ولكني حتى أصل إلى هذه النقطة – إن كانت مقدرة – أتعامل مع المشاعر والأفكار كما أشعر بها.

على صعيد التعلق بالروتين؛ المرونة التي اكتسبتها من اليوجا ومن العمل على الذات جعلتني أنفتح على تجارب مختلفة. وكلما انفتحت على تجارب أدرك مدى غنى التجارب وتأثيرها بغض النظر عن تصنيفها وإحساسي بكونها إيجابية أو سلبية. التجربة في حد ذاتها ثروة. اختلف نمط تصرفي في سفراتي مثلا فأصبحت عمداً أذهب إلى أماكن لم أقصدها من قبل وأجرب أكلات لم أتناولها مسبقاً وأندمج في أنشطة لم أنفتح عليها قط وأدع روحي تخوض التجارب. كذلك تحسن علاقتي بذاتي والأمان الذي منحني إياه هذا التواصل نفى الخوف والاحتياج للتمسك بمنطقة أمان تحتويني.

من الموضوعات التي تطلبت – ومازالت – مني جهداً كبيرا إطلاق سراح حلم الأمومة. هذا هو الحلم الوحيد الذي حلمته في حياتي. لم يكن لدي أحلاما مهنية ولا مادية ولا أي تطلعات لأي شيء. حتى الزواج كان حلما بهدف أن أصبح أم. مع مرور الوقت يتباعد الحلم. ربما يتحقق وربما لا يتحقق. لكن هذه الجملة السابقة في حد ذاتها لم تكن ممكنة القبول في مراحل سابقة. مازلت أشعر بحنين شديد وأحيانا بألم شديد لكل لحظة بدون الحلم. لكني أطلقت سراحه. ليس يأساً من إمكانية تحقيقه ولا زهداً فيه ولكن تسليماً وقبولا. أنظر إلى السنوات من ورائي الآن وأدرك كم منعني تعلقي الشديد بالحلم من أن أقدر عطاءات أخرى منحتها لي الحياة بسبب أن تركيزي كان على هذا الحلم فقط ولا شيء غيره. "عايز لبان أنا عايزه الآن" ستايل. أنا مازلت "عايز لبان" بس أي وقت لو الآن مش مناسب؛ ده لو ينفع أصلا. وبينما أنا هنا الآن مقدرة وممتنة لكل الأحلام التي لم أحلمها وتحققت. أحياناً يهاحمني الحنين للحلم بقسوة وتعصف بي موجة من الحزن والألم وأحياناً السخط والرفض والغضب. أتعامل مع الموجة. أبكي إذا احتجت. أعبر عن غضبي ومشاعري كما هي وأسميها بأسمائها. وآخذ نفس عميق وأؤمن أن السحابة ستمر. أحاول أن أثبت حتى تمر وأرقب رحيلها.

حتى المرحلة التي وصلت إليها من الوعي الآن؛ لا أتعلق بها. ربما مع استمرار ممارستي لليوجا والتأمل وتقدم روحي في مسيرتها أصل لوعي مختلف. أنفتح على ذلك أياً كانت الثوابت التي يمكن أن يهزها طالما أن ما سأصل إليه يمثل روحي وحقيقتها في تلك النقطة من الرحلة. 

لم أتمكن تماما من كل الأدوات ولا أدعي أنني لا أتعلق بأي أحد أو بأي شيء أو أنني لا أحزن عند الفقد خاصة حين يكون ما فقدته قريب جدا من روحي. ولكن بالتأكيد وعيي اختلف بشكل جذري وأعرف الطريق الذي أحتاج أن أمشيه لأتعامل مع حالاتي المختلفة. على كل حال وأياً كان ما أنا متعلقة به؛ أطلق سراحه. وأقبل أسوأ سيناريو – أنه لن يكمل معي الرحلة. وأتحرر من الخوف من فقده. وأعمل على برمجتي: أنا قادرة على مواصلة المسير بدون هذا الشخص (أو الشيء أو المعتقد أو الحلم أو غيره). أنا ممتنة للدور الذي لعبه هذا الشخص (أو الشيء أو المعتقد أو الحلم أو غيره) في حياتي حتى هذه النقطة. أنا أطلق سراحه وأنفتح على ما يحمله لي الغد. أنا لست مشاعر الحزن التي ربما أشعر بها الآن. هي سحابة ستمر وتبقى روحي. 



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء