شيماء طه - صندوق الدنيا (1) - عربة السيدات





صندوق الدنيا (1) - عربة السيدات


بقلم: شيماء طه

كان صندوق الدنيا قديما يكاد يشبه السحر، ينقلك إلى عالم لا تعلم عنه شئ، يريك عجب العجاب،  ومع التطور المستمر،  لم يختف صندوق الدنيا ولكن ظهر بصورة شبه يومية في  الكثير من الأشياء التى تتخذ منه بعض الصفات وتشبهه إلى حد كبير.

يعد المترو جزء من الحياة اليومية  للكثير منا ، ووقت الذروة ترى أكثر المواقف إثارة لحفيظتك ودهشتك على الإطلاق؛  خاصة إذا كنت بعربة السيدات ستجد مالا تتوقع!  فإذا كان الأتوبيس محل للعجيب والغريب من المواقف فإننى أتحداك أن تجد به ما تجده بعربة السيدات بالمترو. خط شبرا – جامعة القاهرة ...


طوال أربع سنوات صادفت العديد من المواقف الأعجب فيها يكون أثناء التكدس الشديد حتى إنك لا تكاد تشعر بحركة المترو؛ فالحركة تصبح حركة جماعية ... الكل يميل يمينا ويسارا والحمد لله "محدش بيقع لأن مفيش مكان أصلا" فتكاد تلتصق بالباب أو تجلس على "رجل" السيدة الجالسة أمامك واذا كان معك صديق ووقف كل منكما فى مواجهة الآخر فاعلم إنك بعد بضعة محطات ستتلقاه بالأحضان "من الآخر علبة سردين". وهنا تشعر بالوحدة الوطنية الحقة والتكاتف الذى لا مثيل له، وبالطبع ليس الأمر بهذه المتعة والسهولة فقط تخيل إنك لا تستطيع الوقوف سوى على قدم واحدة!!!

 وبالرغم من كل هذا التكدس إلا أن الركاب يستمرون بالصعود إلى المترو "بالزق" حتى يعتصر الجميع وتشعر أنه لا مكان لنملة ويقل الأكسجين تدريجياً ولا يعينك سوى بعض الهواء المتسرب من النوافذ الضيقة المفتوحة فى المترو وبعض الهواء الداخل إلى المترو عندما يفتح الباب فى كل محطة، هذا الهواء الذى يبقى الركاب على قيد الحياة.

ووسط كل هذا الزحام تجد المشاجرات تدب بين الراكبات. ودائما ما تكون أكثر المواقف المؤثرة بالنسبة لي هي تلك المشادات التى تحدث بين سيدة مسنة وفتاه شابة فى عمر بناتها او ربما حفيداتها، وإذا بالفتاة تطاول على السيدة ، أصبحت لدينا أزمة اخلاقية يجب الانتباه إليها ومحاولة حلها. وللمرة الثانية أحب أن  أؤكد أن لدينا أزمة اخلاقية يجب حلها فى أسرع وقت. تلك المواقف لاتعنى أن المترو معاناة متكررة فقط.

وأصبح المترو أيضا غرفة لتغيير الملابس، فتجد بعض الفتيات المراهقات تستخدمن المترو كغرفة لتبديل ملابسهن ... نعم لاتتعجب !! ذات مرة بعد أن بدأ المترو يفرغ من الراكبات واقترب من محطاته الأخيرة "كلية الزراعة وشبرا" قامت فتاه بخلع "بادى الخروج الملون" ثم ارتدت "بلوزة المدرسة" واضعة البادى فى حقيبتها ، وخلعت ثلاث "طرح" إحداهن بيضاء والأخرتان ملونتان وبسرعة غير طبيعية "لفت الطرح" واضعة "الطرحة " البيضاء فى الأعلى ولم يظهر حتى طرف من الطرحتان الملونتان وبلا دبابيس "ولاسحر ولا شعوذة". وهكذا أصبحت الفتاة المثالية العائدة من المدرسة فى موعدها المحدد ... لن أخبركم ما أثاره ذلك فى نفسى لأن الموقف كفيل بالتعبير.

ولكن يجب أيضا ألا نغفل المواقف الكوميدية، ستجد العجائب بأى مكان لتجمع الفتيات والسيدات فما بالك بأكبر تجمع لهن يوميا..! معظم الأنشطة التى تقمن بها الفتيات فى المنزل تقمن بها فى المترو بداية من "الرغى والنميمة على خلق الله" انتهاءً بتبديل الملابس ووضع الماكياج بالكامل، فبما أن كل ما بالعربة سيدات "فعادى بقى"، هذا بالإضافة إلى اى نوع من أنواع الطعام التى قد تخجل من تناولها فى أى مكان آخر .... جزر ، خيار ، موز ، كشرى ... إلخ . وللجزر ذكري طريفة حيث قمت  فى إحدى المرات بالتقاط صورة لصديقة لى وهى تتناول الجزر فى المترو، وبابتسامة عريضة ونصف جزرة وإيماءة تشبه إيماءة الأرنب كانت الصورة من إحدى الذكريات المضحكة والممتعة بالنسبة لى و"الذلة اللى مسكاهلها لحد دلوقتى".

"شوية ضحك كمان"؟ فى يوم من الأيام كان المترو مزدحم جدا كالعادة وفى كل محطة تسمع صراخ الفتيات وهذا أمر طبيعى يحدث باستمرار، أما غير الطبيعى إنه فى إحدى المحطات عندما ترجلت الفتاة من المترو "وخرجت أخيرا من علبة السردين"، أطلقت زغرودة فرحا بالنجاة؛ شعرت فجأة إننا فى فرح.  وتذكرت مشهد من مسرحية "شاهد مشافش حاجة" عندما كان الفنان "عادل إمام" يشرح ما حدث له عندما أخبر الكمسرى أنه بوليس "والستات تزغرط والرجالة تقول الله اكبر" .

 وبالعودة إلى المترو فإننى أرى أن الأفضل على الإطلاق بعربة السيدات هو أنه عندما أكون مع زميلاتى ولانجد مكان للجلوس فالأرض أولى بنا. إنها "القعدة " التى نفضلها فنجلس جهة الباب المغلق الذى لا يفتح فى شكل شبه دائرى وهذه الجلسة ميزتها إننا جميعا نرى بعضنا البعض ونستطيع التحدث بأكبر قدر من التفاعلية التى لا تتاح لنا فى أى "مواصلة" أخرى.


وللحديث بقية...



الإبتساماتإخفاء