وائـل سعيد - زمان يا فن



زمـان يــا فـن  .. 

بقلم: وائل سعيد 


الخيال ، ذلك المحرك الرئيسي عبر كل العصور في تقدمها . لاسيما أن هذا التقدم – مبغي – خفي ، فُطر عليه الإنسان . 

دعونا نتحدث عن مساحة الخيال الضيقة ، التي تكاد تكون معدومة في كثير من الأحيان ، والتي نتحرك فيها يومياً . ما حاجة إنسان هذا العصر للخيال ، بعدما غلبت – المادية – علي مفردات معيشته اليومية ، وطالت - في إنجرافها المستمر القاسي - أوجه مشاعره التي تميزه عن بقية المخلوقات  ؟ إذا حدثته عن الخيال ، سيقول أنه سمع به في الحكايات القديمة " مجرد خيال " لكنه سيتفق معك علي أن هذا – الخيال – كان سمة زمن الفن الجميل ! 

في المستقبل ، هل سيرى أولادنا فيما يتم إنتاجه الآن أنه كان زمناً للفن الجميل كما رأينا نحن من قبل في " أم كلثوم " و" فريد الاطرش " و " فيروز " ؟ 
دعونا نقتبس من نورهم ،  

@ @ @

في 31 ديسمبر سنة 1898 تأتي إلي الدنيا الطفلة الفلاحة – فاطمة إبراهيم السيد البلتاجي ، التي ستكون فيما بعد ، هرمُنا الرابع " أم كلثوم " . 

الصوت الخارج من أي إنسان يعتمد علي الحجاب الحاجز أسفل الرئتين ليجعل ضغط الهواء في الحنجرة مساوياً مرتين ونصف للضغط الجوي ، هذا ما يحدث معي ومعك ومع أي مطرب أو مغنية ، " أم كلثوم " كانت تعتمد كليةً علي الحنجرة – مباشرة – كان ذلك سبباً في إبتعادها عن الميكروفون فيما لا يقل عن متر ، كلما ارتفع ضغط الصوت المباشر جعلها ذلك تبتعد أكثر ثم تعود لمسافة المتر ، هل تذكر تحركاتها وراء الميكروفون في الحفلات القديمة ؟ كان لذلك سبباً علمياً وليس مجرد تطريب !

علي الجانب الآخر تُغطي مساحة هذا الصوت ديوانين من وسط موقع الصوت ( البارتيون ) وهو الصوت الرجالي في علم الصوتيات ، وهذا نادراً ما يحدث في أصوات المغنيات علي مستوى العالم ، وهذا ما يبرر جمالية صيغة المذكر التي كانت كثيراً ما تغني بها دون أن يوقفك هذا عن التلقي أو يشعرك بأي نشاز ! 

هكذا ، تظل حفلتها ممتدة لست ساعات ، تغني وحدها لأربع ساعات متواصلة وباقي الساعتين  مقدمات الموسيقي وراحة ما بين الوصلات ، بينما نري أن أطول فترة غنائية يقضيها مغني بمفرده في أوروبا لا تزيد عن أربعين دقيقة ، هل كانت أوقات الراحة تلك ،  لها أم للفرقة أم لنا نحن حتى نسترد أنفاسنا !! 

@ @ @

نهاد رزق وديع حداد – المولودة بلبنان في 21 نوفمبر 1935 ، والتي ستطوف الأرض عندما تكبر باسم " فيروز " ، صوت السماء في الأرض بكل وضوح ، آتيه من مكان آخر لا يعلمه إلا الله ، حيث كل شيء حولها – كوني – لا بشر يجرؤن علي اختراق هذا الغيب ، هي جارة القمر وسفيرة النجوم ، المرة التي نزلت إلي مصاف البشر وتزوجت ، كان " الرحباني " ، عندما خاضت تجربة الحمل والإنجاب -  كأي إمرأة - أهدتنا ولديها " الرحبانية " ! 

هي رسولة السماء التي لم تحتمل مقامات الموسيقي العادية نسمات صوتها ، فمعظم أغنيات " فيروز " وضعت في قالب السيمفونيات العالمية . هل كان ذلك صدفة ؟ 

من غير المهم أن تفهم ما تقول ، فبرغم لهجتها المحدودة – مكانياً – اخترقت " فيروز " القارات تنشر رسالتها ثم تختفي من علي المسرح فور إنتهائها ، تاركة الجميع ، متقطعي الأوصال  !! 

...........

في النهاية / هل سيرى أولادنا فيما يتم إنتاجه الآن أنه كان زمناً للفن الجميل كما رأينا نحن من قبل في " أم كلثوم " و" فريد الاطرش " و " فيروز " ؟ 

ويبقي السؤال  !!!!






الإبتساماتإخفاء