قدري الراعي - حرية فكر .. أم بذاءة وتطاول ؟!



حرية فكر .. أم بذاءة وتطاول ؟!


قدري الراعي


لم تعرف الدنيا دينًا إلهيًا خرجت أنوار شمسه من رحم السماء يدعو إلى محبة الآخر والحياة معه , وينادي بالتعايش معه على قدم المساواة والعدل والإخاء , ويرفض بكل الصور على مستوى الفعل أو اللفظ المساس بكرامته , أو استلاب حريته , أو ازدراء عقله , حتى ولو كان هذا الآخر يحمل في جنبات ذاته عقيدةً مخالفة , مثلما كان دين الإسلام ..

وما أحسب أن الإسلام جاء إلى هذا الوجود إلا ليبشر بدعوة المحبة والتسامح , وينثر في القلوب بذور الرحمة والحب , ويشيع في الحياة  أنوار العدل والحرية , ويقر في ضمير الدنيا أن لكل إنسان في أي مكان أو زمان كرامته التي ينبغي ألا تمتهن .. هذه الكرامة لها من القدسية والإكبار بحيث يحرم انتهاك العرض أو تشويه السمعة , أو استلاب الحق , أو ازدراء المعتقد ..

وهذه الكرامة الإنسانية التي كفلها الإسلام للإنسان ليست قاصرة على فئة من البشر دون أخرى , ولا على أصحاب ديانة دون غيرها ..!

فالكل متساوون في الكرامة من غير أن يكون ثمة تمييز في اللون أو اللسان أو العقيدة .. إنها عظمة الإسلام وسماحته حين جعل الطبيعة البشرية كلها مكرمة عند الله , قال تعالى : " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " الإسراء – الآية 70

هي إذن كرامة يستوي فيها جميع البشر لا علاقة لها بفوارق اللون أو العرق أو المذهب
باختصار .. كل إنسان له في الإسلام كرامته التي يجب أن تصان وتحترم , وليس من حق فردٍ أو جماعة أن يسلبه هذه الكرامة .

ومن ثنايا هذا الفضل الرائع والكرم الهائل الذي فاض به دين الإسلام على إنسان هذا الوجود تمخض كنز كنوز الحياة , منحة المنح , وأثمن الهدايا .. الحرية .
حرية الإنسان في أن يفكر , وأن يتملك , وأن يعبد ..
حرية الفكر ..
وحرية الملكية ..
وحرية العبادة .

ثالوث الحرية الذي أتحف به الإسلام ابن هذا الوجود , لم يجعله وقفًا على أتباعه من البشر المسلمين .. لم يجعله حكرًا على المسلمين وحدهم , بل هو منحة الخالق للبشر جميعًا , من دان بالإسلام ومن دان بغيره ..

ومن ثم فدين الإسلام واضح وصريح في هذه القضية ؛ فلا هو يجبر أحدًا على تبني فكرٍه , ولا هو يكره أحدًا على اعتناق ملته ..

ولاعجب في أن تكون هذه تعاليم الملة الحنيفية ؛ فللإسلام قلب كبير يسكب رحمة , وله صدر رحيب يتسع للوجود كله .

ولا أدل على رحمة هذا القلب , ورحابة هذا الصدر من أن الإسلام نفسه قد أوجب على أتباعه حسن معاملة من يدين بغير الإسلام , وإفساح المجال له – في جو من التسامح والمودة – ليمارس عقيدته , ويقيم طقوس عبادته في حرية كاملة . 

إن الإسلام العظيم جعل الإيمان بالرسل الذين سبقوا النبي محمدًا عليه الصلاة والسلام والإيمان بالكتب السماوية التي سبقت القرآن من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان المرء بدونها ..!

يقول الله تعالى : " آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحدٍ من رسله " } البقرة – الآية 284{  

وكما كان الإسلام رائعًا في تسامحه مع أصحاب الديانات السماوية , كان كذلك أيضًا مع أولئك الذين يدعون من دون الله , فقد نهى أتباعه المسلمين عن سبّهم أو تسفيه عقولهم , أو ازدراء أفكارهم ومعتقداتهم . " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم " } الأنعام – الآية 108{  , وناداهم أن أحبوا الناس يرحمكم الله .

 وفي الوقت الذي يدعو فيه الإسلام – هذا الدين العظيم الرائع – أتباعه إلى محبة الآخر , واحترامه , وتقرير كرامته لا يتورع هذا الآخر عن الإساءة إليه , وتشويه صورة المسلمين , بل والتطاول على شخص النبي الكريم محمدٍ عليه الصلاة والسلام  .

ولاشك أن حادثة الصحيفة الدانمركية " يولاندس بوستن " في 30 سبتمبر 2005 , وقبولها نشر رسوم كاركاتورية تسيئ إلى نبي الإسلام في مقالة تحت عنوان ( وجه محمد ) , إذ تصوره – شُلّت أيدي من صور ورسم – وهو يلبس عمامةً مليئة بالقنابل والصواريخ , وتصوره أيضًا وهو يصلي في أوضاعٍ مهينة للغاية . 

لا شك أن تلك الحادثة الخسيسة , وما تلتها من أحداثٍ كشفت عن إصرار الغرب الملحد على توجيه الإساءة إلى المسلمين في كل ربوع الدنيا ..بدءاً بقيام صحف نرويجية وألمانية وفرنسية بإعادة نشر تلك الرسوم في سنواتٍ مضت , وتعاقبت على الحادثة الأولى المنسوبة إلى الصحيفة الدانمركية , ومرورًا بواقعة مجلة " تشارلي إيبدو " الفرنسية وما أسفرت عنه من أحداث انتقامية دامية , وانتهاءً بإعلان جهات نقابية وسياسية  , لاسيما اتحاد معلمي التربية الدينية في الدانمارك عن رغبتها في إدراج الرسوم المسيئة إلى النبي الكريم ضمن المناهج الدراسية  

لاشك أن ذلك كله نماذج واضحة وصريحة لهذا التطاول السافر والبذيء ضد الإسلام والمسلمين , وهي حوادث ليست الأولى من نوعها ..! ولا وليدة إحساسٍ متأخر بالحقد والكراهية ضد الإسلام وأتباعه , تفجر فجأة وتدفق في أوساط الغرب الأوروبي على صورة غير متوقعة فانتزع منا الدهشة والعجب ! .. كلا .. فالنار كامنة تحت الرماد منذ زمن بعيد ..!

إن الكنيسة الغربية في العصور الوسطى التجأت إلى أسلوب دعائي رخيص ضمن أساليب الإثارة التي تبنتها وقتئذٍ لحث الجيوش المتحاربة على غزو العالم الإسلامي تحت راية الصليب , فعمدت إلى تصوير النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في صورة الشيطان , كما تعرض شخص الرسول الكريم لكثير من السبّ والقذف .. وذاكرة العرب المسلمين أبدًا لن تخونهم يوم أن ظهرت رواية الملعون سلمان رشدي الشهيرة " آيات شيطانية " , إذ لم يتورع هو الآخر عن التطاول على رسول الله وزوجاته الطاهرات ..!
فاختار أسماءً ونعوتًا أطلقها على الرسول الكريم , وكلها تثير تقززنا نحن العرب المسلمين .. خصوصًا ونحن الذين أبدًا لم نتطاول يومًا على نبي من الأنبياء ..

وفي كتابه ( أين الخطأ ؟ التأثير الغربي واستجابة المسلمين ) ينبري متحمسًا المستشرق الشهير " برنارد لويس " , وهو مثلٌ حي للعقلية الغربية التي تمارس على فراش الحرية الفكرية دعارة القلم الرخيص ؛ لينفث في الوجود سموم أفكاره السوداء , وهي أفكار لا أعتقد أن لها تأثيرًا إلا على عقليةٍ مثله آمنت بالحقد , وكفرت بالحب , عقليةٍ طوقها جنون العظمة , فتصورت أنها متميزة عن البشر , وأنها فوق الحساب والمساءلة ..!!

فالروح العامة لهذا الكتاب جملة من الآراء المغلوطة يرددها المؤلف حول الإسلام وحياة المسلمين , وهي محض افتراءات كاذبة وادعاءات باطلة , يلصقها المؤلف – لا أدري جهلا أم عمدًا – بالإسلام ومجتمع المسلمين !

فالإسلام في زعمه ينفي المسيحية نفيًا تامًا , ويشكك في صحة الأناجيل .!
والإنسان المسلم كما يصوره " لويس "  هو كائن ديني عابث ومتجهم , يطلق لحيته في فوضى ..!
ويكره الموسيقى والفنون ..
يحتقر المرأة وعدواني مع الآخرين ..!

وبعـــــد ..
فقد بات واضحًا لدينا الآن أن العقلية الغربية يحلو لها من وقت لآخر أن تطلع علينا عبر إعلامها الغزير وقنواتها غير المحصورة بالعديد من المحاولات المغرضة المقصودة ؛ لتشويه الحقائق وخلط الأوراق , والتشكيك في البديهيات , والتطاول على الإسلام , والإساءة إلى قيم المسلمين ..!

إنه فيما يبدو مسلسل طويل سمج من المحاولات الدؤوبة المتواترة التي تسعى بطريق التدليس والتزييف إلى تشويه صورة الإسلام في أذهان الغرب الأوروبي , وهو مسلسل تضافرت في تأليفه أقلام مأجورة , وعقليات مريضة , ونفوس تعاقر الحقد صباح مساء..!

متذرعة حين تُسأل – هذا إن سلمنا أصلًا بأنها تؤمن فعلًا بحقنا في المساءلة وطلب التفسير – بفكرة حمقاء اسمها ( الحرية الفكرية ) ..!

وهي ذريعة قد تبدو وجيهة ؛ فحرية إبداء الرأي مكفولة للجميع , ومن حق أي إنسان أن يعبر عما يعتمل في داخله من رؤى , وما يعتنق من أطروحات وأفكار , ولكن ذلك لا يعني أبدًا التطاول على الآخر , أو التشهير به , أو الاعتداء على كيانه : شخصه ومعتقده ومقدساته ..!

إنني في الواقع لا أدري ما الذي يدفع بالآخر ليسيء إلينا ؟؟!
إن الحياة واسعة ورحيبة وتتسع للكون كله , كما أن سجل معاملاتنا مع أصحاب الديانات الأخرى والطوائف المختلفة مشرّف جدًا ونظيف .. وهي حقيقة أكدها المستشرق الغربي ( فريد هاليداي ) في كتابه " الإسلام وخرافة المواجهة " , فالمسيحية منذ أن ظهر الإسلام كانت ولاتزال تُخدم وتُصان , وهي ديانة أساسية من أديان المنطقة العربية , كما أن اليهود أنفسهم كانوا في المجتمعات العربية يعيشون في أمان قبل أن يختاروا الهجرة إلى إسرائيل ..!

فما الذي يحرك نوازع الحقد لدى الآخر ليقابل بالسكين يدًا شريفة تمتد إليه بالسلام ..؟
لماذا يحاول – ذلك الآخر – أن يُحرّق أغصان الزيتون , وهي أغصان لا تثمر إلا تسامحًا ومحبة وسلاما ..؟!

قد تكون وجهة النظر القائلة بخطأ تفسير الأحداث الجسام التي تتعرض لها المنطقة العربية وخصوصًا أمة الإسلام في إطار نظرية ( المؤامرة الكبرى ) وجهة نظر منطقية بعض الشيء .. إن ذلك منهاج العقلية الخاملة حين تفكر ..

تريد أن تدع عن نفسها أعباء البحث والاستقصاء , وتتنصل من عناء التأمل ومشقة إعمال الفكر ؛ فتلجأ إلى حلٍ سحري يريحها من عناء هذا كله هو نسبة الأشياء الحاصلة إلى تدابير خفية ومؤامرات عالمية كبرى ..!!

إنه حل سريع , واجتهاد عقلي بسيط جدًا ..!
حسنًا .. سنكون إذن متسامحين كما علمتنا شريعة الإسلام العظيم , ولنفرض أننا نسلم بوجاهة الفكرة الداعية إلى خطأ نسبة الأحداث إلى نظرية التآمر ضد العرب والإسلام ... لنفرض أننا نسلم بذلك , لكن سيبقى سؤال :

هل يمكن أن يكون ثمة تفسير منطقي آخر غير ذلك لما يحدث ..!!!







شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +

3 التعليقات


الإبتساماتإخفاء