داليا عادل - زمان ودلوقتي (10) - أنا والخوف



 زمان ودلوقتي (10) - أنا والخوف



بقلم: داليا عادل 


ده المقال العاشر فى  سلسلة #زمان_ودلوقتي


علاقتي بالخوف غريبة. أحياناً أشعر أني لم أعرف الخوف أبداً وأحياناً أشعر أن الخوف كان وراء كل إحساس وفكرة وتصرف. الخوف كان بادياً جداً في تفاصيل تجربة التحرش. خوف الطفلة من ذلك الشخص. الخوف مما يفعله. الخوف أن يدخل أحدهم الغرفة فجأة. الخوف من نظراته .. من أنفاسه .. من حركاته .. من كل التفاصيل. الخوف من الخوف بينما الطبيعي أن أطمئن لهذا الشخص. 

عندما كبرت وأدركت حقيقة ما كان يحدث وبدأت أشعر برغبات جسدية؛ بدأ الخوف من هذه المشاعر والرغبات. منها في حد ذاتها ومن قوتها أحياناً وسطوتها علي ومما تدفعني لفعله أحياناً أخرى. خوف مني. وكانت بداخلي هوة سحيقة أسقط فيها. هوة مظلمة باردة عميقة بلا قرار حادة الجوانب. أسقط فيها سقوطاً مدوياً وأصرخ ملء كياني ولا يسمعني أحد. وأخاف من الهوة وأخاف من سقوطي وأخاف من صراخي وأخاف من اللاشئ واللا أحد. أخاف من كل الجهد الذي سأحتاج أن أبذله لأخرج من هذه الهوة فقط لأسقط فيها مرة أخرى.

من حيث الأحلام كانت الفترة من الطفولة حتى ما بعد تخرجي من الجامعة بسنوات مقسمة لثلاث مراحل. كل مرحلة يحكمها حلم واحد يتكرر تقريباً في كل ليلة على مدى سنوات. العامل المشترك بين الأحلام الثلاثة كان إحساس الخوف والفزع الرهيب.

في أول حلم كنت أراني وأنا طفلة – حوالي ثلاث سنوات – أستيقظ في منتصف الليل وقد قررت أن أهرب من البيت. وأفتح دولابي وأفرغ ملابسي في حقيبة وأنا أتلفت حولي خائفة أن يستيقظ أحدهم ويراني أو يمنعني. أستيقظ من النوم على أنفاسي المتلاحقة في خوف.

في ثاني حلم كنت أراني نائمة على جنبي على سرير رفيع جداً بالكاد يكفيني والسرير موضوع على حافة عمارة عالية جداً. ثم أتقلب فأسقط من على السرير ومن فوق العمارة. أستيقظ من النوم على إحساس سقوط مريع. ومنتهى الفزع.

في ثالث حلم كنت أرى أحدهم يحاول أن يقتحم المنزل ليهاجمني وأنا أقف وراء باب الشقة أدفعه بكل ما أوتيت من قوة. يدفع وأدفع أنا وتكاد قواي تخور وأشعر أنه سيغلبني ثم أستجمع نفسي وأدفع الباب بكل جسدي فيضع قدمه في تلك الفتحة الصغيرة فلا أستطيع أن أغلق الباب. في الحلم أصرخ بكل قوتي ولا يخرج مني أي صوت! أستيقظ من النوم وأنا أصرخ في فزع .. أيضاً بلا صوت.

نترك الحلم ونعود للعلم. في العلاقات كنت أخاف من الفقد. وفكرة الفقد كانت تتجسد في أن من أحبه سيتركني. سيمل مني. لن يستطيع أن يكمل المشوار معي. وسأبقى وحدي. وفكرة وجودي وحدي كانت مخيفة للغاية وغير محتملة. 

على صعيد عدم الخوف؛ كنت دائماً مقدامة. وأقبل على التجارب بجرأة. وكانت أغلب التجارب التي أخوضها تبدو غير عادية ومخيفة لأقراني المحيطين بي. أذكر ونحن أطفال أن أخي الأكبر كان يطلب مني دوماً أن أسبقه وأدخل الغرف المظلمة لأشعل النور ثم يدخل هو. في تمرين السباحة في المرحلة الابتدائية طلبت من الكابتن أن أقفز من الدور الرابع على المنط حين كنا نتدرب على القفز من الدور الأول. أذكر إصراري أني لن أنزل من على المنط قبل أن أقفز! وقفزت. كل التدخلات الطبية التي كان الألم والخوف جزءا منها كنت أقبل عليها مبتسمة. أذكر أول ضرس خلعته وأنا طفلة. أذكر صراخ الأطفال من حولي ومحاولات الممرضات لشدهم وتثبيتهم على الكرسي بينما أنا متقدمة مبتسمة والممرضات يشجعن باقي الأطفال بابتسامتي. نفس الإقبال والابتسامة قبل كل العمليات الجراحية التي خضعت لها ونفس التعليق من الممرضات "أول مرة نشوف حد داخل يعمل عملية ومبتسم كده". في أي تجمع أياً كان نوعه أكون أنا المتقدمة حين يتطلب الموقف "حد نجرب فيه". نطة .. أكلة هاندوقها .. حاجة هانلمسها .. أوضة ضلمة هاندخلها .. مية هانعديها .. تعبان هانشيله .. أياً كان. أتقدم أنا ثم أخبر الآخرين عن التجربة من وجهة نظري قبل أن يقرروا موقفهم. وخلاص بقيت معروفة. أول ما تتقال جملة "عايزين حد نجرب فيه؟" يرد الجميع "فين داليا يا جماعة". هذا عندما لا أتقدم حرصاً مني على إعطاء فرص للآخرين. في جميع مراحل عمري لم يكن لدي خوف من التعبير عن رأيي أو الاعتراض. وكثيراً ما كان يرشحني الآخرون لأبدأ الحديث باسمهم على أن ينضموا لي بعد الطلعة الأولانية وبعدين يخلعوا من الخوف ويبيعوني واكمل لوحدي. 

هل كنت بهذه الشجاعة والإقدام أخفي خوفاً كبيرا بداخلي؟ ربما. لكنني اليوم – وقد تحررت من معظم مخاوفي أو على الأقل تعلمت كيف أتعامل معها – اكتسبت شجاعة أكبر! هل مجرد أننا نحوي كل الأضداد بداخلنا؟ هل كنت أنشد التقدير من خلال الاختلاف والإقدام؟ لست أدري. لكني أعلم أني هكذا كنت أشعر وأتصرف دون ضغوط مني علي من أجل تحقيق مكاسب معينة. هذه أنا.

تجربة السفر للعمل في الكويت بمفردي بعد عام من تخرجي بدت مخيفة لكل المحيطين بي سواء من الأصدقاء أو الأقارب. أحمد الله أن أهلي لا يخضعوا لنفس سطوة الخوف. كذلك تجربة أن أستقل عن أهلي وأستأجر شقة وأعيش بمفردي. ثم تجربة التنقل في شوارع القاهرة بالدراجة. ومن بعدها تجربة أن أتحرك في شوارع المحروسة بالسكوتر. كلها تجارب يغلب الخوف فيها على معظم من يسمع عنها. بعض هذه التجارب كانت خالية من الخوف بالنسبة لي – أو هكذا أتصور – مثل تجربة السفر للكويت. بعضها كان فيه خوف. ليس خوفاً من التجربة وفكرتها في حد ذاتها وإنما خوف من بعض تفاصيلها مثل تجربة الحياة بمفردي. كنت خائفة من صحبتي. أما تجربة الدراجة والسكوتر فالخوف موجود بهما خاصة مع السكوتر بسبب السرعة والطرق التي أمشي بها واضطراري للتعامل بالسكوتر على الطريق أياً كان الموقف. مع الدراجة كنت أحياناً أترجل من عليها وأمشي بها لأعبر الخطر. لست خائفة من الموت. خوفي دائماً من الإصابة. ليس خوفاً من الألم. وإنما خوف من ضرر جسدي تخلفه الإصابة يحد تقدمي في الحياة بالطريقة التي أختارها. وهو خوف مازال علي أن أتعامل معه. فالخوف من الإعاقة إعاقة في حد ذاته.

المشاعر عندي لها سمات شخصية. الغضب نار تحرق؛ يحتاج ما يطفئه. الحزن حمل يثقل؛ يحتاج ما يخففه. والرفض حائط صد يوقف المسير؛ يحتاج ما يذلل صلابته ليشق طريقا. أم الخوف فهو برد يكتف ويقيد؛ يحتاج التحرر منه.

كيف تعاملت – ومازلت أتعامل – مع الخوف لأتحرر منه؟

أتعرف على الخوف وأتحاور معه
أعترف به وأقبله
ألقي نفسي فيه
أسمع ما يقوله لي
أتحرر منه

تبدو كخطوات بسيطة وكأنني أقوم بها بمنتهى السلاسة! ليس الأمر كذلك. قد أتخطى مرحلة وأقف في التي تليها. بعض المراحل قد تأخذ مني وقتاً أطول مما سبقها أو تلاها. وقد أتقدم ثم أرتد مرة أخرى لمرحلة أو مراحل فائتة. أستمر في المحاولة. أحياناً أكون في مرحلة ما قبل الخطوة الأولى. غير مدركة أني خائفة أصلا! أو لست على استعداد لمقابلة خوفي والتحاور معه. ماذا يعني أن أقابل خوفي وأتحاور معه؟ بالنسبة لي يعني أن أقف وجهاً لوجه مع الإحساس. ما هو؟ ما اسمه؟ خوف؟ ما هي تفاصيله؟ خوف من ماذا على وجه التحديد؟ وما الذي يخيف فيما أنا خائفة منه؟

متى توقفت الأحلام المخيفة؟ عندما بدأت رحلة التعافي. البداية كانت زيارة طبيب نفسي مع نوبة من نوبات الاكتئاب. كانت هذه أول مرة أبدأ الغوص الحقيقي في أعماقي وأقف وجهاً لوجه مع تجربة الطفولة ومع مشاعري نحوها ونحو كل أطرافها وأولهم أنا. بدأت أدرك الغضب والرفض والحزن واللوم .. والخوف. ومع بدء إدراكي للخوف وتقدمي – ولو بخطوات بسيطة للتعامل معه – بدأت الأحلام الخائفة المخيفة تتباعد حتى توقفت.

عملت إيه في خوف الطفلة؟ كنت باتكلم مرة مع life coach  وبعد ما حكيت كتير ودخلنا في عمق حاجات كتير لقيتها بتقول لي: انتي اختارتي الحب والعطاء كرحلة شفاء. لم أفكر في هذه النقطة من قبل. تأملت رحلتي. ربما تكون روحي قد اختارت دون وعي مني. ربما قدمت الحب أو طلبته بطريقة مضطربة أو لأهداف في غير موضعها من منظور الوعي والتشافي؛ ولكني فعلاً أحب الحب. وطالما آمنت به. وأدرك الآن بوعي أن الحب والحنان والعطاء يشفيني. فأكملت الرحلة نفسها ولكن بوعي. احتضنت الطفلة واحتضنت خوفها وغمرتها بالحب. تفهمت مخاوفها. صحيح أنني لست الطفلة الآن ولا أتعرض للتحرش الآن ولست خائفة الآن من نظراته أو كلماته أو أي شيء يفعله بي ولكن الطفلة كانت تقبع بداخلي في ركن منزوي تواجه مخاوفها. رحلة مميزة بيني وبين الطفلة أكتب عنها بالتفصيل لاحقاً ولكن إجمالاً عنوانها الحب. في الجغرافيا زمان درسنا طرق مختلفة للري: الري بالتنقيط والري بالغمر. وأنا أؤمن بالعلاج بالحب بالغمر.

خوفي وأنا على السكوتر. مدركة أني خائفة ولكني لا أدري على وجه التحديد خائفة من ماذا. تحاورت مع الخوف ووجدت أنه خوف من الإصابة. أعترف بهذا الخوف بداخلي وأقبل إحساسي به. أشعر به ولكني لا أدعه يوقفني عن التحرك بالسكوتر. لا يقيدني ولا يكلبشني. ما زلت لا أدري ماذا يقول لي هذا الخوف تحديدا. أعتقد أن هذا سبب أنني لم أتحرر منه بعد. أو ربما لأنني قبلت إحساسي بالخوف ولكنني لم أقبل الفكرة المخيفة – فكرة احتمالية الإصابة المعيقة. لست أدري على وجه التحديد. يجب أن أبحث على عمق أكبر بداخلي.

خوفي من صحبتي .. كان الحل فيه أن ألقي نفسي في قلبه. إن كان هذا ما يخيفك؛ فهذا ما سيكون وهذا ما سنواجهه. والمواجهة تكون أكثر فاعلية عندما تكون من قلب الحدث وعلى أرض الواقع. خوفي من صحبتي كان مرجعه العلاقة المتدنية بيني وبين نفسي. كل المساحات المكانية والزمانية التي أتاحها انفرادي بنفسي يسرت تواصلي مع نفسي وعبوري إلي بحيث انتقلت من شاطئ "أخاف من صحبتي ولا أطيقها" إلى شاطئ "أحب صحبتي واستمتع بها". 

أذكر مرة؛ ربما من حوالي ثلاث سنوات كنت أتحدث مع أبناء أخي عن الخوف. كان عمار – الإبن الأكبر – يبلغ وقتها ربما الثالثة عشرة من العمر ودودو – الأصغر – يبلغ السادسة من العمر ربما. كان كل منا يحكي عن أكثر ما يخيفه. بغض النظر عن إن دودو قال إن أكتر حاجة بيخاف منها هي الفاكهة! ما قلته وقتها أن أكثر ما يخيفني أن أموت وحدي في الشقة ولا يعلم أحد. فقال عمار: بس انتي هاتكوني ميتة وقتها! مش هاتعرفي ولا هاتحسي!

وفوجئت! بمدى عدم عقلانية الفكرة ومدى عقلانية الرد! فعلاً! وهذا ذكرني مرة أخرى بقوة الأفكار. الأفكار هي ما تخلق المشاعر. وبغض النظر عن مدى عقلانية الفكرة أو كونها حقيقية أو لها أساس من الواقع من عدمه؛ ستخلق الإحساس الذي يشبهها. وسيكون إحساساً حقيقياً حتى وإن كان ناتجاً عن فكرة غير حقيقية.

مرة كنت باعوم في البحر في مرسى علم والمية نقية وشفافة جدا. وعديت البراميل بمسافة! بعد شوية شفت سمكة مفلطحة بتعوم تحتي وبتتحرك معايا في كل حتة. وبدأت أفكر في الأسماك السامة القاتلة وإني عديت البراميل رغم التنبيهات بعدم تخطيها واني دلوقتي ولا حد هاينجدني ولا ليا دية! بدأت أتوتر والتوتر بدأ يقلب خوف والخوف بقى ذعر ففقدت قدرتي على الطفو واتقلبت وشرقت وبدأت أطبش وبقت حالتي كرب! قعدت شوية في العك ده على ما بدأت أتوازن وبصيت تحتيا بحذر أشوف أخبار السمكة السامة اللي هاتموتني إيه! لقيت شكلها اتغير تماما!! وفجأة استوعبت!! ده خيالي!!! ظلي في المية! مفيش سمكة من أساسه! مفيش أي أساس حقيقي لخوفي في الواقع بس الفكرة خلقت خوف حقيقي!

مؤخراً تعلمت من مدرب التاي تشي كيف يؤثر الخوف على جهاز المناعة جسدياً وفكرياً ونفسيا. عندما يسيطر علينا الخوف نكون بذلك نرسل رسالة لخطوط دفاعنا أن ذلك الذي نخافه أقوى مننا. وكأنه أمر منا لجهازنا المناعي أن يستسلم لذلك الذي هو أقوى منه فتنهار حصوننا الجسدية والنفسية. نفس نظرية السمكة اللي طلعت ظلي. فكرة اقتنعت أنها أقوى مني فأرسل عقلي رسالة لكل السيستم للتسليم فانهرت وبدأت أطبش ودخلت موود بلطية الغرقانة.

الخوف من الفقد .. كلنا عندنا الخوف ده. الطريقة التي اتعامل بها مع هذه المخاوف هي قبول أسوأ سيناريو. قبول إمكانية أن يحدث لأن الفقد جزء من الرحلة ولأن لا شئ ولا أحد دائم. القبول يحررني من الخوف ومن سطوته علي. الخوف في حقيقته رفض لفكرة ما يجعلها أقوى مننا. قبولها يغير الدفة ويقلب الموازين فنصبح نحن أقوى من الفكرة. 

يمكن أن أحتاج ان أكرر نفس الفكرة في عقلي – أقبل الفقد لأنه جزء من الرحلة – عدة مرات لأحررني. وأعود أكررها لاحقاً إذا زاد التعلق مثلا واحتجت أن أذكرني. كذلك عندما أصلحت علاقتي بنفسي وأحببتني تخلصت من الأفكار من نوعية "محدش هايستحملني. محدش بيحبني. هايحبني على إيه" وبالتالي تخلصت من القناعة بأن الآخرين حتماً سيرحلون عني. نعم الرحيل وارد والفقد ممكن. ولكن ليس من منطلق أنني غير مستحقة للحب والكل هايهرب مني بالمشوار! كما أن كوني أحب نفسي الآن نفى رعب أن يتركني أحدهم فأبقى بمفردي. نعم سأتألم لفقد من أحب ولكني أيضاً باقية مع من أحب .. أنا.




الإبتساماتإخفاء