محمد يوسف الغرباوي - علبتين مناديل



علبتين مناديل 


بقلم: محمد يوسف الغرباوي 


"اللهم اجعله خير"، قالها متمتماً وهو يستفيق من ساعات نوم مضطرب مليء بالأحلام. ورغم أنها كانت أحلاماً في أغلبها سعيدة، وإن كانت مشوشة وغير متسلسلة ولا منطقية، إلا أنه وبحكم الإرث الفكري استعاذ بالله على سبيل الاحتياط.

حاول أن يتذكر لقطات من هذه الأحلام فتبخرت كالعادة وغابت عن ذهنه تماما لكن لعجبه وجد في صدره انشراحاً غاب عنه أسابيع طويلة ولم يدري لذلك سبباً.

قرر أن يعطى لعقله أجازة من التفكير والهموم في ذلك اليوم وأن يغير نمط أيامه المتشابهة والمتواترة والتي تشبه عربات قطار تمر فى موعدها كل يوم على محطة حياته دون تغيير يذكر.

قرر ان يعطى لنفسه أجازة من عمله وأن يستغنى عن طقوس الصباح المعتادة وأن تكون هي أول ما يغيره فغسل وجهه سريعاً وبدل ملابسه وتعطر بعطر جديد كان تلقاه كهديه من أحد أصدقاءه ووضعه في خزانة ملابسه منتوي إهداءه لشخص اخر في اول مناسبه قادمه حيث انه لا يغير نوع العطر الذي يستخدمه منذ سنوات ولعجبه راقه العطر الجديد وأيقظ في روحه انتعاشاً كان قد غاب عنه لفترة طويلة.

نزل للشارع وابتسم في داخله لما رأى دهشه قد علت وجه البواب النوبي العجوز الذي لم يعتد رؤيته يخرج فى هذه الساعة المبكرة وبدون أن يناديه لإحضار الجرائد والإفطار المعتاد كل يوم.

"خير يا بك" قالها الرجل العجوز بتوجس وقلق حقيقي

"لا خير مفيش حاجه يا عم ابو زيد صباح الفل"

قرر أن يترك سيارته واتجه إلى محطة مترو الأنفاق وشجعه على ذلك أن الجو كان منعشاً بهواء الصباح البارد في شهر نوفمبر. حركه السيارات والمارة لم تزعجه بل على العكس وجد فيها شيئاً حميماً ربطه بسنوات الطفولة والشباب المبكر قبل سنوات قاربت على العشرين، أيام ما كان يمشى لمدرسته وبعدها عندما كان يذهب لجامعته بالمواصلات العامة ماعدا الأيام التي كان يرضى عنه والده فيعيره سيارته. أخذته أفكاره لذكرياته مع والده الذي رحل منذ سنوات قليلة وهو لم يبلغ الخامسة والستون من عمره ولحق بأمه التي غادرت الدنيا وهو طفل دون الرابعة من العمر ويكاد لا يحمل لها في ذاكرته إلا أطياف ذكرى حين تومض في عقله تدغدغ مشاعره كلفحة من دفئ في ليل شتاء طويل.

رفض أبوه أن يتزوج بعد رحيل أمه وتفرغ لحياته ولتربية ابنه رغم أنه كان في منتصف الثلاثينات من عمره فالتصق الابن بالأب وتعلق الأب بابنه دون تفريط في تربيته التربية الصالحة بشيء كبير من العطف والتفاهم.

وصل إلى محطة المترو التي لم يدخلها منذ سنوات افتتاح خط المترو الأول في أواخر سنوات دراسته وهاله التغيير الكبير فبرغم أن الزحام هو نفس الزحام إلا أن الإهمال قد ضرب في كل الأنحاء، كما أن الكآبة والصرامة قد علت الوجوه في تناغم لفعل الزمان القاسي على البشر والمكان.
لم تثنيه صدمة الوهلة الأولى عن المضي في خطته بألا يكون اليوم مثل كل أيامه فحصل على تذكرته وتدافع في خضم السائرين للحاق بالقطار دون أن يسأل نفسه إلى أين.

بالصدفة البحتة كان القطار ذاهباً إلى جامعته القديمة في الجيزة. أحس أنه في رحلة حج إلى ماضيه وأيام الشباب الغض وأحلامه، فأحس بقدسية عزلته عن الزحام ورائحة العرق الخانق وكآبة الوجوه من حوله.

 نزل في محطته القديمة كالمنوم المسحور مشحوناً بذكريات أيام خلت تتدافع داخل وجدانه وعقله حملته إلى عالم أخر وأحس بنفسه يطير خفيفاً كالريشة تحملها رياح طيبة. طاف حول كليته واعتلت وجهه ابتسامة صافية لم تزر وجهه منذ سنوات.

استوقفته طفلة صغيرة جميلة الملامح رغم رثاثة ثيابها تحمل علب مناديل ورقية جذبته من يده "نفعني يا بيه وخد لك علبة باتنين جنيه ونص بس"

دس يده في جيبه وقد اتسعت ابتسامته واخرج خمسة جنيهات اعطاها للبنت "هاتي لك حاجة حلوة وخللي المناديل". أخذت البنت النقود واعطته علبتين بإصرار شديد "أنا مش بشحت أنا ببيع مناديل بس" وجرت وتركته وقد اتسعت ابتسامته لتشمل كيانه كله.

استوقف تاكسي ليحمله إلى منزله وحالة من الوجد المتصوف تسمو بروحه. في مدخل العمارة التقاه عم أبو زيد ومازال على وجهه نفس التساؤل عما طرأ على البك هذا اليوم فأعطاه صاحبنا علبتي المناديل وصعد لشقته دون أى كلمة. 


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء