أحمد يسرى الصباغ - لوحات سوداء - برشامة





لوحات سوداء - برشامة 


بقلم: أحمد يسرى الصباغ



لوحات سوداء - برشامة
- إنطقى يا بت الكلام اللى بيقوله أيمن ده حقيقي؟
- والله يا ماما ما حصل.
- يا بت انطقي.. قولى الحقيقة، البرشامة لسه بقفلتها؟
- والله يا ماما ما حد لمسنى قبل كده.

دمعتان ساخنتان تساقطا على وجنتيها اللتين لا زالتا تحملان آثار مستحضرات التجميل التى غطت وجهها ليلة البارحة، فصنعت منها أنثى جديدة لم تعرفها عندما نظرت فى المرآة التى احتلت نصف الحائط، بعد انتهاء الحفل الذى امتد حتى الواحدة صباحًا.. لم تعلم لم البكاء، هل هو بسبب التحقيق المفتوح معها منذ ساعات الصباح عندما وصلت إلى هنا مع زوجها أيمن، أم هو بسبب ذكر (البرشامة) الكلمة التى طالما جعلت الرعب يدب فى قلبها وجعلت من الخوف رفيقها طوال سنين كثر.. دومًا ما حذرتها أمها جمالات من السماح ﻷحد بالمساس بها أو ببكارتها، أو البرشامة على حد تعبيرها كما يسميها الجميع فى الحى الشعبى الذى تقطن به.. دومًا كانت البرشامة هى الخط الأحمر الذى ما بعده خط، التى إذا ما انفضت دون عقد مكتوب و شهود حاضرين ستقلب حياتها وحياة عائلتها إلى جحيم مستعر مدى الدهر، وستنّكس رأس والدها المرفوعة دومًا بين أقرانه وجيرانه فى الحي، الذين لن يغفروا له تقصيره فى تربيتها إلا إن قام بغسل عاره وأسال دمها أمام الجميع عوضًا عن دم برشامتها الذى سال دون علمه أو علمهم.. تتذكر اليوم الذى كانت فيه طفله تحاول استكشاف جسدها كما يفعل كل الأطفال لتمسك بها أمها بينما يدها تلمس موطن عفتها، يومها أخذتها بشدة من ذراعها إلى المطبخ ووضعت قطعة الحديد الرفيعة التى تستخدمها فى إصلاح حوض الغسيل عند انسداده على النار حتى احمرّت، ثم لامست بها كتفها بينما تكيل لها السباب واللطمات وتنهرها أن تراها تفعل مثل ذلك مرة أخرى.. تتلمس مكان الحرق الذى لا زال كتفها يحمل أثره إلى هذا اليوم رغم مرور أكثر من عشر سنوات فتشعر بألم، تهرول دمعتان أخريتان على وجهها بينما هى تغلق جفونها بشدة تحاول منعهم من النزول ولكن بعد فوات الأوان.. تعلّمت من يومها أن هذا الجزء محرّم على كل المخلوقات حتى هى فظلت تتفادى حتى النظر إليه عند الاستحمام.. تعلّمت أن تخاف من هذا المكان وأن تمنع نفسها من مجرد التفكير أنه جزء من جسدها لها حق فيه وله حق عليها.. تعلّمت أن تنساه و تتناساه وبدأت تناديه البرشامة مثل كل الأخريات.

- يابت اتكلمي، طب بتعيطى ليه قوليلي.

تنظر إليها فى صمت وترد بالمزيد من الدموع مغمغمة:

- حسبى الله ونعم الوكيل!

وقعت فى المدرسة ذات يوم لتنزف من جرح فى أعلى فخذها فظنت أن البرشامة قد انفضّت فظلت تبكى طيلة اليوم حتى اضطروا السماح لها بالرجوع إلى البيت للتخلص منها، فأفهمتها أمها بكلمات مقتضبة أن الوقوع لا يفعل شيئًا بل الرجال الطامعين فى لحمها هم من يفعلون هذه الفعلة الشنعاء، فخافت الرجال.. كانت ترى المراهقين ممّن هم فى مثل سنها من الأولاد يقفون عند باب مدرستها الثانوية لدى خروجها، ترى بعضًا من صاحباتها يؤخرون خطواتهن ليرضوا مراهقتهن الوليدة بالكلام المعسول أحيانًا الوقح أحيانًا الذى يتناثر من حولهن فتنعتهن فى سرها بالعاهرات.. يطاردونها بعبارات الغزل والمعاكسات مثل الباقين فتصم أذنيها وتهرول إلى البيت تنتفض خوفًا على نفسها منهم.. كانت ترى العديدات من حولها تحكين عن قصص الحب التى يقعن فيها كل يوم، فلم تفهم ما يتكلمون عنه وتساءلت فى سرها عن ماهية هذا الحب الذى يتحاكين عنه ولكنها نفضت سؤالها سريعًا عندما تحسست مجددًا الحرق فى كتفها.. حتى عندما جاء أيمن إلى دارهم محملًا بالهدايا ومعه والدته لخطبتها لم تعلم ماذا تقول عندما سألها أباها عن رأيها فى القادم للزواج، رأت الفرحة على وجه أمها والارتياح فى وجه أبيها فالتزمت الصمت.. نظرت إلى أيمن بالحول الخفيف الذى بدا فى عينيه وتساءلت فى نفسها، لماذا يحق له أن يحصل هو على دونًا عن كل الرجال، ثم ما الذى يفرقه عن كل الرجال الذين تم تحذيرى منهم مرات بعد مرات؟ ولكنها نسيت هذا السؤال على إثر زغرودة عالية أطلقتها أمها إثر الموافقة التى افترضوها فى صمتها.. ظلت على حالها صامتة فى حفل الخطبة الصغير الذى أقيم فى منزلهم، وأكملت على صمتها عدا بضع كلمات متكررة رتيبة مع أيمن خطيبها فى زياراته إلى منزلها طيلة فترة الخطوبة التى امتدت إلى ست شهور لم تعلم فيها عنه شيئًا، لتجد نفسها فجأة تنظر فى المرآة التى احتلت نصف الحائط فى غرفة النوم التى اشتروها من دمياط، وأيمن من ورائها ينظر إليها فى شهوة.. حاول الاقتراب منها والإمساك بيدها ورأت عينيه تتفحصان جسدها بالكامل فى هذه اللحظة، فنسيت كل شيء وتذكرت البرشامة التى طالما وصتها أمها عليها.. رأته بعين الخيال يتحول إلى ذئب يعوى يستعد لنهش بكارتها وإنهاء ما حافظت عليه لسنين طوال فبدأ جسدها بالارتجاف، وانسابت دموع الخوف من مقلتيها.. حاول تهدئتها وابتعد عنها لفترة ثم عاد محاولًا الاقتراب من جديد فعادت معه الارتجافة والدموع.. ظل يحاول طيلة ثلاث ساعات ثم استشاط غضبًا وكسر مزهرية صغيرة بجانب الفراش بأن رماها على طول ذراعه، ونام من بعدها خارج الغرفة حتى الصباح.. ظلت هى بفستانها لم تنم حتى وجدته يدخل عليها الغرفة فى الصباح الباكر طالبًا منها ارتداء ملابسها، حتى يعيدها إلى أهلها دون فضائح على حد قوله.. نفذت ما قاله دون كلمة ترد بها حتى وصلوا إلى بيتها الذى تركته بالبارحة فدخلت غرفتها وظل هو يتحدث مع أباها وأمها فى الخارج.. حاولت التنصت فلم تسمع شيئًا حتى علا صوت أمها قائلة:

- يعنى ايه اللى انتا جاى تقوله ده؟

رد عليها أيمن بصوت غاضب:

- يعنى بنتكوا مش تمام والبرشامة شكلها مفكوكة وإلا ليه ماخلتنيش المسها؟
قالها ثم اتبعها:

- أهى عندكوا جوه اتصرفوا معاها وبلّغونى هتعملوا ايه

فتح الباب وقال فى تهديد:

- أنا لسه مش عايز اعمل فضايح.

ثم أغلق الباب وراءه فى عنف.

- يا بت انطقى تعبتينا.

كانت هذه من أباها الذى حاول ضربها أكثر من مرة بعد مغادرة زوجها الغاضب لولا أمها التى كانت تتدخل لمنعه منها فى كل مرة.

- خلاص احنا ما قدامناش غير نوديها للدكتور يكشف عليها ونشوف البرشامة لسه سليمة وللا ﻷ، ولو سليمة نجيب الواد ونشوف بيتبلّى عالبت وللا ايه.

كان هذا هو الحل الذى تفتق عنه ذهن الأم التى نظرت إلى وجهها لترى أثر كلماتها عليها فلما لم تجد شيئًا جديدًا قامت من مكانها وتبعها الأب مغمغمًا.

- نروح دلوقتى حالًا يللا إجهزى وجهزيها أمّا نشوف آخرتها.

تركوها وحدها وسط الغرفة التى طالما راودتها المخاوف فى جنباتها.. نظرت إلى ما حولها من وسط دموعها ثم قامت إلى احد الأدراج فى المكتب الصغير الذى كانت تذاكر عليه منذ شهور قلائل، وفتحته لتلتقط مقصًا من داخله وفى رأسها تتبلور فكرة سيطرت على عقلها الصغير.. أمسكت بالمقص ففتحت جانبيه وشمّرت عن ساعديها وقربته من ذراعها تبغى قطع الوريد كما رأتهم فى الأفلام يفعلون.. لم تفكر فى الانتحار من قبل ولكن لم يبد لها الموت سيئًا إلى هذه الدرجة فى هذا التوقيت، بل العكس رأت فيه راحة لها وراحة لمن حولها فى هذه الظروف.. نظرت طويلًا إلى المقص بينما تتذكر ميادة صديقتها التى كانت تراها تفعل كل شيء محرم عليها حتى أنها أقامت بعض العلاقات شبه جنسية مع بعض الشباب، ودومًا كانت تقول لها:

- اعملى أى حاجه بس ما تقربيش من البرشامة.

ميادة تزوجت منذ ستة اشهر وحامل الآن فى طفلها الأول ولم يجرؤ أحدهم على اتهامها بشيء مما يتهمونها هى به، وكل هذا لأنها حافظت على عفتها التى لا يقيمون وزنًا إلا لها، مع أنها فعلت كل ما تشاء بينما هى يتهمونها بالتفريط رغم أنها لم تسمح حتى لنفسها بالاقتراب منها.. ذابت الفكرة القديمة وتبلورت فكرة جديدة فى رأسها.. ستثبت للجميع عفتها وطهارتها بالطريقة الوحيدة التى يفهمونها.. أخذت المقص وتسللت من البيت إلى الشارع دون أن يراها أهلها.. وقفت وسط الناس والمارة فى أعلى نقطة بجانب البقالة المجاورة ليراها الجميع.. أرسلت شعرها حرًا وراء ظهرها.. أخذت المقص بيدها اليمنى ورفعته فى الهواء ثم نزلت به فى سرعة لتطعن نفسها فى موضع برشامتها وسط عيون كل المذهولين.. مع تدفق الدماء من موضع عفتها كانت ابتسامة تنمو على شفتيها وحرق فى كتفها يبدأ فى الاختفاء.. الآن فقط أثبتت للجميع سلامة البرشامة.


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء