داليا عادل - زمان ودلوقتي 7 - أنا والايجو



زمان ودلوقتي 7 - أنا والايجو

بقلم: داليا عادل  

ده المقال السابع في سلسلة #زمان_ودلوقتي

قبل أن ابدأ المقال أحب أن أشارككم تعريفي للإيجو وفهمي له. مش فاكرة أنا إمتى عرفت كلمة "إيجو" أصلا. وأعتقد إن فهمي لها تغير – بغض النظر عن التعريف العلمي واللغوي للكلمة – حسب تغير وعيي. في بدايات فهمي للكلمة "إيجو" بالنسبة لي كانت تعني "غرور". حالياً "إيجو" تعني "فكرتي عن ذاتي وإحساسي بنفسي سواء كان مبالغاً فيه أو معتدلاً أو منقوصا". وكما أن هناك فكرتي أنا عن نفسي؛ هناك فكرة الآخرين عني.

أود أيضاً أن أنوه أن هذا المقال من أكثر المقالات ضبابية بالنسبة لي لأني مازلت غير مدركة تماما لأبعاد الإيجو وكيفية تعاملي معه. لا يعني هذا أني مدركة تماما كل موضوع تناولته ولا أن ما أدركه بالضرورة حقيقي ولكني على أرض أكثر صلابة بالنسبة لموضوعات أخرى بالمقارنة بالمنطقة التي أقف فيها من الإيجو. أتمنى أن يساعدني المقال على فهم ووعي وإدراك أكثر.

تقريباً كل من صادقتهم في المدرسة على اختلاف مراحلها علقوا أنهم "كانوا فاكريني شايفة نفسي بينما أنا بسيطة وحبوبة". كذلك كان التعليق المتكرر "كنا فاكرينك إتمة ورخمة بس طلعتي مسخرة". كنت أتضايق. ليه فاكرين إني شايفة نفسي مع إني أصلاً مش طايقة نفسي!! وليه متخيليني رخمة وإتمة؟ ربما لا أعرفني على حقيقتي ويعرفني الناس أكثر مني! ربما أنا فعلا رخمة وإتمة وشايفة نفسي ع الفاضي. صورتي عن نفسي لم تكن عظيمة – بل كانت متدنية – ورؤية الناس لي كانت تؤثر في جدا خاصة لو كانت سيئة. كنت أميل لأن أصدقها. لم يمكنني وعيي في ذلك الوقت من أن أفكر فيما أفعله ويجعلني أبدو كما يراني الناس خاصة أنه كان شبه إجماع. 

في الجامعة لم يختلف الوضع كثيرا. دائما هناك انطباع غير صحيح يؤخذ عني ثم يثبت عكسه ويخبرني الأصدقاء لاحقا كيف رأوني ثم كيف خبروني بعد التعامل. ولكني بدأت أفكر .. "لماذا يروني هكذا؟" ليس من منطلق "الندب" كما في الطفولة – ليه يا ربي شايفيني كده – أو من منطلق تقطيم الذات ولكن فعلا بحثاً عن إجابة. لم أتوصل لإجابة شافية مقنعة. ربما أني كنت مجتهدة في دراستي ويراني الزملاء في فورمة "الدحاحة"؟ ربما النظارة التي ألبسها من الطفولة وتخلق جو "أبلة الناظرة"؟ ربما قربي من المدرسات؟ ربما لاشتراكي في أنشطة عدة بالمدرسة وكوني معروفة بالإسم؟ هذا ما فكرت فيه وقتها. حسناً هذا فيما يتعلق بفترة المدرسة. ماذا عن الجامعة؟ لم أعرف الإجابة.

الحياة المهنية جسدت الصورة أكثر وأكثر. يظل الانطباع الذي يأخذه الناس عني واحدا. أضيف إليه انطباعات أخرى عليها شبه إجماع أيضا مثلا not approachable  أي أني يصعب الحديث معي أو أني لست ودودة للغاية. كما كان يراني الغير على أني متمسكة برأيي جدا لدرجة التعصب. وقد كنت كذلك فعلا. في فترة من الحياة كان أخويا مسميني "أم العريف". وهذا يعكس ما كنت أتميز به من مهارة الفتي في كل شئ بثقة مطلقة توحي باقتناعي بحمورية كل رأي مخالف. هذا بالإضافة إلى العند الشديد. معروف إن برج التور عنيد وبينطح. لا تشغل الأبراج مساحة من حياتي ولكن كانت هذه الصفات تنطبق علي.

بدأت نوبات الاكتئاب تشتد وصحبتي لنفسي تثقل علي وبدأت مرحلة العمل الحقيقي على مدار سنوات. عندما أنظر الآن من بعد وبانفصال عن كل ما مضى أرى كيف كان الإيجو يتحكم في تصرفاتي بطرق مختلفة على مدار السنوات. على مدى أغلب سنين عمري كانت صورتي عن نفسي متدنية للغاية – إيجو مضمحل – وده كان بينتج عنه حاجات كتير:

- لم أكن واثقة في نفسي وكنت أحاول أن أخفي ذلك وراء قناع من الثقة المبالغ فيها فتكون النتيجة أن أعطي انطباعاً اني "شايفة نفسي".

- لم أكن أرى أنني أستحق الحب أو أن أحدهم يمكن أن يحبني فعلاً أو يتخذني صديقة فبيدي لا بيد عمرو أبعد أنا عن الناس وامثل دور المستغنية. يتمنعن وهن العايزات ستايل.

- كان الكثير جداً بداخلي غير مفهوم أو غير مقبول أو غير معلوم فكنت أحاول أن يكون الخارجي – على الأقل – على أرض صلبة. واضح إني كنت بأفور!

- كنت أشعر أني عديمة القيمة فكنت أحاول أن استمد احساسي بالقيمة من مصادر متعددة منها آرائي فكنت باتمسك بها بشدة. مش معقولة حتى آرائي تطلع مضروبة زي صاحبتها!

- كنت فعلا مقتنعة إني سخيفة ودمي تقيل ولو قلت حاجة تضحك ماحدش هايضحك عليها لأنها فعلا هاتكون سخيفة وغير مضحكة. وبالتالي كنت باتجنب اني اهرج فببان إتمة إلا لو في وقت اتصرفت على طبيعتي في غفلة مني وبانت روحي الحقيقية

- كنت مفتقدة الاحساس بالأمان على مستويات كثيرة وأهم سبب كان سوء علاقتي بنفسي وبالتالي كان مهماً بالنسبة لي أن أتمسك بأي شيء يمكن أن يلعب دور الثوابت المطمئنة بالنسبة لي زي خطة الخروجة اللي اتفقنا عليها مثلاً أو رأيي حتى لو بيني وبين نفسي بعدين اكتشفت انه غلط او إنه مناسب ليا بس مش بالضرورة لغيري. كنت باكمل في العند!

- كنت بابقى عايزة حضن بس كرامتي ناقحة عليا ومش عايزة صورة الكلب اللي بيتمسح في اصحابه اللي قلت لكم عليها في مقال سابق فبالبس درع اجمد من درع الزحلفة .. اكيد كان بيوصل للناس ويقولولي كنا فاكرينك جامدة وعملية ومالكيش في المشاعر (ملحوظة: قريت النقطة دي تاني حسيت انها برعاية ناشيونال جيوجرافيك!! ما علينا)

وتعمق فهمي للإيجو وأصبح أوسع كثيراً من فكرة الغرور. ربما أبدو مغرورة وذات إيجو متضخم ولكنه في الحقيقة أسلوب يتبعه العقل ليداري الإيجو المضمحل.

كيف تعاملت مع الإيجو؟ اشتغلت على رؤيتي لنفسي وعلاقتي بها كما أوضحت في مقالي أنا وأنا. لا نستطيع أن نتقدم في طريقنا نحو النمو الروحي دون معرفة بالذات اتصال بها ورؤية متوازنة لها – لا أن نرى ذواتنا متضخمة فيملؤنا الغرور والتعالي ولا أن نرى ذواتنا مضمحلة فنشعر بالدونية والانحطاط. رؤية متوازنة للذات.

كيف تغيرت مشاعري وتصرفاتي وحالة الإيجو بعد تحسن علاقتي بنفسي؟ بما أني متصالحة مع نفسي فأنا متصالحة مع صورتها وانعكاسها على صفحة الحياة. لا أجد غضاضة في أن أعبر عن مشاعري وأفكاري كما هي دون أحكام. إيه المشكلة لو مش فاهمة؟ ممكن اقول اني مش فاهمة دون أن أشعر أن ذلك ينتقص من قدري ولا أن أحتاج أن أتعصب لرأي يعطي إيحاء إني فاهمة حفاظاً على شكلي. عندما كان لدي مشكلة مع حقيقتي كنت أتعامل مع "شكلي" و"صورتي" دون وعي مني. الآن حقيقتي هي صورتي وصورتي تمثل حقيقتي. وأتوقف كثيراً عندما يذكر أحدهم انطباعاً أخذه عني أو يعلق على ملمح من ملامح شخصيتي؛ ليس لأني أهتم بكلام الناس ولا أني أتشكل وفق آرائهم ولكن لأسأل نفسي: هل دي انتي؟ هل دي حقيقتك؟ لو لأ ايه عملتيه ممكن يكون أعطى هذا الانطباع؟ طبعا كل شخص مسئول عن الانطباعات التي يكونها وتكوينها خاضع للكثير من العوامل المتعلقة به وبمنظومته؛ ليس مجرد تصرفي. لكني أتوقف لأتأكد من تطابق حقيقتي وصورتي. أحياناً أجد تباينا. أبحث وراءه. هل ثمة ما أود إخفاؤه؟ أو تزيينه؟ لماذا؟ كيف أراه أنا؟ عندما أصلح رؤيتي له يتطابق الأصل والصورة.
في مواقف بتحصل باحس ان اللي بيتكلم أو بيتصرف فيها بيكون الإيجو .. مش أنا. وساعات مش باكون متأكدة لو شيلت "إيجو" أحط مكانها "عقل" ولا "نفس" ولا مين بالظبط. زي إيه؟

- لما أحس إن حد بيوعظني أو بيقول لي كلام basic  جداً أحسه مستوى KG1 بالنسبة لي .. ساعات باسمع رد فعلي جوايا قبل ما يطلع برا وبيكون واضح ليا ان الإيجو هو اللي بيرد مش أنا. باحاول آخد نفس واهدى واستلم الدفة من الإيجو واتعامل. ساعات باكون اوريدي طلعت زي الطلقة والإيجو عمل عمايله .. باحاول اهدى وأتدارك الموقف. بس كمان باكون مدركة ان ذات نفس الإيجو أحيانا بيمنعني إني ألم الدور. عموما ماعنديش مشكلة مع الاعتذار وتدارك المواقف بس مايمنعش إن أحيانا – حتى وإن كانت نادرة – ساعات الإيجو بيغلبني
- عندما أتلقى خدمة سيئة وأشعر أن هذا المستوى من الخدمة لا يليق بي! زمان كنت باتعصب وسريعا. حالياً تدربت أكثر على الصبر والاحتمال. يمكنني أن أتفهم إن كل إنسان  يتصرف من منطلق مستوى وعيه وإدراكه وقدراته. مازلت أحيانا أفقد أعصابي لو المستوى ضايع أوي أو كانت سلسلة من المآسي مستمرة على مدى فترة أو أنا نفسي في حالة عصبية ونفسية لا تؤهلني للاحتمال

- أحياناً أجد نفسي متعلقة بشدة بأشياء أو بتفاصيل وليس لدي استعداد لأتخلى عنها. التعلق أخد مني راقات وممكن أبقى أتكلم عنه بالتفصيل بس باحس الإيجو هو اللي وراه. الذات أو النفس أو العقل الذي يصور لي أشياء على أنها أساسية وحيوية لحياتي أو وجودي أو حمايتي ويصعب الاستغناء عنها بينما متطلبات الروح زهيدة وبسيطة ومتاحة طوال الوقت

- أوقات رفضي لمشاعر موجعة .. ألم شديد .. حزن شديد .. ضياع شديد .. خوف شديد .. احتياج شديد. أعتقد أنني أحياناً أتوحد مع هذه المشاعر وأرفضها. يصور لي العقل – وأدرك هنا أنني استخدمت العقل محل الإيجو – أنني لا أستحق أن أشعر بهذه المشاعر الموجعة. عندما أنجح في أن آخذ نفساً عميقاً وآخذ خطوة إلى الوراء أرى أن كل هذه المشاعر وغيرها جزء من الرحلة غير أنها ليست جزء مني. ليست جزءا من كينونتي ولا من روحي. سحابة وستمر. لا داعي لرفضها لأن رفضها يعززها. قبولها واستلام الرسالة منها يمنحها الإذن بالمرور والرحيل بسلام

- عندما يتعامل معي أحد بتعالي. يستدعي الإيجو المتضخم داخل ذاته تضخم الإيجو داخلي. واعية تماما لهذا النمط وأضبط نفسي وأكاد أرى بعيني بالونة الإيجو وهي تنتفخ بداخلي في لحظتها. وهذا تقدم بالنسبة لي! حالياً في أغلب الأحيان أستطيع أن أوقف حدود رد الفعل المتضخم داخلي – قفشة .. قفلة .. حاجة كده. أحاول أو آخذ وقت وأهدأ وأرى الإنسان في الإنسان أمامي. لا أنجح طوال الوقت بالطبع كوني لست ملاكا ولكني أحاول
- The Spiritual Ego وده حالة كده ساعات بتيجي لما الواحد يوصل لمرحلة من الوعي والنمو الروحي – ولسه مكمل في رحلته – يقوم يفتكر نفسه ياما هنا وياما هناك ويبدأ يقول الناس دي ازاي مغيبة كده أو ازاي بتفكر كده أو ازاي ماعندهاش وعي كده! إطلاق أحكام! أسمعه أحياناً بداخلي يحكم ويقيم وأحاول أن أروضه بمزيد من الوعي. ليست القضية بالنسبة لي كوني نطقت بالحكم وسمعه الشخص أم لأ. صحيح أنه مهم ألا أجرح أحداً بأحكام أو كلام غير لطيف لكن من منطلق حقيقتي لا يهم كون الكلام قيل بصوت خارجي مسموع طالما أنه قيل بداخلي بالفعل

إلى أين أتجه في رحلتي مع الإيجو؟ مش عارفة بالظبط! بس بما إني "أم العريف" وباحب الفتي زي ما انتوا شايفين فدعوني أفتي 

من خلال قراءاتي وتأملاتي أعتقد أن هذه هي المراحل التي يجب أن نمر بها في رحلتنا مع الإيجو/الذات:

- التعرف على الذات: وهذا لا يحدث دون جهد. دون قرار. دون وعي. يجب أن نقرر أننا نريد أن نتواصل مع أنفسنا لنتعرف عليها ونبذل الجهد لبناء العلاقة؛ مثل أي علاقة. 

- التوازن في رؤية الذات: المعرفة بالذات والعلاقة الواعية بها ستساعدنا على الخروج من تضخم الذات أو اضمحلال الذات لنقف في منطقة وسط معتدلة متوازنة من رؤية الذات وحبها

- حب الذات: وأعني هنا الحب الغير مشروط. إدراكنا أن حبنا لذاتنا لا يتوقف على إنجازاتنا ولا خبراتنا ولا علاقاتنا ولا أي من مكتسباتنا. وأن هذا الحب يتطلب عطاءا للذات وتحريرها من أحمال الذنب واللوم والتصغير وكل الضغوط ووضعها في المكان الصحيح على قائمة الأولويات

- الخروج من الذات: الذوبان في ذات الكون وفي كل ذات نلقاها وفي ذات الله وإدراك أن ذاتنا جزء من كل ذات وأن كل ذات جزء مننا. أننا جزء من كل وكل في جزء. فلا يبقى خوف من هجوم علينا يتطلب دفاعاً من الإيجو ولا انتقاص من قدر ذوات أخرى لأنها جزء مننا. لا يبقى إلا الحب

ليس بالضرورة أن يكون تصوري هذا مناسباً للكل ولا أن يكون حتى مناسبا لي! من خلقني أدرى بالأنسب لي. لكن هذا ما أدركه بمستوى وعيي الحالي.

هل مررت أنا بهذه المراحل؟ نعم. أين أنا الآن؟ أحاول الخروج من ذاتي. ربما أني متأثرة بالفكر الصوفي أو بعض فلسفات التأمل في فهم الكون ولكن "أريد ألا أريد". أن أذوب في الكون. أن أتحرر من الفكر والمشاعر والإرادة فلا تبقى إلا الروح متحدة مع روح الكون وروح المكونات وروح مكونها.




شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء