أحمد يسرى الصباغ - لوحات سوداء - وحيد



لوحات سوداء - وحيد


بقلم: أحمد يسرى الصباغ


أصحو بينما يؤذن لصلاة العصر..
أقوم على مهل بينما معدتي تئن من الجوع، الأمر الذي جعلني ألغي فكرة العودة إلى النوم من جديد فليس لدي شيء لأفعله، سوى ممارسة رياضتي المفضلة من الاستلقاء على الأريكة ومشاهدة التلفاز دون اكتراث حتى يناديني الفراش فأنام من جديد..

غسلت وجهي بينما أنظر إلى نفسي في المرآة المعلقة فوق الصنبور ملياً وأتحقق من ملامح وجهي، أخاف يوماً أن أنظر في المرآة فلا أعرفني.. أجد آخر ينظر إليّ من الناحية الأخرى يحمل ملامح كانت تشبهني، أو أجد وجهاً آخر ليس لي لم أعرفه يوماً يطل علي من هناك.. أخاف المرآة.. 

أخفض نظري وأهرب إلى غرفة المعيشة.. أمسك بجهاز التحكم لأفتح التلفاز، وأتحرك بين القنوات في سرعة حتى أجد شيء نصف جيد فأتركه وأتجه إلى التليفون الملقى على الطاولة لمدة الشهر الآن.. أشحنه كل يومان حتى لا يموت من الجوع ثم أتركه في مكانه من جديد.. أتحقق من شاشته ﻷجد ما ظننته، لم يكلمني أحد.. عدا بعض الرسائل الدعائية السخيفة، لا شيء على الإطلاق.. لا مكالمات أو رسائل أو حتى رقم خاطئ اتصل برقمي فأغلق على الفور حين أدرك خطأه..

أتحقق مرة أخرى فتثور نفسى: لا أحد في الخارج يفتقدك فتوقف عن التحقق من الهاتف اللعين، لا أحد يعلم عنك شيئاً ولا يهم موتك من حياتك.. أنت وحيد في هذا العالم وعليك أن تتقبل ذلك، حتى أصدقاءك القليلين لا تحظى منهم سوى بلقاء شهري يغيب عنه الواحد تلو الآخر بأعذار واهية حتى ينقضوا عنك أجمعين.. المعارف والأقارب آخر معرفتهم بك كان يوم أن جاؤوك للتعزية في والدك -آخر من كان يؤنسك في هذا البيت-  يوم وفاته ثم لم تر منهم أحداً، حتى الميراث تركوه لك كاملاً دون أن يسألك أحدهم عن شيء، كأن أباك هو الخيط الأخير الذي كان يربطك بهم فلما انقطع انفرطوا بعيداً عنك..

أنت وحيد فتقبل هذه الحقيقة وانس هذا الشيء الملعون المحمول الذي تظل تنظر إلى شاشته على أمل أن يتذكرك أحدهم.. لست ببائس بل أنت أقوى وحدك فسحقاً للعالم خارجك.. هذا الهاتف من الآن ليس سوى وسيلتك للاتصال بالخارج، مجرد إرسال دون استقبال.. تركته منذ الشهر في هذا المكان دحضاً لظنونك أن هناك واحد على الأقل في هذه الدنيا سيتذكرك ويحاول مهاتفتك واليوم يتحول الظن والشك إلى يقين.

معدتي تزمجر في نفاذ صبر، فأزفر في ضجر والمس الشاشة بسرعة وأستدعي رقمًا من ذاكرة الهاتف الذي أحمله في يدي وأتصل به.. أنتظر حتى أسمع الصوت من الناحية الأخرى.

- بيتزا هت.. محمد مع حضرتك يافندم.

- آلو.

- أتشرف باسمك..

- وحيد.. وحيد كامل!


 

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء