أديب الظل "أشرف توفيق" ضابط في بلاط صاحبة الجلالة




أديب الظل "أشرف توفيق" ضابط في بلاط صاحبة الجلالة


حوار: السيد ابراهيم أحمد


السيد ابراهيم أحمد "كلمة اولى":

   كان من المفروض أن أضيف لقب لواء اتفاقًا للحيلولة دون الخلط بين كاتبنا الروائي لواء أشرف توفيق وبين غيره ممن يحملون نفس الاسم ويبحرون بقاربهم مثله في عالم الرواية، ولكن الواقع أن للرجل أسلوبه الذي يتميز به عن غيره من حيث الرشاقة، وجزالة اللفظ المبثوث بمهارة في ثنايا تعابيره، والفكاهة وخفة الدم التي تزيل فتيل التوتر بينه وبين قارئه، والتنوع المعرفي أفقيًا ورأسيًا من حيث التخصص والهواية، الذي يبدو جليًا في كتاباته المختلفة، وهذا السر وراء كتابة الكاتب قبل الروائي وكان يجب أن أضيف قبلهما الباحث لولا طول العنوان.

   لا تستطيع أن تقرأ أشرف توفيق في إبداعه كتلة واحدة؛ فلابد أن تمرحل حياته ليس بشكل تاريخي لدراسته ولكن لأن حياته أصلًا تحمل مراحلها وتقدم نفسها لمن أراد أن يخبرها، ولولاها لما استطعت أن تتعرف على أسلوبه أو منهجه الفكري حين يكتب وهو الرجل الشرطي، والقانوني الأكاديمي، والروائي، وإن شئت الكاتب والمؤرخ.

   هذا الرجل مهموم بالتوثيق الدقيق مستعينًا بالكتابة سواء الأدبية أو الأكاديمية لكل عمل قام به شرطيًا أو مدنيًا، ولم يقصر جهده وطاقته الإبداعية على فرع واحد من فروع المعرفة والأدب؛ فرسالته في الماجستير كانت عن "المعارضة ــ الأصول والممارسة"، وقد حصل قبلها على جائزة سعاد الصباح للدراسات الإنسانية فى بحث فى نفس الموضوع الذى استهواه فجعله فيما بعد أطروحته للماجستير. ولإهتمامه بفن المقالة حصل أيضًا على جائزة يوسف السباعى للمقال النقدى لثلاث سنوات.

  تتالت أعماله حين انتقل إلى مقعد القضاء العسكرى بالشرطةأعمال النيابات العسكرية بالقوات المسلحة والشرطة"، فأخرج عدة كتب، هي: "دفاع المتهم في الجرائم العسكرية معلقًا عليها بأحكام النقض"، "الإستدلال بين الضبط القضائي والضبط العسكري"، "الدفوع الجوهرية أمام المحاكم العسكرية"، وحين ترك الخدمة ومارس مهنة المحاماة كتب رواية "الأفوكاتو"، ولما دخل سوق المال تكليفًا من الدولة لم يتركه حتى غرس فيه نبتة من قريحته وبراعته فكتب "كيف تتعلم استثمار الأموال في البورصة"، ورواية قصيرة "مائة يوم من البورصة".

   استغل الروائي اللواء أشرف توفيق حال كونه ضابطًا كل أدوات مهنته في البحث والتحري، والترقب وعلم النفس الجنائي، وقراءة أحداق ومهج المتهم لإرباكه والضغط عليه حتى يفوز بالحقيقة، فأخرج أعمالًا تعتبر تمهيدًا وجسرًا عبر عليه حتى استقر على مرفأ الرواية، وقد اختلط في هذه الكتب التاريخ بالأسلوب القصصي، ولكنه - ويا للعجب- تجرد بل تبرأ من الأسلوب النمطي والمباشر الذي تتميز به محاضر الشرطة التي يدونها ضابط الاستقبال "النوباتجي"، والتي يستخدمها الضباط لغة للتخاطب بينهم من المرؤوس للرئيس والتي تشي بلغة ليس فيها غير التكرارية والهوة السحيقة بينها وبين جماليات اللغة العربية!..كيف فعلها؟!.. وليس العجب في التبروء والفقد بل العجب يكمن في اكتسابه لغة لها أسلوبها وقوامها لم تمر يومًا على مخفر أو مديرية أمن، فيخرج من جعبته أسلوبًا لغويًا وبيانيًا دال عليه،عدة كتب:"العالم السري للنساء (جرائم المرأة)"، "وقيدت ضد مجهول"، "مشاهير وفضائح"، "نساء الملك فاروق"، "حريم في حياة سعد زغلول ــ الثورة التي أيدها الحرملك" وكان إذا تناول شخصيات ضمن كتاب ثم راقه أن يتوسع فيها أفرد لها كتابًا خاصًا بها، وهذا هو النهج الذي يربط بين تلك الدراسات والكتب.

   ثم قطع شوطًا فعاقر فن الرواية ولما لا وقد مهد لها بهذه الكوكبة من الكتب التي تصلح كل دراسة منها بأن تصنع رواية، كما أن المعهود عن الرجل أنه لا يدخل ميدانًا دون أن يقرأ فيه وعنه قراءة واعية يتجلى هذا حين غمس ريشته في نقد الرواية ليكتب كتابه: "في عشق الرواية"، والذي به يؤكد بأنه قرأ الرواية وقرأ النقد، والعنوان جاء محملًا بمعانٍ منها أنه لايكتب الرواية هوايةً بل عشقًا، وعلمًا، وفهمًا، بل أن مقالاته تحمل بين ثناياها سطورًا تفوح بمفهومه الخاص عن النقد ووظيفته ودوره كما يفهمه وكما يجب أن يكون، وبهذا الفهم والحرفية أخرجت قريحته إلى المكتبة العربية عدة روايات:

 "سرير بلا أحلام"، "غزوة وداد قرني"، والرواية ذات الجزأين: "الطريقة الفرنسية"،  والأخيرة الصادرة منذ أيام رواية "جاسو" عن دار الفيروز للنشر، حيث شارك بها مؤخرا بمعرض القاهرة الدولى للكتاب ومعرض الاسكندرية الدولى للكتاب 2016، كما كان له عدة قصص لم يجمعها فى كتاب، وانما نثرها فى الصحف والمجلات منها: "موجة حارة"، "ولاد الإيه"، "كاتبة"،"امرأة فى هذا المكان" وغيرها لم اتوصل لحصرها ولكنه لم يضمها فى مجموعة، فليس له أى مجموعة قصصية؟!

غير العديد من المقالات التي لا تخلو من روح القص، وأسلوبه كما في رواياته في الدخول على قارئه بحميمية وتلقائية ليضعه في مركز الدائرة أراد أم لم يرد ولكنه أمام هذا الفيض من الوصف والحكي يأتيه طوعًا.

كان من الواجب بعد هذه التقدمة التي كانت مفتتحًا للتعرف على الكاتب والروائي المصري المعاصر أشرف مصطفى توفيق أن ألتقيه وأحاوره وأخلي بينه وبين قارئه، ليضيف إليه ما يريد أن يزيل به المجهول حوله أو عنه.

 ***


 ___________________________________________________



ضابط في بلاط صاحبة الجلالة

       لم يكن ضابط الشرطة أشرف مصطفى توفيق الوحيد أو الأول أو الأخير الذي عشق مهنته كضابط فأبلى فيها بلاءً حسنًا، ولم يكن ليتنازل عن حبه وعشقه للحرف.. للكلمة فحاول امتشاق القلم ليكون فارسًا للكلمة ليس في مجال الدراسة الأكاديمية وحده أو القصة القصيرة أو الكتابة التاريخية أو الروائية، ولكن أيضًا في فن المقالة الذي عشقه وأتقنه ليفوز ثلاث مرات بجائزة الراحل يوسف السباعي والذي كان ضابطًا صحفيًا وروائيًا أيضًا...ولكنه تجاوز الأمر ليس في مجال الدراسة الأكاديمية وحده أو القصة القصيرة أو الكتابة التاريخية بل وصل للرواية؛ فقد التقى بداخله ضابط البوليس بالجورنالجى،كما تتلاقى أنابيب الإختبار فى نظرية الأوانى المستطرقة..

   نحن اليوم في حضرته ليكلمنا عن مشواره الثري والسِري فى بلاط الصحافة، وهو أكثر تحررًا من ذي قبل بعد أن خرج من جلباب الوظائف ولم يخرج منه القلم.. والغريبة أنه لم يسكنه الألم.. لا ضد أحد ولاضد أقداره .. فهو مؤمن بأن كلٌ ميسر لما خلق له، فلنبدأ وأرجو أن نفوز في حوارنا معه بتوثيق تاريخي عن علاقته وقصته مع الصحافة.

-  يجب أن يكون السؤال الأول للأديب والصحفي أشرف توفيق ماذا عن بداياتك المبكرة منذ الطفولة مع موهبة الكتابة؟

   كل شيىء تدفق، انفجر فى المرحلة الثانوية، وكانت مدرسة التوفيقية هي البيئة التي فجرت فيَّ ذلك.. أما قبل هذا.. فأنا فى قمقم.. أسرة مسيطرة تقول وأفعل.. وكانوا لا يريدون لي إلا النجاح والتفوق المدرسي وغلب حبهم عنادي.. فاستسلمت لهم. وفى المدرسة التوفيقية خرج المارد من القمقم بقوة خروج البخار من حلة البخار الحديثة "سب"!..

   إذ وجدت فيها فرع لمنظمة الشباب فدخلت.. ووجدت فرق لكل لعبة فالتحقت بفريق الباسكت.. ولعبت، وكنت أساسي فى الفريق، وجاء من يدخلني أشبال النادي الأهلي، واستمر الأمر معي حتى بعد دخولي كلية الشرطة فلعبت في فريق الكلية.

   وكان يصدر من منظمة الشباب مجلة "الشباب" وكان أصدقاء التوفيقية الذين دخلوا معي للمنظمة يكتبون فيها الشعر والقصة، وأنا معجب بهم، ولكن لا أعرف كيف أقلدهم، لا أعرف كيف يحدث ذلك؟ كيف يكتبون؟! حتى أصدر"نيكروما" كتابه عن"الإمبريالية والإستعمار الجديد" واحتفى به عبد الناصر..

- تقصد الرئيس الغاني "كوامي نكروما"؟

   نعم، وفى يوم وليلة كان الكتاب محل حديث المنظمة.. وجاءت كلمة السر ومعها وقت التحرك من يكتب عن الكتاب عرضًا وتحليلًا لنشره في المجلة.. ورفعت يدى وقلت: أنا.. ونشر ماكتبت وعرفت كيف أكتب.. وظهرت جريدة "الطلاب" فى وقت عقابى بالخروج من منظمة الشباب، وذلك لخروجى مع من خرجوا من المدارس الثانوية ضد احكام الطيران الهذيلة بعد نكسة 67 والغريب أننا اتجهنا للتحرير كما حدث فى 25 يناير2011!.. وهناك تجمع المتظاهرون، وكان معظمهم من طلبة الجامعات.. والشيىء الغريب أننا لم نكن ضد عبد الناصر!.. وتحرك النظام وجاء د. كمال ابو الخير، وفاوض اتحاد طلاب الجامعات، وقال جئت لأسمع. وبسرعة أمر عبد الناصر "هيكل" أن يكون للطلاب جريدة تقول مايردون حتى تسمعها الحكومة.. وفى جريدة الطلاب تعلمت الصحافة من الخبر للريبورتاج .. وكيف تجرى حوارًا.. حتى ماكيت المجلة تعلمته من الأستاذ "سليمة" الرسام التشكيلى الكبير.

- كيف ظهرت جريدة الطلاب؟! 

   أتذكر أول مظاهرة طلابية ضد عبد الناصر، حين خرج الطلبة ضد أحكام الطيران الهذيلة بعد النكسة سنة 1968، فى هذه المظاهرات وعند بلوغها مبني المجمع فى "التحرير" لم يكن مع قوات الأمن إلا الهراوات وكان الضباط يركبون الخيل وشعر النظام بالخوف، لم يكن  في مصر وقتها أحزاب وإنما حزب واحد لتحالف قوى الشعب، كانت الفلسفة التي روج لها محمد حسنين هيكل وقتها: "أن الذى يحمى الديمقراطية هو أن يصل للسلطة وطنيون حقيقيون، لا أن نخلق تعدد فى المنابر داخل الحزب الواحد أو أن نسمح بالأحزاب). 

فالحزب في حقيقته كما قالوا لنا: (طليعة سياسية لطبقة اقتصادية أو اجتماعية ولايمكن أن يكون شيئًا آخر) وبالتالى فالحزب الواحد تأمين للصراع الطبقي فلا تتفاوت الفوارق لدرجة القطيعة، فلا يجتمع على الهدف الواحد إلا أصحاب المصلحة الواحدة. وقتها شرعية المعارضة كانت غائبة، وأمر بعدها ناصر بأن يكون للطلبة جريدة "جريدة الطلاب"  تعبر عنهم ووعد أن يعى الانتباه لها.

يقول: خلال المرحلة الثانوية ومن الطقس الذى خرج فيه بخار كَبتى.. حلمت وقررت أن أدخل "كلية الأدب – قسم صحافة"  ولكن من يقاوم سطوة العائلة؟.. ظهرت نتيجة الثانوية العامة، وفجعت أمى 70%: (لم أحسن التربية؟ أين تفوقك السابق؟! أين ذهبت الـ 90% فى الابتدائية و الـ 93 % في الإعدادية؟!.. أفسدك الجورنارجيه).. ورفضت توزيع شربات النجاح .. ولبست الأسود، وقالت كلمة لم يتوقعها منها أحد: (ابنى لا يكون غير طبيب أو مهندس أو ضابط).. وانتقلت لبيت خالى، وكان ــ رحمه الله فى مكان والدي الذي توفاه الله في طفولتى، وقال خالي لي: (إن كنت موهوبًا ستبقى موهبتك تدفعك في أى وظيفة كنت)، وحدثنى عن مصطفى محمود ويوسف أدريس كيف عملا بالطب ولكن لا أحد يقاوم موهبته، واستسلمت لحب وعناد أمى، وذكاء وحكمة خالي.. وهى على كل حال أقدارنا.. وتدربت فى جمانيزم، فلم يكن متاحًا طبقا لمجموع 70% من آمال أمى إلا أن اكون ضابطًا.. رغم إنى أخذت الثانوية العامة عام 1972. فأزمة مجموع الثانوية العامة- قديمة وحالة فى كل بيت؟ 

- سبحان الله، فاز الأديب أشرف توفيق ثلاث مرات بجوائز صحفية في مسابقة يوسف السباعي  الأدبية، فعن أي مقالاتك كانت؟

   جائزة  يوسف السباعي أدبية وليست صحفية، وتعطى للمقالات النقدية عن الروايات فى الأساس. ولكن بدايتى معها جاءت صحفية محضة، فقد كتبت في الملحق الأدبى للأنباء الكويتية مقالًا عن: "يوسف أدريس .. المشاغب العاشق"، ذلك أني زرت الرجل في مكتبه وأجريت معه حوارًا.. فبهرنى.. كانت عيناه بها لمعة تسلمك لحضرته، قلت له: (أن يوسف أدريس على عكس النبى زكريا دعا ربه أن يذره فردًا، فجاء مختلفًا له تركيبة خاصة، كان يرى أن من حق الكاتب أن تكون له حرية مطلقة ضد أى طابو مقدس، حتى لوكان هذا المقدس قوانين الإبداع نفسها). وعشت معه من خلال كتاباته بحثًا عن نظريته في الحرية المطلقة للأديب . واطلعت على أكثر من حوار معه، أذكر منها حوارًا امتد ثلاث حلقات بمجلة صباح الخير مع رشاد كامل، قال فيه إنه ليس من أنصار أن يهدى الكاتب شيئا مما يكتبه لزوجته وهو لم يفعل، وأنه يرسل زوجته إلى أمها كثيرًا بسبب الكتابة؟ فهو لا يعرف أن يكتب واحدًا بالمنزل، فالكتابة عنده عورة لا يطلع عليها أحدًا حتى يتم النشر، كما لم يكن يؤمن بنظرية موت المؤلف.. أويقول بما قال نجيب محفوظ: (الرواية إذا خرجت للمسرح والسينما صارت ملك لفنون أخرى فليس لى الولاية إلا على النص الروائي فقط). وانما هو يرى أنه الرب لكل عمل وضع تحته اسمه!.. ولذا لم يعتبر السينما عالم منفصل عنه.. فالنص هو كل الفنون.. ولذا أصر على اختيار "فاتن حمامة" للحرام وتدخل فى السيناريو ليكون التطبيق لروايته.. وكرر ذلك باصراره على "نادية لطفى" في قاع المدينة ولم يترك للمخرج أن يسمى فيلمه بغير اسم روايته.

   لم يكن هذا فقط بل هو كثير المعارك تارة ضد وزير الثقافة، وتارة مع توفيق الحكيم ضد الشعراوي، كان يفهم الدين بغرابة ثوري، يراه مع الحرية إذ سمح للحرية الإنسانية أن يكون لها حق الزواج والتعدد والطلاق، فهذا خير من ضياع العمر بلا حب حقيقي. ولكنه لايريد للدين أن يغيب عقله. ولذا قال للشعراوى: (ياشيخ عقلى يفتح الديوان). وذلك إثر حديث للشعراوى قال فيه: (العقل كالمطية يوصلك للسلطان ولكن لا يدخل بك عليه).. وغيرها وغيرها كقيامه بلا تكليف وبمبادرة منه بعمل مصالحة للعلاقات المصرية الليبية فى وقت كانت فيها متعثرة، وعرض النتائج فيما بعد على رئاسة الدولة!.. فيوسف أدريس له خلفية سياسية منذ أن كان عضوًا بارزًا في الحزب الشيوعي (حدتو).. المهم  طورت مقالتي بالحديث عن رائعته "بيت من لحم" وربطت بينه وبين مجموعتة القصصية: "أنا سلطان قانون الوجود".. فكان الموعد الأول مع جائزة السباع... فى المرة الثانية فهمت ولم انحرف عن قواعد الجائزة وكان المقال عن "رواية نجيب محفوظ - أولاد حارتنا".. أما الأخيرة فكانت عن توفيق الحكيم "من عبثية المسرح لرسالة إلى الله" وكان الحكيم فى آخر أيامه كتب عدة مقالات بعنوان:" حديث مع الله".. وعاتبه عليها أشد العتاب الشيخ الشعراوي لغويًا ودينيًا وقال له: (كليم الله موسى لا تشطط) وشط الحكيم فى وجهه وتبع يوسف أدريس.. وعاد الحكيم وغيرعنوان مقاله الأخير ليصبح: "حديث إلى الله"، ولكن لم ينتهِ أدريس من شططه حتى مماته، رحم الله الجميع.

- ضمت الصحافة المصرية منذ نشأتها أعلام وأقلام ومدارس صحفية رائدة.. أيهم اتخذته رائدًا لك، وإلى أي مدرسة تنتمي؟

   تسنكحتُ  كثيرًا في بلاط صاحبة الجلالة الصحافة.. وكنت في شارع الصحافة حجر دائر لا ينبت عليه عشب.. أنا صحفي من بيوتهم غير منتمى لمؤسسة أو جرنان.. فصعب القول بأني ماكتبت ينتمى لمدرسة  صحفية ولكن لو جمعت أوراقي من الصحف وكتبي غير القانونية لأمكنك القول.. بأنها تننمى لمدرسة أخبار اليوم، وأعلامها المشاهير: محمد التابعى ومصطفى أمين وأنيس منصور.
     
   أما عن علاقتى بالراحل أنيس منصور فهي علاقة روحية.. وجدت كتبه بمنزلنا وحين بدأ الشغف بقراءة جورنال الصباح وتفليْته في المرحلة الثانوية، كان الأخبار، وشغفت بعمود أنيس منصور اليومي "مواقف"، ثم أدمنت مقاله كل يوم سبت فى العدد الأسبوعى من"أخبار اليوم".. وامتدت متابعته في الإذاعة فقد كان له عدة برامج أتذكر منها الآن: "شيء من الفكر"، وبرنامج عن حياته مع الكتب اسمه: "حياتي مع القلم .. حياتى مع الألم"وعشقت صوته ونطقه، وقابلته ــ رحمه الله ــ ثلاث مرات أجريت فيها حوارات معه ونشرتها فى: [جريدة الطلاب ــ الأنباء الكويتية ــ القبس]، وقد أهدانى ثلاث كتب:[الخبز والقبلات – قالوا - وكانت الصحة هى الثمن]، وعرفت أن احساسى بصوته الحلو حقيقة وأنه وصل لحد الذهاب لعبد الوهاب ليكون مطرب وفي كتبه حكايات مطولة عن ذلك يحكيها أكثر من مرة.. وبسبب تعلقه بالغناء درس أشياء كثيرة عن الصوت وكانت له تعليقات عن الأصوات كصوت أم كلثوم وعبد الحليم وكانت تفخر "فايزة أحمد" بأن أنيس منصور وصفها بأفضل صوت معاصر..

- ويأتى السؤال: هل تاثرت به؟

أقول من عمل بالصحافة في زمني خلال السبعينات والثمانينات ولم يستفد من أنيس منصور فليرفع يده؟ لا أحد.. وأنا لم استفد فقط ولكن الرجل تغلغل داخلي ويبدو أن هذا قد طفح على كل كتبي فيما بعد؛ فكتبه مرجع أساسى لى.. وقد وثق ذلك "حنفى المحلاوى" فى مقالة وطلع تعبير "الابن الروحى لأنيس منصور"..

- كنت ضابطًا مرموقًا فهل سعيك للكتابة في الصحف كان للشهرة أو للكسب المادي أو تأكيدًا لموهبتك في كتابة المقال؟

 هذا السؤال غريب بعد كل ماصرحت به فيما سبق. فلاسعيت للشهرة ولا اشتهرت ومدرسة البوليس تكسبك شهرة أكثر من الصحافة. 

   ضابط المباحث فى منطقته أشهر من محمد حسنين هيكل.وقلت لك كتبت فى الصحافة متخفيًا بكل مهارات كلمبو.. فلا كاب ولانجوم.. وإنما بالجلباب، اختصرت الاسم ونسيت البوليس وتقمصت دور الصحفى.. وكنت حجرًا لا ينبت عليه عشب. لو حصلت على كسب وتلبست به أُفصَل من البوليس. وإنما الكتابة مرض مزمن ، إدمان! وكانت الصحافة كلها تغرينى، فلم أكتب المقال فقط، حاورت أديبات مصر معظمهن ونجيب محفوظ وأدريس وصنع الله إبراهيم. وكتبت التحقيق، حتى العمود الصحفي كان لي منه نصيب.

- هل حدث يومًا تعارض بين عملك بالشرطة وكتابتك في الصحف؟

   كتبتُ فى مجلة "الشرطة" وهى مجلة صحفية وليست أمنية، وكانت تصدر عن العلاقات العامة لوزارة الداخلية وجمعتْ بين ضباط ومدنيين، ومن هؤلاء المدنيين أسماء كبيرة كجمال الغيطانى مثلًا.. ولم اشعر بتعارض بل بتشجيع فهي ليست مجلة سياسية.. وكتب معى فيها نابغة فى الكتابة الساخرة وهو الضابط (حسام حازم) وكان يوقع "ح.ح" وفيما بعد احترف المسرح الكوميدى وله مسرحية شهيرة "ربع دسته اشرار" قامت ببطولتها الفنانة شريهان.. ورغم ذلك تسكعت بحذر في شارع الصحافة أسلم أوراقى وأنصرف، وعند بدايات نشر الاسم اخترت اسم مختصر لاسمى الذى يعرفنى به الضباط فبدلًا من أشرف مصطفى توفيق نشرت باسم "أشرف توفيق" فلم تكن لى صداقة ولا شلة صحفية، فمثلًا نشرت في روز اليوسف عشرة مواضيع وقصة قصيرة ولم يكن يعرف سري غير الصحفي "نبيل عمر" وهو صديق طفولة من "شبرا".. ولعدة سنوات ارتبطتُ بمكتب الأنباء الكويتية ولم يعرف أحد أني ضابط سوى "حسن عامر" وجعل العلاقة به مباشرة.. ودخلت مجلة سيداتي سادتي وخرجت ورئيسة التحرير"هالة سرحان" تعتقد أني صحفى لهلوبه بيلَّقط لقمته. ونفس الحال في مجلة (عيون) التى أسستها عائشة أبو النور.. ولكن نشأت صداقة كبيرة بيني وبين الصحفي "حنفى المحلاوي" من وقت أن كان يعمل في صفحة الأدب بالأخبار وكان من الطبيعي أن أرسل له كتبي كصديق مقرب وبحسن نية وشهامة عرض كتابي "اشهر قصص الغرام".. وقال عن الكتاب: (كأنه يقرأ أنيس منصور).. وعقد مقارنة بيننا وقال عني أنني  تلميذه.. ثم فجأة أفشى السر: (أنه ويا للعجب العقيد شرطة فلان الفلان)!.. فانتبهوا.. وكان وزير الداخلية وقتها اللواء زكي بدر.. وحولت للتحقيق بمعرفة التفتيش.. ووقع التعارض.. فمن هذا الضابط بتاع الحب والغرام؟!.. إنه سيغيْر الصورة الذهنية للضباط عند العامة؟! قلت للواء الذي أجرى الاستجواب معي: (الصورة الذهنية عننا "لو كان صباعك عسكرى أقطعه!").. وتدخل اللواء فاروق الحينى وهو رجل خلوق .. وشنه ورنه؛ إذ عُيْنَ وقتها بقرار رئاسي مع اللواء عبد الكريم درويش ليكونا وكيلين لوزير الداخلية زكي بدر فى سابقة تاريخية بالوزارة، وكنتُ قد عملت معه "بحث شُرَطي" بكلية الدراسات العليا للشرطة مع ضابطين آخرين "عن المخدرات" ومن الوهلة الأولى أصبح البحث مرجع عربي لقضية المخدرات، وحصل على المركز الأول كأفضل بحث جماعي، واقتربنا منه أو سمح هو بهذا الاقتراب، وانتهى التحقيق بجرم لا إنفلات منه.. الكتابة والنشر بدون إذن من الوزارة.. وكان العقاب شديدًا بالنسبة لضابط برتبة ضابط عظيم "الإنذار" الذي تبعه النقل "لقنا" فى أول حركة تنقلات، وهكذا نزلت من قطار الصحافة وركبت قطار الصعيد.. وودعت هوايَّ ونسيتُ الصحف والمجلات.. وقلت: (باى باى صحافة منذ عام 1988).. ولكن ياجبل ماتهدك ريح.. قدامك أهه لسه أنا بكتب... وأه ياليل..!

- بعد أن استقر كاتبنا الكبير في "قنا" هل لعن القلم وقصفه، بعد أن لام نفسه،وبعد أن أثر بالسلب على أسرته،هل كرهت الزوجة "القلم" وتوجه إليه الإنذار الثاني بالإقلاع نهائيًا من مطار الإبداع..عن هذه الفترة أتحدث وليس الآن؟ 

  واحدة من أهم الإشكاليات التي تستدعي تفكيرًا في الكتابة هي تلك الحدود القائمة بين الحقيقي والمتخيل, فمما لا شك فيه أن الكتابة عن الذات تتطلب بالضرورة كتابة عن الآخر. والحال كما يقول أندريه موروا في كتابه "فن التراجم والسيرة الذاتية": (أننا إذا قررنا أن نقول كل شيء عن حياتنا، فنحن لا نملك الحق في أن نقرر أن نقول كل شيء عن حياة الآخرين). بل إن إحساسًا بالمسئولية قد يفرض نفسه من حيث وجوب حماية أولئك الذين رافقونا، أو ارتبطوا ارتباطًا مباشرًا بالأحداث من خلال صلتهم بنا. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الأديب يعطي لقارئه ما يظن أنه النصيب الحقيقي له فتكون العملية الانتقائية محكومة في كثير من الأحيان برغبة في الصون من الابتذال، ففتح خزانة الحياة كلها وفقًا لتعبير فدوى طوقان: (نبش الخصوصيات ليس بالأ مر الهين). 

- وأنا أحترم رأيك، ورأيك يلتقي مع المفكر الكبير دكتور محمد حسن كامل وأنا مازلت أجري معه حوارًا مطولاً، وقال نفس عبارتك: "أنا أعطي للقاريء ما يهمه".. ونعود لحوارنا: ما أشهر مقالاتك التي سلطت الأضواء عليك، وأشهر النوادر التي قابلتها في حياتك الصحفية أو سمعتها، أو نقلت إليك؟

   إلا الأضواء فشعاع من نور بطارية حنفى المحلاوى ألقى بى للصعيد. ولكن فى سنة 1972 كتبت نوال السعداوى كتابًا قلب الدنيا "المرأة والجنس" وهو لايزال شهيرًا، وبعد قراءته طلبت من الأستاذ سليمة *)  أن احاور الدكتورة.. ونشر الحوار فى صفحتىّ الوسط بالطلاب، بصورة لى معها ورسم له سليمة تألقاته، وكنت وقتها فى نهاية المرحلة الثانوية، وكتبت عنى وعن الحوار د.نوال فى مجلة  "الصحة" وجاء مالم نكن نعرفه من وزارة الصحة.. نوال السعداوى مستبعدة من الوزارة وماجاء فى كتابها ليس علميًا. ومجلة الصحة ليست تابعة للوزارة؟! وشرف المجلة وزيرالصحة "محفوظ" ونشرت ندوته فى ثلاث صفحات ..

  وخرجت من الطلاب غير محزون على.. ولكن استمر مابينى وبين د. نوال، شربت قهوتها ودخلت بيتها وكل كتبها باهداء منها بمكتبتى.

وبعد سنين صار سليمة نائب رئيس التحرير لمجلة الشباب التى تصدر من الأهرام وسمعت صوته على التليفون: (حضرة الضابط أنامستنى شغلك بتاع الطلاب.. ولو تبعته مع المراسلة).. ولم أرسل شيئًا. ضقت بأن اعامل كضابط فى بلاط صاحبة الجلالة

ـــــــــــــــــ
 الراحل الأستاذ محمد سليمة من خريجي كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية‏، ولأنه كان من شباب الحركة الطلابية في مصر فقد أصبح مسئولًا عن مجلة الطلاب التي يصدرها اتحاد طلاب الجمهورية في سبعينيات القرن العشرين,‏ وهي الفترة التي يتحدث عنها الروائي أشرف توفيق، وكان رسامًا وناقدًا فنيًا رائعًا، ولهذا أختاره عبدالرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس لرسم لوحات رواياتهم بالأهرام.  ‏




كلمة ثانية:

مثلما درس الراحل جابريل جارثيا ماركيز القانون درس الروائي أشرف توفيق القانون، كما تمثل ماركيز وتمسك بشدة بمقولته: (أن قانون الرواية يخترق كل القوانين)،  ورأى أن من حقه أن يجمع بين الواقع والمتخيل، وأن يستخدم التناص، ويستدعي الهوامش كما فعل في روايته "مملكة الجنة" وسبقه إلى هذا جورجي زيدان في رواياته، وعبد الله العروي في روايته "أوراق"، وإميل حبيبي في روايته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل"، وصنع الله إبراهيم في "نجمة أغسطس" التي جهر فيها بالمراجع التي اعتمدها في استجماع مواد التخييل؛ وغالب هلسا في روايته "سلطانة"؛ فالهوامش تعد ــ كما يقول الدكتور جميل حمداوي ــ من تجليات الخطاب الروائي العربي الجديد على الرغم من وجودها في بعض النصوص الروائية الكلاسيكية. ويهدف خطاب الهوامش باعتباره مظهرًا للتجريب والحداثة إلى خلق نص مجاور يتفاعل مع المتن النصي حوارًا وتناصًا وتخييلًا وتجسيدًا للمعرفة الخلفية التي انطلق منها الكاتب لإشراك القاريء في تفكيك النص وتركيبه من خلال فهم شفرة النص الثقافية والمرجعية والفنية. كما يهدف هذا النص الموازي إلى خلخلة الذوق السائد لدى المتلقي وتخييب أفق انتظاره بأنه أمام نص حداثي يتطلب منه المساهمة في خلق النص وإعادة إنتاجه من جديد.

إن أشبه الروائيين بالروائي أشرف توفيق الروائي البريطاني لورانس داريل من حيث التنوع في تناول الأجناس الأدبية وغيرها؛ إذ كتب الرواية وانتقل إلى الشعر، وتركه ليكتب في أدب الرحلات، ثم دخل دهاليز المسرح وألف عدة مسرحيات، وكتب كتابين سخر فيهما من رجال السلك الدبلوماسي، ثم دخل ميدان النقد الأدبي، ثم عاد ثانيةً إلى الرواية ليخرج لنا رائعته: "رباعية الأسكندرية" والتي ننتظر أن يفرغ الروائي أشرف توفيق طاقته من أجل عملٍ كهذا دون أن يشتتها في كتابات متفرقة من أجل خلق نوع من الانتشار تجاوزه بما يبدع.

وإذا كان المبدع وإبداعه ــ بحسب من يرى هذا ــ لا ينفصلان، فقد كان هذا العرض الذي أقدم فيه الكاتب والأديب أشرف مصطفى توفيق إلى نقاده وقراءه، من أجل خلق حالة من التواصل بين كل ما يحمل الرجل من فكر وخلفية ثقافية متنوعة لابد أن تترك أثرها في كتابته وبين ثقافة القاريء/ المتلقي، والناقد الواعي غير التقليدي، بحيث لا يصبح العمل "المنقود" أو محل النقد هو نقطة البداية بل قبله بأمتار يجتر ذلك التاريخ وحينها سيكون مجال الرؤية أوسع وأعمق في دراسته وتحليله له ولما أبدع، خاصة ونحن لا نتعامل ــ في حالتنا هذه ومثيلاتها ــ مع روائي فقط كل همه من الإبداع إنتاج جنس أدبي واحد، وإنما أمام كاتب يحمل ثقافة متنوعة يتعانق فيها التخصص بالهواية والاحتراف، مما يحتاج أن يبذل في نقده مجهود خاص، وما أقوله ليس بدعًا من القول فقد تفرد الدكتور محمد حسن عبدالله أستاذ النقد الأدبي بجامعة القاهرة بمنهج نقدي جديد أسماه: "النقد الحضاري" يؤمن فيه بأن العمل الإبداعي هو ابن حضارته ويعكس خصوصياتها، وبالتالي فالعمل الإبداعي يتمتع بخصوصيته التجريبية وأهدافه التي تحاول صياغته في التجربة للوصول إليها، ومن ثم تأتي الجماليات الخاصة التي ينفرد بها العمل.

المشكلة التي تقابل قاريء الكاتب والروائي أشرف توفيق هي التغييرات التي تصيب عناوين بعض كتبه ورواياته، فرواية "حبات رمان" تصدر بعنوان"غزوة وداد قرني" والأول كان الأفضل ولو تشابه مع غيره، الرواياتي" صارت "الطريقة الفرنسية"، "قبلات وآهات" صار "فضائح المشاهير"،وأصبحت قصته أوروايته القصيرة "بقايا البن الراسب بالفنجان" إلى"بقايا زبيدة الراسب في الفنجان" بناءً على نصيحة من صديقه القاص الأردني صبحي فحماوي الذي قدم العمل، ليحيلها أشرف توفيق إلى رواية طويلة بعنوان: "مملكة الجنة"، ولهذا أتمنى أن يخلي الدرب مفتوحًا بلا عوائق بينه وبين القاريء..




ضابط يستجوب رواية


- الكاتب والروائي أشرف توفيق غير ما حصلت عليه من جوائز مثل "جائزة سعاد الصباح و "شهادة تقدير" من حزب الوفد، وجائزة السباعي، هل نالك أي تكريم من أي جهة مصرية أو عربية على سعة ما كتبت؟

كتبت17 كتابا منها 10كتب بعيدة عن الكتابات الأدبية الإنسانية، وتخصصتُ بالأعم في القانون.و كنت بعيدًا بحكم التكوين عن أجواء الثقافة والمثقفين، وبطبيعة أنني لا أنتمي لمؤسسة صحفية أو ثقافية أو حزب، لم أتوقع الجوائز وكان النشر نهاية المطاف في رغباتى - المبتغى من رب العباد- وقد تقدمت لفرع البحوث في جائزة سعاد الصباح بسبب الدكتور سليمان الطماوي الذى كان مشرفًا على بحثي والذي كان يحذرني من الكتابة الصحفية، ويحاول وضعي على طريق الكتابة الأكاديمية المحايدة..فجمعتُ مالا يحبه أستاذي الفاضل ودخلت به المسابقة..

أما شهادة تقدير حزب الوفد فجأت من مركز أبحاث الوفد الذي كان يجمع أفضل كتب ودراسات عن الزعيم سعد زغلول وثورة1919..فوجدت في كتابي "حريم فى حياة الزعيم سعد زغلول- الثورة التي أيدها الحرملك" مايستحق التقدير..وبنفس الطريقة حصلت على شهادة تقدير أخرى من "الجمعية المصرية لتوعية الأسرة للوقاية من الإدمان" والمعروفة بـ (برايد- مصر) عن كتاب في المخدرات عنوانه:"بنات الأصول والمخدرات"..وكان ذلك في التسعينات، حيث دعيت للمؤتمر الثالث للجمعية، ولكن أعطيت لى الشهادة بصفتي الشرطية وسلمها لي  الدكتور جمال ماضي أبو العزايم.

- إذا أردت أن تقدم نفسك للقاريء المصري والعربي من خلال سيرتك المهنية والعلمية والأدبية فماذا تقول؟

 أنا انتمى لفصائل نباتات الظل الإنسانى ..لا أحب الوهج ولست من فصيلة نباتات عباد الشمس الإنسانية..لنكتفي بابتسامة ..فهى مقادير وكلٌ ميسر لما خلق له..

- كتبت كتبًا في القانون، ودراسات تاريخية وغيرها، ماذا كان دافعك لأن تحط رحالك عند الرواية دون غيرها من الأجناس الأدبية؟

  تسنكحتُ كثيرًا في بلاط صاحبة الجلالة الصحافة..حجر دائر لا ينبت عليه عشب ومنها قفزت لدنيا الكتاب..فبعد الكتابة بالقطعة أحيانًا وبدون مقابل معظم الوقت.وفي فترة استقرار بجريدة الأنباء الكويتية تقابلت مع صاحب مكتبة الأمين"رحمه الله" الذى وجهني لعمل كتابى الأول من تجميع حوارات مع الأديبات كنت قد نشرته بالأنباء والوطن، وأعجبته فوضعت له دراسة عن الأدب النسائي وأصدرته دار الأمين بعنوان:"اعترافات نساء أديبات" ليصبح الكتاب الأن مرجع في الكتابات النسائية..وكان من ضمن من حاورتهن بالكتاب دكتورة نوال السعداوي التي وجهتني لكتابة الرواية.. ولم أنتبه للنصيحة إلا بعد أكثر من 15 سنة حيث ألحت عليَّ رواية مملكة الجنة..وكأن الرواية تكتب نفسها فكتبتها في2010 وبعدها صرت لا أصلح إلا للرواية دون باقي أجناس الكتابة.. نادتني نداهة هذا النوع من السرد ولا زلت مسحورًا بعبق الرواية.

- في سؤال يأتي نمطيًا ولكنه ضروريًا: من المؤكد أنكم من جيل له أساتذة.. من مِن السابقين استهواك فيما أبدع؟ وبمن تأثرت عند كتابتك للرواية من الشرق والغرب؟

ــ تستهوينى الرواية النسائية كثيرًا من غادة السمان وأحلام مستغانمي حتى أصغر كاتبة..وتعلمت من روايات صنع الله ابراهيم أنه ملك كتابة التفاصيل..وتعجبني مواضيع روايات "زيدان" وطريقة كتابته..وأرجع كثيرًا إلى "اللص والكلاب" و "السراب" لنجيب محفوظ..أما الغرب فقد فرض"خوانتسيليو" الكاتب الأسباني نفسه عليّ منذ وقعت روايته المترجمة إلى العربية "أسابيع الحديقة" في يدى، فهو يخلط الواقع بالمتخيل..ويكتب كأنه يحرر جريدة؟!

- ما هو المنهج أو المذهب الذي تبنيته حين أردت أن تكون روائيًا؟ وذلك انطلاقًا من أن الرواية تحتاج إلى بناء فكري ومنهجي في الأساس، وما هو جديدك الذي تفخر بأنك أضفته إلى حقل الرواية العربية والمصرية خاصةً؟

ــ كل ما أستطيع قوله أني أكتب رواية ليست للتسلية وإنما للتفكير..أحب أن يكون للرواية صدى تعليمي كالكتاب..فهناك علوم جديدة ظهرت كالتنمية البشرية، ولغة الجسد وعلم النفس الجنائي مثلاً مجالها التطبيقي هو الرواية، ثم اهمنى أن ابحث فيما يكتبه التاريخ كهوامش ،فانقله للمتون. وقد لمستْ ذلك دكتورة أحلام المعمري في نقدها لروايتي "الرواياتى" فقالت يقدم لنا الكاتب الدليل العملي على نظرية (هيمنة الرواية)؟! باعتبار ان الرواية الوحش الجميل التى اجتاحت الأجناس السردية واستحوذت عليها بما لها فى جوهرها من روح هيمنه وتسلط مكنتها ان تذيب كل الإبداع السردي في أهابها، إن المؤلف لسابق تجاربه مع الصحافة يخرج لنا شكل روائي جديد له مذاقه الخاص هو (الرواية - الكتاب) أو (الكتاب - الرواية) ؟!

صارت الرواية اليوم هي ديوان العرب وتكالب عليهل بل تجرأ عدد غير قليل ممن لا يتقنونها..فهل تبوأ أشرف توفيق مكانه اللائق كروائي على خارطة الرواية المعاصرة؟

لا زلت أحبو..مستمتعًا بالكتابة الروائية لتكون هدفًا في ذاتها..

- على تنوع إنتاجكم الروائي وتميزه..لما لم يتحول أي عمل من أعمالكم الروائية أو غيرها إلى فيلم أو مسلسل إذاعي أو تليفزيوني؟

 فى سنة 2002 أغرانى السيناريست محمد على فهمي بتحويل كتاب (حريم فى حياة الزعيم سعد زغلول- الثورة التي أيدها الحرملك) لمسلسل تلفزيوني، ووجدتها فرصة لتعلم السيناريو، وفرغنا من الكتاب كل مايخص علاقة سعد زغلول بهدى شعراوى واستعنا بمراجع أخرى أهمها مذكرات هدى شعراوى نفسها..وتقدمنا بخمس حلقات لقطاع الإنتاج بالتليفزيون. ولكنهم طلبوا نصف حلقات المسلسل فقدمنا بعد سهر وعمل 17 حلقة من (خمس نسخ) ولكن كان قرار لجنة النصوص الرفض من الأستاذ عبد المحسن حسين والسيدة بهية عمر، وقالا في تسبيب الرفض: (اعتمادنا نصوص غير محققة عن حياتها الخاصة وأمها ..مما يحط من كرامة المرأة وتناول حياتها الخاصة مع محمد الشعراوي زوجها وكيف تركها معلق سبع سنوات، لعقد زواج نص فيه على عدم رجوعه لزوجته الأولى بعد طلاقها وزواجه من هدى هانم..وقد أخل الشعراوي بنصوص العقد ورجع لزوجته الأولى بل أجب منها ولدًا)، وتظلمنا وذهبنا بالتاريخ والنصوص،وقالوا سيتم البحث..وبعد أسبوع قالوا: (آسفين معلوماتكم سليمة بس لاتصلح للعرض)..واتفقنا على التغيير والتبديل رغم أن المسلسل تاريخي..وفجأة قال قسم الفيديو والتنفيذ بعد الاتصال بالمدينة الإعلامية: (هناك مسلسل عن هدى شعراوي لكاتب كبير حجزه خلاص ولم يكن الكاتب الكبير كتب شييء بعد سوى مختصر بالموضوع فى خمس صفحات..والباقي معروف عن مسلسل هدى شعراوي التليفزيونى؟!

- لماذا تعمد إلى تغيير عناوين بعض كتبك ورواياتك، مثل: رواية "حبات رمان" التي أصدرتها بعنوان "غزوة وداد قرني"، و"الرواياتي" غيرتها لتكون "الطريقة الفرنسية"، وغيرت عنوان "قبلات وآهات" فصارت "فضائح المشاهير"، وأصبحت قصتك "بقايا البن الراسب بالفنجان" "بقايا زبيدة الراسب في الفنجان" ثم حولتها إلى رواية طويلة بعنوان "مملكة الجنة" ألا تشوش بهذا على قارئك؟

  قيل لنجيب محفوظ لماذا لاتكتب عن القرية..ولماذا تكتب فقط عن القاهرة والأسكندرية إنك تكرر نفسك؟! فقال: نحن نكتب عما نعرف ونرى ونعيش وأنا ابن المدينة فإذا كتبت عن الريف سيكون خيالي فى الخضرة والفطير المشلتت..أما عن التكرار فكل كاتب يعيش على فكرة أو فكرتين ويغير فى الشكل..كل منا له قضية .فلا شيىء يشبه شيىء فى الشكل..أما القضية أوالفكرة فتتكرر.

وقد نشر نجيب محفوظ روايته "الحب عند هضبة الأهرام" في الأهرام مسلسلة في وقت هيكل وعند نشرها في مطبعة مصر أدخل عليها تعديلات كثيرة..وقال النقد وقتها النص نصه  لم يسرق من أحد لم يعتد على نصوص الآخرين وكما يغير الكاتب في كتابه بإضافة فصل، فيمكن عمل نفس الأمر في الرواية..هذا هو جوهر الحق الأدبي. وقد ظهر تعبير أخذ كثيرا من الدراسات النقدية هو (التناص) ويقصد بالتناص: التفاعل الحاصل بين النص المكتوب ومختلف النصوص أو اشلاء النصوص سابقه أومعاصره،أوقابعه فى الوعى أو الاوعى،الفردى أو الجماعى  وعلى كل حال لم يخلو ادب كاتب بدأ صحفيا من التناص. وهى قولة ل "ماركيز"؟!

وهذا ماحدث بالكربون في "غزوة وداد قرنى"؛ فقد نشرت مسلسلة في جريدة اليكترونية على حلقات،كل حلقة باسم..فجمعها الرائع أحمد طوسون في سلة واحدة بمدونته وأعطاها كلها اسم الحلقة الأخيرة:"حبات رمان"..أنا الكاتب صاحب الحق الأدبى حين نشرتها كاملة كرواية فى حروف منثورة أعطيتها اسمها الحقيقي. وهي في كل الأحوال تقرأ مجانًا والرواية طبعة واحدة اليكترونية ولم تطبع ورقيًا. فالمغامرة لم تضر القارىء

    اما عن الرواياتى فليست هى الطريقة الفرنسية..وكل ما في الأمر أن الروايتين في فرنسا.تمامًا كقصص حرافيش نجيب محفوظ ..الفتوة هو الفكرة ويتكرر الشكل ونعاود القراءة صفحة صفحة.فالرواياتى فلسفية الطابع أشبه بالأدب التطبيقي،أو ما يمكن أن نسميه وسائل ايضاح أدبية لحالات بحثية،ولم اكتب على غلافها انها رواية؟ولكن د.احلام معمرى وهى استاذة فى الأدب من جامعة قاصدى بالجزائر..اعطتها وصف رواية.

اما عن:"قبلات وآهات- 157 صفحة" "ومشاهير وفضائح- 190 صفحة" بينهما أكثر من سنة والأول هو المتأخر عن الثاني وليس العكس والكتابين لناشر واحد مكتبة رجب..فهل الناشر يبقى عنده الكتاب ملكه ويشترى نفس الكتاب مرة أخرى؟!.أتمنى ذلك فأكون الكاتب الوحيد اللى ضحك على الناشر"! 

    يمكن أن يكون الكتابين متممتان لبعضهما..ولو نظرت لفهرس كتاب القبلات لوجدت مواضيع عن :الأميرة ديانا- والافندى المسيحى الذى تزوج ابنه فاروق-والصحفى الذى احب منيرة المهدية - وكاميليا وسامية جمال وفاتن حمامة

اما الفضائح فلها طابع عالمى ولو نظرت لفهرس الكتاب لوجدت الكلام عن:نانسى ريجان،والجنس عند كيندى،ونابليون وجوزفين والأصرار على الخيانة المتبادلة_ والاميرة "آن "- ومرجريت سنكلر..وهكذا

تبقى ملحوظتك الأخيرة ذكية ومنطقية للغاية..وإن كانت تمت بغير تكتيك واعٍ منى وإنما بضغط من العقل الباطن..كتبت رواية قصيرة نوفيلا "بقايا البن الراسب بالفنجان"وكتب ناقد صديق واعٍ كما قلت كلمة فى مقدمتها من باب "صديقك من صدقك لا من صدقك"واسماها "بقايا زبيدة الراسب في الفنجان" 

  ما الذي فعله الناقد الواعي.كتب ضد الرواية ملتزما بمهنيته،رغم صدقتنا؟! وقررت نشرماكتبه التزاما بصدقتنا، فالأختلاف لا يفسد للود قضية؟! فهل تحركت لأكتب رواية كاملة "مملكة الجنة" لأغطى على الدفوهات فى "بقايا البن الراسب بالفنجان" او"بقايا زبيدة الراسب في الفنجان" التى شرحها الناقد بطريقة فرش الملايه،فى مشاكسات حريم الاحياء المهمشه؟ 

 أفكر الأن، وأقول يمكن.. النوفيلا موجودة والرواية موجودة ولا انكر التناص بينهما."فالحرف ده حرفى والكلمة دى ليه" فى العملين،كما يقول الشاعر أحمد فؤاد نجم وقد قالها حين ادعى عليه البعض"عادل حمودة" بأنه يعيد كتابة اشعاره القديمة داخل قصائده الجديدة،رافعاً فى وجهه الديوان الأول للشاعر:"عيون الكلام" فقال قصيدة: الخط دا خطى.. فلا الشاعر ولا أنا سرقنا احد ولم نقتبس من احد ، ولكن بعضى يمزق بعضى.فيتناص معه. ولنتذكر تجربة محفوظ السابق ذكرها فى السرد.ومن المناسب الأن أن اقول قولة "نجم":

الخط دا.. خطى
والكلمة دى..ليا
غطى الورق..غطىى
بالدمع ياعنيه
شط الزتون شطى
والأرض عربية 
نسايمها أنفاسى
وترابها من ناسى
وان رحت أنا ناسى
ماحتنسانيش هى



ضابط  في صف المعارضة  


     نحن أمام رجل متعدد المناصب ومتعدد المواهب، منضبط ومتمرد في آن، مهمته تنفيذ الأوامر، وكينونته المعارضة، محب للعلم وللأدب والدين والصحافة ولعمله الشُرطي ولكن بشروطه، يسعى لإقامة العدل، ويكره الظلم ولكن دون الجهر بهذا، لم يتنازل عن موهبة أحبها ولو تحت ضغط الظرف المهني والأسري، مارس الصحافة وفن الحوار، واقتحم عالم الرواية بجرأة شديدة في تناول قضايا معقدة يفر منها غيره ويجابهها بصدرٍ عار، يتميز أسلوبه بالرشاقة، وجزالة اللفظ المبثوث بمهارة في ثنايا تعابيره، والفكاهة وخفة الدم التي تزيل فتيل التوتر بينه وبين قارئه، والتنوع المعرفي أفقيًا ورأسيًا من حيث التخصص والهواية، الذي يبدو جليًا في كتاباته المختلفة، إنه الكاتب والباحث والصحفي والمؤرخ والروائي والناقد والضابط والمحامي أشرف مصطفى توفيق، الذي سأحاوره من خلال تناوله لقضية المعارضة كأطروحة لنيل الماجستير، ثم ضخها وبثها في المجتمع من خلال كتاب يحمل نفس الاسم:

   
 الأديب أشرف توفيق قدمت أطروحتك للماجستير عن "المعارضة" وكنت وقتها في الخدمة بصفتكم ضابط شرطة، فما الدافع وراء ذلك؟

  دعنا نطل على أوقات خروج أطروحة "المعارضة " إلى النور فى الثمانينات، وبالضبط ناقشتها في مايو 1988وقد فرض الموضوع نفسه، ما حدث في أسيوط 1981 عندما استطاعت الجماعات الإسلامية المسلحة الاستيلاء على مديرية الأمن والسيطرة علي المدينة، فالجماعات الإسلامية كانت لا تزال متواجدة بكثافة في أسيوط آنذاك. ثم أحداث الأمن المركزي في 25 فبراير 1986 تظاهر عشرات الآلاف من مجندي الأمن المركزي  احتجاجًا علي سوء أوضاعهم وتسرب شائعات عن وجود قرار سري بمد سنوات الخدمة من ثلاث إلى خمس سنوات، هنا تحركت جهات الشرطة البحثية والأكاديمية للبحث والتحليل، لم يعد الأمر سياسي بحت بل أمني اجتماعي، فنحن من يموت ومن يلام؟! 

وتدفقت أبحاث تطورت فيما بعد لرسائل ماجستير ودكتوراه عن الإرهاب من ضباط الشرطة، واشتركت فى بحوث جماعية عن الجريمة السياسية، والمجرم السياسي، ووقتها كانت العيون مفتوحة حتى أننا طالبنا اللواء فاروق الحينى بمنع فيلم "البريء" للفنان أحمد زكى. والهاجس الأمني امتد وقتها فأقدمت المعارضة الحزبية على العناد ضده، وكان اللواء زكي بدر فى بداية توليه وزارة الداخلية، بعد إقالة اللواء أحمد رشدى، ووقع الشقاق وبخاصة مع حزب الوفد وجريدته التي وضعت الزيت على النار "بالعصفورة" إياها.وهنا بزغت عندى دراسة المعارضة "بين الجذور والممارسة والضوابط"،وفى الرسالة قلتُ: (الباحث لايستطيع مهما تجرد أن ينسى أنه أحد رجال الضبط الإدارى "البوليس" وأن يقف مدافعًا عن الذين ينتمى لهم، لأن الواقع الفعلي العملي يختلف عن الواقع السياسى النظري)، لم يكن الأمر يحتاج لبطل.

 بما أنك بحسب وصفكم تنتمى لفصائل نباتات الظل الإنسانى ..لا تحب الوهج ولست من فصيلة نباتات عباد الشمس الإنسانية، فإلى من ينتمي المعارض أشرف توفيق، والمواطن المعارض بعامة؟

  لنقل إني ضد الظلم، ولديَّ حاسة سادسة بالشعور به ولو في قرار عابر بسيط، ولكني أقاوم الظلم بقلبي، والبعض يفسره بأضعف الإيمان في حديث النبى صلى الله عليه وسلم والصوفية يرونه أعلى مراتب الإيمان. وحتى في أطروحتي للماجستير لم امتد بحق المعارضة للفورة أو الثورة أو العنف، فمن يملك الشرعية ليس أمامه سوى معارضة شعبية يقوم بها نواب الشعب في البرلمان، أو معارضة سياسية عن طريق الأحزاب، أو معارضة قانونية بإلزام السلطة بالدستور والقانون عن طريق الرأي العام وجماعات الضغط. على كل حال، تغير الزمن وتداخلت الراديكالية العقائدية، وأفرز"الديلكتيك" بين الأفكار معارضة عنيفة قولًا وفعلا،وأصبح قول "هنرى أبسن" هو الشائع: (إن تغيير بيادق الشطرنج خطة عقيمة! اكتسح الشطرنج أكن معك!)، أى أن المعارضة ليس عليها معونة السلطة ولا مد ال ولا مد اليد لها، هى تنتظر سقوطها لتحل محلها!..وقد رأيت أني حالم أكثر مما ينبغي حين وضعت في رسالتي فصلًا لضوابط المعارضة، بينت فيه ضوابط متعلقة بنقد النظام السياسي الحاكم، وأقول فيه: (إذا كان من مهام المعارضة نقد النظام وإظهار عيوبه رغبة في جذب الرأي العام لصالحها فيجب أن يتناسب ذلك مع الظروف الوطنية والإدراك الحقيقي لإمكانيات الوطن وموارده، لأنها قد تأتي على نفس الموارد ويطلب منها المعجزات) وأن كل حزب عليه الاعتراف بالحجم الطبيعي له دون اللجوء لتحالفات أو ائتلافات تفقده هويته وتفجره من الداخل..وكم قلت: إن المعارضة صراع دون خلاف حول المباديء، سواء كان له أبعاد أيديولوجية، أو يؤدي لانقسام بين صفوف الأمة، وحتى الآن لا أعرف لماذا لا تعتمد الأحزاب عندنا على ميزانيتها الخاصة؟! ونعمل بمقوله د.سعاد الشرقاوي بضم الأحزاب المتجانسة ذات الاتجاه السياسي الواحد والبرنامج المتشابه لبعضها، فيكون لدينا طابعًا حزبيا إلى حد كبير يشبه طابع النظم الحزبية الثنائية، وقد حصرت وقتها في دراستها أربعة اتجاهات لعدد 125 حزب.وقالت ترفع الدولة يدها عن الأحزاب وتحدد لجنة الأحزاب الاتجاهات،فيكون لدينا أحزاب قوية إذا عارضت وإذا حكمت.


 - كتبت أطروحتك عن المعارضة وأنت لا تخفي عدم تجردك بوصفك أحد رجال الضبط الإداري وقتها ولذا فقد اخترت أن تكون مع المعارضة المشروعة، والآن وأنت خارج الخدمة هل غيرت رأيك؟

ـ كأنك تقول أنى كتبت كتابًا أمنيا لاستئناس المعارضة؟! حين بحثت في شرعية المعارضة ووضعت لها ضوابط فى الممارسة، لم أقل قولة "جان بودان" الفرنسىي ..بأن المعارضة عبث يجب الغاؤه طالما جاء الحاكم بإرادة شعبية، ولم اعتنق ما اعتنقه "مكيافيلي" الإيطالي في كتابه "الأمير" من إنكار فكرة معارضة الحاكم والدعوى لوجود حاكم قوي له السيادة والسلطة المطلقة بل هو الذي يضع القوانين، ولا تنسَ أن مشرف الرسالة هو الدكتور سليمان الطماوي، وأن الرسالة طبعتها في كتب طبعتين،وأنها صارت مرجعًا لمن يريد أن يكتب في الموضوع، ومع هذا فلم تعجب الوزارة وكُتِبَ فيها تقرير يقول: (أن بها تعريض بالحكم)، لأنى تحدثت عن قانون الطواريء وقلت: (كيف تحول عندنا القانون العرفي ليكون دائمًا يحكمنا بلا فرق بين ظروف عادية وظروف غير عادية)، واستخدمتُ كلمة "كلسن": (القانون العرفي يعنى عدم وحود قانون)..

ثم تقريرًا آخر عند طبعها كتاب عن العربي للطباعة والنشر، ويبدو أن كاتب التقريرين واحد هذه المرة: "التعريض بوزير الداخلية" فقد قام الناشر إسماعيل عبد الحكم  بالاتفاق مع رسام كاريكاتير لعمل كاريكاتير لكل فصل في الكتاب، ونال زكي بدر منها كاريكاتير مهين، ولأن المصائب لا تأتي فرادى، كان راسم الكاريكاتير هو"صلاح شفيق" رسام جريدة الوفد، وتبين أن الناشر نفسه شيوعي قح وسبق سجنه واعتقاله.وخرجت من العمل بكليه الشرطة للعريش وقد رفقوا بي؛ فقد كنت وقتها برتبة رائد.

بالنسبه لرأيىِ لم يتغير كثيرًا ولكن العلوم السياسية نفسها تغيرت عن 1988وأصبح ما كنا فيه مجرد مدخل للمعارضة، وأعترف بأنني لم أكن أدرك تمامًا التباين بين الشرعية والمشروعية؛ فالمشروعية مرادفة للقانونية الشكلية للحكم، أى التصويت والصندوق والانتخابات، أما الشرعية فهى الجانب السياسي الحقيقي للحكم، لأنها مرتبطة بذات الشعوب "القيم والتوقعات الإجتماعية والآمال" ويرى ماكس ويبر (بدون الشرعية،فأن أي حكم،يصعب عليه أن يملك القدرة على "إدارةالصراع" بالدرجة اللازمة لأي حكم مستقر لفترة طويلة)، فإقناع الشعب بأحقية السلطة وجدارتها هو جوهر الشرعية ومغزاها، لا تُغني عنه كل أشكال السطوة والرهبة، حتى لو أحاطت السلطة نفسها بعشرات الدساتير والقوانين والشرعية بهذا المعنى أوسع من التأييد أو المعارضة.

 دافيد ايترن" فى معنى قوله الشرعية: (قد يقبل المواطن بسلطة الحكم لألف سبب ولكن كمال الشرعية لهذا الحكم هي أن يجد المحكوم أن من المقبول عنده، والمناسب له أن يطيع متطلبات النظام السياسي القائم، إذ يجد أنها تتسق مع قيمه ومبادئه، وأخلاقياته وأمانيه.ليس لمنفعة شخصية مباشرة له ولكن للمصلحة العامة على طول المدى)..فقد يكون هناك من يعارض السلطة ومن يتذمر من بعض قراراتها وهذه أمور طبيعية بل وحتمية. لاتنفى الشرعية، طالما شعر المواطنون أن السلطة فى توجهها العام،سلطة وطنية،منطقية مع التاريخ الوطني، ومخلصة فى المجموع لإرادة الشعب،وللقيم العامة التي تربط أبناء الوطن الواحد. 

 يرى الأكاديمي أشرف توفيق ضرورة وجود المعارضة  المنظمة، ولو حتى بدون هدف الوصول للحكم، بينما الوضع السائد يضيق بتلك المعارضة وأن هذا ليس وقتها، فما رأيكم؟

 تحدثت عن معارضة منظمة بضوابط من حيث التكوين الداخلي، والحجم الطبيعي لكل حزب، والميزانية والأنفاق، والنظام السياسى، ومبادىء وقيم الوطن،والتزام السلوك الحزبي، والتزام حدود الحصانة، ولم أقطع على المعارضة حقها فى الوصول للحكم..ولكنى لستُ مستريحًا لوجود أفراد يدخلون البرلمان مستقليين.ثم بعد ذلك ينضمون لحزب وعادة يكون حزب الأغلبية فى البرلمان، ويبقى السؤال؟.. ولكنني أعتقد أن العمل السياسي عمل لايأتي بالفطرة وحدها ولكنه يحتاج إلى الخبرة والتدريب،بحيث لا يتصور أن نجد رجل دولة قد جاء لنا من مدرسة الحياة.

- أرجو منكم وضع يدنا على تعريف المعارضة غير المشروعة من وجهة نظركم باعتباره تعبير فضفاض يحتمل التأويل؟ 

ــ بما أن المعارضة في جوهرها تنافس بين عدة برامج عمل فإنها لا يمكن أن تكون إلا نسبية منضبطة لعاملي الزمان والمكان، تنافس ليس بين حق وباطل وإنما بين حقين على حد تعبير المفكر ياسين الحاج صالح، فلا يمكن لمعارضة جادة أيا كان انتماؤها اعتبار مخالفيها نقيضا لوجودها وعامل فناء لها  كما لا يمكنها خوض صراع إبادي للآخر المخالف والمنافس لها لأن مفهوم المعارضة يأبى بكل بساطة الانسجام مع الثقافة السياسية المبنية على مبدأ التغيير الفوقي والاستيلاء على السلطة بالقوة أو حتى استعمال الديمقراطية كمطية للاستحواذ على الحكم. فغير مشروع في المعارضة مثلًا أن يكون لها مليشيات مسلحة أو غير مسلحة.

- هل توافق على تصوير جلسات النواب في البرلمان، خاصة أنها تحفز النائب إلى الخروج عن ضوابط المعارضة البرلمانية، وأرجو أن توضح لنا وللنائب هذه الضوابط؟

  أنهم نواب الشعب،لسانه، نحن نريد أن نراهم ونسمعهم،لنجد أنفسنا.. هل تكلموا لنا؟ هل قالوا مطالبنا وما نحس به؟ هل هادنوا؟ سكتوا، وقفوا مثل المسمار؟..وهم لهم كل الحصانة فيما يقولون داخل البرلمان.دعهم يستجوبون ويسألون..ويصرخون.. دعهم يعلقون الفساد من رجليه..دعهم يبعثرون أخطاء الموازنة في وجه الحكومة، دعهم يقولون: لا.. فإذا ما انتهت الجلسة لبسوا الإسموكن وقالوا: سيادة الوزير..جعلوا الاحترام التام للوطن ورموز الوطن..لاضوابط عليهم ولو قالوا للمفسد: أحمد ياعمر..ويبقى نظام الجلسة مسئولية رئيس المجلس رفع اللائحة أو لم يرفعها ،شطب في محضر الجلسة أم لا. هل تريد نواب يبيعون حصانتهم داخل المجلس ويخجلون،وخارج المجلس يتذكرونها أراضٍ وسياراتٍ وسفر..أرونا أنفسكم داخل البرلمان وتحت القبة.



لم يكن قرارًا سهلا ذلك الذي اتخذته في قسمة الحوار إلى مقالين، خاصةً وأنا في حضرة الأديب أشرف توفيق الذي حباه الله لسانًا كقلمه يفيض علمًا ومودة وحبورًا على محدثه، ولكن المساحة محدودة، وإجاباته لا حدود لها؛ فبقدر غزارة ما يملك من معلومات بقدر نهمي وطمعي في طرح الأسئلة سواء التي ضمها كتابه عن المعارضة، أو عبر دراساته ونظراته ومهنه التي تقلب فيها، أو مناصبه التي تولاها بروح التخصص وقلب الأديب، وعين المؤرخ، ولهذا سنستكمل معه حديثنا في هذه المرة تحليقًا في أجواء منعتقة من إسار كتابه، نستخلص فيها رؤاه، وآراءه، وتصوراته: 

 بعد الفوضى التي اجتاحت المجتمع المصري من النخب حتى الغوغاء، كيف نعيد المعارضة الشعبية أو غير المباشرة إلى مكانها الصحيح المتزن؟ 

ــ الفوضى والغوغائية توابع لزلزال الثورة وليست من باب المعارضة، فعلوم الأواني المستطرقة في السياسة، تجعل الغضب هو القاع الذي تخرج منه كل أنابيب الـ (Opposition) من معارضة (بالرأى) لمعارضة (بالفعل الأصغر) كالمظاهرات،والاعتصامات..وصولًا لبركان الفعل "الثورةٌRevolution) " ) مع وجود تأثير وتأثر بين كل الصور؟! ولكن تغير عندنا مفهوم العقد الإجتماعى والذي به تأتي السلطة، من فلسفة الفقية "هوبز" وانتقلنا لفلسفة أخرى للفقية "روسو"، وكما جاء ذلك التغيير عند الفرنسيين بعد الثورة الفرنسية يبدو أنه بنفس الطريقة وصلتنا مع 25يناير؟! فالعقد الإجتماعي عند (هوبز) يرى أن الشعب أنشأ عقد فيما بين أفراده لتنصيب حاكم، يتنازلون فيه عن حقوقهم الطبيعية من أجل أمنهم والسهر على مصالحهم لمدة معينة، وبالتالى الحاكم ليس طرف في العقد، وليس مُلزَم بشيء؟ وتكون المعارضة ليست ضده، ولكن للوزراء، والمعاونون، وفيها المعارضة قاصرة على التهديد باختيار غيره في نهاية مدته، باعتبار أن دواعي الأمن والاستقرار تأتي على أعلى سلم الحقوق الإنسانية. 

أما "روسو" فيرى أن العقد الاجتماعى له صيغة أخرى فهو عقد وكالة بين الشعب والحاكم، وبالتالي الحاكم طرفًا فى العقد، فالشعب لم يتنازل عن كل حقوقه لصالح الأمن"داخليًا وخارجيًا" وإنما تنازل عن حرياته المطلقة واستبدلها بحريات مدنية. وبالتالى يجوز للشعب أن ينهي وكالة حاكمه،كما ينهي الموكل عقد الوكالة مع محامي في أي وقت وبلا أسباب، في ظل فلسفة روسو عاشت فرنسا بعد ثورتها20عامًا، صباح كل يوم تنقلب الدنيا وتنصب المشانق، ويتحول الخونة إلى ثوار، والثوار إلى خونة!..ويبقى السؤال ألا يكفي الزمن من 2011حتى الآن؟! ..يكفى وهناك أدلة على التنبه واضحة في "ثورة التصحيح 30 يوليو"، كيف نعيد المعارضة الشعبية أو غير المباشرة إلى مكانها الصحيح المتزن؟... الإجابة فلسفة جديدة لطبيعة العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، بين الشعب والسلطة...فلم يعد[ هوبز ورسو] صالحين؟! 

عقد لحكومة مدنية (the treaties govern) يوضح فيه: (أن الحاكم يعتبر طرفًا في العقد، وأن أفراد الشعب لم يتنازلوا كلية عن حقوقهم، بل أنهم تنازلوا فقط بالقدر اللازم والضروري لإقامة الدولة، ومن ثم فهناك حقوق ثابتة للأفراد لايقبل التنازل عنها، وتعتبر قيدًا على سلطة الحاكم). 

- نحن في أمس الحاجة إلى وجود ضوابط تضمن ممارسة المعارضة القوية وحمايتها واستمرار النظام الديمقراطي؟ 

  شغلت المفاهيم السياسية اهتمام المفكرين وخلقت جدلًا واسعًا بين أوساط المُنظرين عمومًا, وذلك لأن المفاهيم السياسية هي التي تشكل البنية الأساس في تحديد شكل وطبيعة النظام السياسي في أي دولة، وكون مفهوم المعارضة واحدًا من المفاهيم التي لا يكاد يخلو منها أي نظام سياسي مهما بلغت درجة مثاليته، فهذا المفهوم شَكَّلَ واحدًا من المفاهيم المتلازمة والمترابطة مع السلطة، أي أن السلطة دائمًا يواكبها ويلازمها مفهوم المعارضة، لكونها الأداة التي من خلالها يتم كبح جماح أي سلطة ما وللمعارضة علاقة وثيقة بالديمقراطية فهي تُعد جزء أساس فلا معارضة بدون ديمقراطية، ولا ديمقراطية بدون معارضة، فلا يمكن أن يكون هناك تداول سلمي للسلطة ما لم تكن هناك تعددية سياسية حرة تؤمن بوجود المعارضة في إطار المجتمع والنظام السياسي الديمقراطي، وعلى هذا الأساس يجري وصف النظام السياسي الديمقراطي على أنه النظام الذي يسمح بأوسع مشاركة هادفة من جانب المواطنين سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة في عملية صنع القرارات السياسية واختيار القادة السياسيين، فيمكن تعريف "المعارضة السياسية": مظاهر الحكم الديمقراطي الذي ينقسم بين طرفين أحدهما يكون في السلطة "الحكومة"، والآخر خارج السلطة "المعارضة". 

حاول العديد من الباحثين تعريف المعارضة وفقًا لمنظور الفريقين "السلطة والمعارضة": (التعبير عن حرية الأقلية السياسية في أن تعارض في مواجهة حق الأغلبية السياسية في أن تحكم) (Organization Cohesion)، ويقصد بها درجة تركيز أو قوة المعارضة وقد تتركز في تنظيم واحد وقد تتفرق إلى مجموعة من التنظيمات والتي تعمل بشكل مستقل, ويرى دال إن الحزب هو التنظيم المناسب للتعبير عن المعارضة السياسية في النظم الديمقراطية, إذًا أن مدى تركيز المعارضة يعتمد على النظام الحزبي القائم في تلك الدولة؛ إذ تتوزع المعارضة في نظام الحزب الواحد المهيمن بين أحزاب صغيرة عدة أو تكون من خلال أجنحة عدة داخل الحزب المسيطر, وأن أعلى درجات تركيز المعارضة توجد في النظم ذات الحزبين, خلافًا للنظم السياسية التعددية التي تتفرق فيها المعارضة بين الأحزاب المختلفة. 

النظام الديمقراطى بذاته يحمى ويضبط المعارضة ويحث على المعارضة القوية..ويحمي ويضبط السلطة، ففى الأوضاع العادية "حالة اليسر" يقف مع المعارضة حتى لاتستبد السلطة، وتستأثر بحالة الرغد، فيحث على الاستفتاء الشعبي، والاهتمام باستطلاع الرأي العام، ويقوى الـ "Lobbies" وهي عندنا النقابات، ويتساهل مع الأعمال شبه السياسية لنوادي هيئة التدريس في الجامعة وغيرها..ولا يمنع المظاهرات السلمية، ولا الاعتصمات الجزئية، وفي وقت الرغد قال السادات للصحافة: (أنتم السلطة الرابعة).. أما في الاحوال غير العادية "حالة العسر" فأنسى كل ذلك ولابد من الوقوف بحزم مع السلطة، فالدولة نفسها فى خطر..فيعطيها الحق في الأحكام العرفية، ويعطيها حق التوسع في أعمال السيادة ــ وهي أعمال خارج المراقبة أو المحاسبة قضائيًا ــ وفي مثل هذه الأوقات قال السادات لمصطفى أمين: (أقعد فى بيتك، وألغي الرقابة الإدارية).. ولن أقول لك ماحدث عندنا، ولكن أنظر لفرنسا منذ أقل من شهر ماذا فعلت أمام عمليات قام بها أقل من 25 متطرف؟ أنها اوقفت الديمقراطية لأجل غير مسمى. 

- النخب والمواطن العادي في حيرة بين أن يكون البرلمان مستبدًا، أو الحاكم مستبدًا بحسب التوسع في الاختصاصات لكليهما، كيف نوازن بين الطرفين دستوريًا؟ 

 انظر فى الدستور تعرف الإجابة..فالنظام البرلمانى السيادة فيه للبرلمان، والنظام الرئاسي يقوي سلطة الرئيس، وعلى ذلك إذا كان لرئيس الدولة حزبًا، وكان هذا الحزب يحوز الأغلبية في البرلمان، فهو ملك متوج سواء كان الحكم جمهوريًا أم ملكيًا..أما النظام البرلماني فيقوي من السلطة التشريعية، وقد يتغول كما فى السويد، فيكون له السلطة الفعلية، فيعلن الحرب، ويبرم المعاهدات، ويعين القائد الأعلى للجيش، بل يشرف على القضاء، فالذى يحدد كل شيىء فى العلاقة بين سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية هو الدستور..والأصل الفصل ولكن مسافات هذا الفصل يمكن أن تكون بضع أمتار ويمكن أن تكون بالكيلوات. 



- ألمحتم في كتابكم إلى عدم وجود فقهاء متخصصون في الفقه الدستوري من رجال الفقه الإسلامي، وهناك آراء تقوض هذا الرأي وتتهمه بتبني الآراء الاستشراقية؟ 

  دعنا نفرق بين الإسلام وفقهاء الاسلام.. الإسلام كدين لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أما الفقهاء فلهم أجرين فى الصواب، وأجر في الخطأ، ثم نفرق بين فقهاء الدين بفروعه من عقيدة وحديث وغيرها، وفقهاء الحكم"الفقه الدستوري"، ستجد فقهاءالحكم "الفقه الدستوري" بالقطع قلة وظروفهم أصعب، فالحاكم لايهمه كيف يصلى الناس وكيف يتوضؤون، ولكن يهمه كيف يبايعونه ويطيعون .. ولنقل أن هذا حدث بعد 40سنة من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بنهاية خلافة الراشدين. بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم استكمل عهد الإسلام وبدأ عهد المسلمين، وهو عهد قد يقترب من الإسلام كثيرًا وقد يلتصق به، وقد يبتعد عنه كثيرًا وقد ينفر منه، وهو في كل الأحوال والعهود ليس له من القداسة ما يمنع مفكرًا من الاقتراب منه، أو محللًا من تناول وقائعه، وهو أيضًا وبالتأكيد ليس حجة على الإسلام، وإنما حجة للمطالبين بالحكم بالإسلام أو حجة عليهم، وسلاح في أيديهم أو في مواجهتهم، وليس أبلغ من التاريخ حجة، ومن الوقائع سندًا، ومن الأحداث دليلًا. يرجع بعض العلماء سبب ظاهرة انصراف علماء المسلمين عن العناية بالبحوث الدستورية فى الحكم، إلى النظام الاستبدادي الذي ساد في خلافة الدولة الأموية، والعباسية، فالفقه الدستوري أو السياسي لا ينبت إلا فى أجواء الحرية، ويكفى أن أشير إلى "الإمام مالك" الذي أخرج العامة من فتواه "لا طلاق لمكرَه" بمقولة: لابيعة على مكره، و كيف ضُرِّبَ حتى خلع كتفه، وأن أشير لأكبر فقهاء السياسة القدامى "الماوردى" وهو الذي عاش في خلافة العباسيين، فمؤلفه الشهير "الأحكام السلطانية" أوصى ألا ينشر في حياته ولم يعرف ألا بعد مماته. فالخوف والرهبة ضيْق البحث من ناحية، وكان هناك البعض الأخر الذي يكتب بدافع الزلفى والرغبة. 

 أيهما أولى بالتغيير الخطاب الديني أم الخطاب السياسي أم الثقافي، ولماذا التركيز على الديني بالذات؟ 

  الخطابات الثلاث لهم أهمية متساوية،ولكن الأولوية من وجهة نظري أن يتم التغيير في الخطاب الديني والثقافي معًا، والأمر ليس بالسهل، ولكن الثقافة مجال التصرف فيها أوسع وتحديد أسس الدولة وقيمها منها أسهل، ولا يمكن أن يكون التجديد في الدين يعنى الاستغناء عن شروح كتب التراث أو الاستعلاء على الفقهاء الأقدمون، أو يكون التجديد تبادل اتهامات على طريقة التليفزيون..إنه عمل جاد، ليس فردى، يبدأ بحلقات ضيقة قبل الخروج على الجمهور..وأعتقد أن هناك مباديء دينية في القياس تنفع في الأمر مثل: لاضرر ولاضرار، الضرورة بقدرها، ما لا يدرك كله.لايترك كله،الأصل في الأشياء الإباحة. 

- لماذا فشلت الأحزاب القومية واليسارية وذات الغطاء الديني في كسب المواطن المصري وخاصة الشباب؟ 

 أعتقد أنى أخالفك.. فكل الأحزاب واضحة الهوية، استوعبت الشباب؛ فالاتحاد الاشتراكي أيام عبد الناصر كان فيه خمسة مليون..وفى وقت كان هناك اليسار وكتب ماركس مكتسحة، واليساريين كانوا كثرة حتى السبعينات، والدين بغطاء حزبي أم تحت عباءة جماعة له أتباعه..ولو كانت هذه الأحزاب مخلصة بالفعل للوطن ..لكنا قريبين من اليابان..لكن الولاءات لم تكن لمصر. 

- أنا أتحدث عن الفترة الأخيرة.. هل انهزام بعض الجماعات التي تتبني الإسلام السياسي غطاءً لها يعني خروجها من اللعبة السياسية تمامًا؟ 

  هذه قواعد اللعبة في كل زمان ومكان..ولكن انظر حولك واقرأ جريدة الصباح: هل هزمت التطرف تحت شابو الدين؟! الخوارج خرجوا على الإمام علي رضي الله عنه واستمروا طوال الدولة الأموية التي كانت قوية تستطيع أن تمد نفوذها للخارج وتقاوم الخوارج فى الداخل..ولكن الاثنان عاشا معا..! هذا خيار..وهناك الخيار الجزائري القريب، بعد خمس سنوات حرب شوارع مع التطرف الديني عقدوا صلح باتفاق، لم تكن الجزائر مثل الدولة الأموية! أذكرِّك أمريكا باقية،والقاعدة لاتزال قائمة ?   أحيلك على أقوال الفريق مايكل فلين، قائد القوات الخاصة الأمريكية ومدير استخبارات الدفاع السابق، أنه لو لم يتم غزو العراق لما ظهرت داعش التي أصبحت تمتلك قوة عسكرية محترفة، مشيرًا إلى أن أمريكا ساهمت في تأسيس داعش عام 2004 وأنها ستشارك روسيا في تقسيم المنطقة إلى ثلاث3 قطاعات بعد تدمير داعش. وفي حواره مع مجلة "دير شبيجل" الألمانية أكد فلين: (أن العاطفة العمياء قادت الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر إلى اتجاه خاطيء من الناحية الاستراتيجية كانت نتيجته حرب العراق وأفغانستان، وأن اسقاط صدام حسين ومعمر القذافي خطأ هائل لن يتسامح معه التاريخ، وأن قتل البغدادي لن يصنع نهاية داعش، وكنت أود ألا نقتل بن لادن). 

- بعينكم الأمنية والقضائية والسياسية والأدبية كيف تقرأ المشهد المصري بخاصة والعربي بعامة؟ 

لو وضعت الجريدة على عيني والتلفاز في أذني ولعبت بعض الوقت على الفيس بوك، هل تدري ماذا حالى؟! جرب.. لونظرت على جميع حدودي حيث يجب أن اجد جيرانى، فماذا في ليبيا والسودان والعمق الاستراتيجي فى سوريا..بل سيناء؟! ماذا سيحدث فى النيل من أثيوبيا؟ فهل مع العسر يسرا ، أم نهايات مقدرة؟ 




--------------

بيوجرافية عن المتحاور معه:

الاسم: اشرف مصطفى توفيق واسم الشهرة الادبى: اشرف توفيق
حاصل علي ماجيستير فى القانون
البريدالاليكتروني:ِAshraftawfik11@gmail.com 
عضو أتحاد الكتاب - عضو أتيليه القاهرة 

*تقديرات وجوائز:
 حاصل على جائزة سعاد الصباح للدراسات الإنسانية 1989م عن كتابه: (المعارضة)
حريم فى حياة الزعيم سعد زغلول "الثورة التى ايدها الحرملك" حاصل على شهادة تقدير من مركز بحوث- حزب "الوفد" ،
رواية "مملكة الجنة"وصلت للمستوى القممى فى مسابقة (ابى القاسم الشابى) بتونس – دورة الرواية-2011
حصل على المركز الثالث فى مسابقة الرواية "رومانسيات"2014 والتى نظمتها"التكية الأدبية" بروايتة :إلماح 
حصل على شهادة تقدير أخرى من "الجمعية المصرية لتوعية الأسرة للوقاية من الإدمان" والمعروفة بـ (برايد- مصر) عن كتاب في المخدرات عنوانه: "بنات الأصول والمخدرات".. 

*(البحوث) 
الجريمة السياسية بين الشرعية والقانون الوضعي .
المخدرات ودور الشرطة فى مكافحتها .
دور القضاء العسكري فى تأديب أفراد هيئة الشرطة الإرهاب .
التطرف تحت مظلة الدين .
المعارضة بين الشريعة والقانون .
المشكلات العملية للقضاء العسكري بوزارة الداخلية .

*(الكتب المتخصصة)
المعارضة السياسية (العربي للنشر والتوزيع) 1986م .
كرسي المعارضة بين الشريعة – التأصيل – الضوابط (الشرق الأوسط للإعلام العربي) الكتاب الحاصل على جائزة سماد الصباح للبحوث الإنسانية 1988م .
بنات الأصول والمخدرات (الشرق الأوسط للإعلام العربي) 1994م .جرائم المرأة (مكتبة رجب) 1997م .
الأحكام العسكرية (المكتب الفني للإصدارات القانونية) 2004م .
الاستدلالات العسكرية (المكتب الفني للإصدارات القانونية) 2005م .
الدفوع الجوهرية أمام المحاكم العسكرية 2005م .
شرح قانون الأحكام العسكرية 2006م .
أعمال النيابات العسكرية فى الجيش والشرطة 2006م .
دفاع المتهم فى الجرائم العسكرية 2006م .

*المقالات المنشورة بمجلة الأمن العام (الديوان العلمي لضباط الشرطة) بوزارة الداخلية-بجمهورية مصر العربية) 
العدد 121 – ابريل 1988م الموساد , جهاز المخابرات الإسرائيلي السري .
العدد 123 – أكتوبر 1988م المخابرات من المنظور الأدبي التراث / الحديث .
العدد 124- يناير 1989م رجل الشرطة اللاعب رقم ؟ فى مباراة كرة القدم .
العدد 125 – ابريل 1989م التطرف تحت مظلة الدين .
العدد 126 – يوليو 1989م المعارضة .
العدد 127 – أكتوبر 1989م حوار حول المخدرات / المقالة الأولي .
العدد 129 – ابريل 1991م حوار حول المخدرات / المقالة الثانية .
العدد 137 – ابريل 1992م  ماهية سلطة البوليس (الشرطة) فى المجتمعات الحديثة .
العدد 139 أكتوبر 1992م يا أيها التطرف الديني ماذا فعلت بنا ؟ قضية الناجون من النار / المقال الأول .
العدد 140 يناير 1993م رؤية للفتنة الطائفية عبر استقراء حديث .
العدد 142 يوليو 1993م المعارضة في الفكر السياسي الإسلامي / المقال الثالث.
العدد 143 يناير 1994م اغتيال فرج فوده أو الكلاشنكوف والكلمة ؟ / المقال الرابع و الأخير .
العدد 147 أكتوبر 1994م إدمان المشاهير .
العدد 149 ابريل 1995م المرأة والمخدرات صورة إحصائية لجرائم النساء فى مصر .
العدد 156 يناير 1997 المجرم السياسي والرعاية اللاحقة .
العدد 160 يناير 1998 الرعاية اللاحقة للمسجونين .
العدد 179 أكتوبر 2003م القبض في قانون الإجراءات القانونية .
العدد 181 أكتوبر 2004م الضمانات القانونية أمام المحاكم العسكرية .
العدد 189ابريل2005م اعمال الاستدلالات ذات الطبيعة الخاصة "التحريات"
العدد190 يوليو2005م  محضر التحريات "الماهية- المكونات –الاساس القانونى"

المقالات المنشورة بمجلة كلية الدراسات العليا – مجلة محكمة – جمهورية مصر العربية العدد 11 يونيه 2004م دور القضاء العسكري فى تأديب أفراد هيئة الشرطة .
العدد 13 يناير 2005م أعمال الشرطة ذات الطبيعة الخاصة فى مرحلة الاستدلال .




المحاور فى سطور

* الاســـم  : السيد إبراهيم أحمد 

المؤهل الدراسى : حاصل على بكالوريوس التجارة ، ودبلوم الدراسات العليا فى المحاسبة المالية ، جامعة عين شمس بجمهورية مصر العربية ، وكذا دبلوم الدراسات العليا بالمعهد العالى للدراسات الاسلامية بالقاهرة ، وحالياً بشعبة ماجستير الإقتصاد الإسلامى ، وعضو فى اتحاد الكتاب والمثقفين العرب/ حالياً متفرغ للكتابة .

إنتاج علمى : كتاب المعجزة المحمدية ، كتاب السهل المفيد فى أحكام التجويد ، كتاب سياحة الوجدان فى رحاب القرآن ، مجموعة قصصية : (سلطان عرش الدخان) ، وديوان للأطفال: ( نادر يبحث عن السعادة ).
كتب تحت الطبع: الإعجاز المحمدى ، هذا رسولنا الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم ، حكايات اسلامية معاصرة ، القرآن ماذا فعلنا به ؟