حسام الدين يحيى - منديل معطوب بخطوط زرقاء




منديل معطوب بخطوط زرقاء

بقلم: حسام الدين يحيى


حين لمحتها من نافذتي، خبأت صدريتي الحمراء التي كنت على وشك أن أعلقها على منشر الغسيل، خبأتها أسفل جلبابي، وأعطيتها ظهري، وكدت أن أغلق ضلفتي النافذة حينما استوقفتني متهكمة: "ألم يأن بعد أن تتزوجي أم أن فاكهتك معطوبة؟"

أستشيط غضبا، أنشج وأرتعش، ولا تستطيع قدماي أن تحملا ذلك الثقل، أغلق ضلفتي النافذة في عنف، وأبتلع لساني.

في المساء، أسمعها تتأود، تصرخ منتشية، وكأنها تعلن للجميع عن ميعاد معركتها، وانتصارها، حتى وإن خرجت عن المألوف، ولكنها في النهاية كانت كنخلة عجوز، لا تطرح سوى العطش.

بعد موت أمي وأبي، لم يعد لي أحد سوى خالتي، التي تأتي لتطل عليَّ كل حين، وغير عملي في ذلك المعمل الحكومي صباحا، لا يوجد مكان آخر أرتاده سوى منزلي، بعد أن فاتني قطار الزواج، وقد قاربت العقد الخامس، لم أفقد جمالي، بشعري الأسود الحريري المسترسل على وجهي الخمري، شفتان حمراوتان تشتاق لقبلات من عصور ملكية، جسد بَضٌّ مقدس قد عمد منذ صغر، وأمام المرآة أقف طويلا، من يتملكني يتملك جنة ونعيمها، ولكنه رحل، وترك فاكهتي معطوبة.

شيئان كانا يحيلان أيامي لسواد مظلم، تلك الليالي الشتوية التي يرتادني فيها عبق النشوة، فأحتضن وسادتي وأعتصرها في سريري البارد حتى أهدأ، راحلة في خيالي الحالم، وتلك العجفاء الأربعينية، جارتي "أم يوسف"، كانت كلما رأتني في نافذتي أو عند الخروج من منزلي، تغمز وتتلوى وتلقح بالكلمات الفاجرة، تهمس في أذن النسوة اللاتي يتحاشين سوط لسانها القبيح، بالخوض في خصوصياتي والانصياع لما تقول: "يقولون إن فاكهتها معطوبة"، فيضحكن، وكل منهن ترمقني شذرا.

كان ميعاد وصولي للمنزل هو ميعاد وصول زوج تلك الأفعوانة التي تكبره بما لا يقل عن خمسة أعوام، كثيرا ما كنا نتلاقى في المصعد، أو يصعد معي على درجات السلالم حينما يكون المصعد لا يعمل، نظراته المختلسة لجسدي، وجسده المتعرق المرتعش، يخرج منديله المعطوب المزركش بخوط زرقاء كلما توتر، ويمسح عرقه المتصبب من جبهته الصلعاء، كان دائما ما يعرض علي المساعدة إذا ما كنت أحمل عدة حقائب، وفي محاولة منه أخيرة، يده لامست يدي، سرت في جسدي رعشة لم أشعر بها سوى في لياليَّ الباردة، تسقط حقائبي أرضا، فيساعدني في جمع محتواها، فألتصق بجدار المصعد مرتعشة، وهو يلتصق بي.

أتذكر ملامحه الوسيمة، تلك الابتسامة الساحرة التي جعلت قلبي يخفق في سرعة، جعلتني أستسلم له حينما رحلت عني أمي منذ عقد مضى، تلك الابتسامة الساحرة التي قضمت فاكهتي، وأضرمت في جسدي النيران، قضم فاكهتي، وترك فيها ديدانه العفنة حينما رحل عني، رحل ذلك النذل بعد أن جعل من فاكهتىي فاكهة معطوبة.

هي تغمز وتتمايل بجسدها، تضع يدها على نهديها وتعض شفتيها، والنسوة يضحكن، يتهامسن، فأفتح ضلفتى النافذة عن آخرهما، وأطيل النظر لها، أخرج حمالة الصدر الحمراء، وأعلقها على المنشر، وأعلق منديلا معطوبا مزركشا بخطوط زرقاء بجانبه.


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء