محمد ثروت - الحب لا يفني





الحب لا يفني


بقلم: محمد ثروت


في يومٍ ما .. ذهب الي غُرفتهِ وهو في غيبوبةٍ تامةٍ من الحُب .. لم يخلعْ حذائهُ و لا ربطة عنقهُ .. فما اجملها من ليلةٍ .. يريدُ ان يبقي كما هو .. بملابسهِ، بعطرهِ .. لا يريد ان يخلعُ هذه الأمسيةِ من ذاكرتهِ .. في طريقِ العودةِ، لم يشعر بشئٍ .. لا قطةُ الرصيف الحزينةِ، و لا السائلُ المُتّسِخْ .. لم يشعر بدخان المصانع في انفهِ، لم يَسعل كعادتهِ .. و لم يتعثّر في فراغاتِ السلمِ القديم اسفل البيتِ .

 جَلس يُحدّق في سقف الغرفةِ .. لأوَلِ مرةِ يراهُ بهذا الخيال .. لم يري الشقوق التي عبّرتْ عن حياته المرهِقة .. و لم يري المصباح المعلَّق الذي يكادُ ان ينطفيء مثل روحهِ .. لم يري تجمُّع المياه علي جابني الحائطِ .. فقد خدّرهُ الحُب .. هو يريدُ ان يرجعُ بالوقتِ للوراءْ .. مطعمٌ صغير .. قهوتان .. عيناها .. صَمتها الذي انقذهُ .. و روحُها القَمرية .. فهي ليلةٌ لن تُنسيَ ..

اخذَ يترقبُ هاتفهُ، متمنيّاً .. منتظر صوتاً .. لم يكُن يريدُ اي شئ أن يُغيّر من رتابة ايامهُ.. كالسجين في الظلام الذي لا يريدُ نوراً لكي لا يتشبّثُ به .. و لكن قانون الحُبِ مختلف .. فلا مفر منه، حتي إن اغلقت فمك و عيناك و اخبئت روحك و شُلَّ جسدك .. لا مفر منه.. ظلّ محدّقاً في هاتفهِ .. يتحرك يميناً و يساراً .. تتسارع دقات قلبه .. شعر ببيتهِ يضيقُ عليه .. بدأ يُطرَدُ خارجُ خيالهِ .. لم تتوقف ساقيه عن الاهتزازِ قلقاً .. لم يتعذّب هكذا من قبل .. فكانت حياته خالية .. و بابه موصداً .. و روحه تائهة .. فلماذا اتتْ؟.

كسرهُ الارقْ و اغتاله التفكير .. اخذ ورقةً و قلماً و بدأ يدوّن .. كتب بعض الكلمات الزائفة التي لم تُرضيه .. كلماتٌ شاهدةٌ علي ضعفهِ .. كلماتٌ تَحرِق ما قبل هذا اليوم .. و تُذكّره بالبحث عنها .. في ادراجه، في كتبهِ، بين عيون الغِبار المتراكم .. لعل يجدُ لها طريقاً خيالياً يُطفئ من صبرهِ السلسال .. هو خط يدهُ .. هو انا .. هو انت .. يسأل مجددا ببكاءٍ مكتوم لئلا يوقظُ احجار البيت المترهلة .. يسأل مجدداً "لماذا اتتْ؟" جائت هيه .. اكملته .. وجدتْ القِطَع الضائعة .. و خلقت فيه صورةً لم يكُن يُدرِك وجودها .. توقفُ عقلهُ عن العملِ امامَ المسِّ الصادر منها .. حركت مياه العشقِ الراكدةِ فيه .. القتهُ غريقاً، و شاهدتهُ يحارب لكي لا يموت فيها، و ابتعدت .. 

ي حبّهُ الاول، و هي في الحُب جاهلة .. ذاقت من مرارتهِ و بسقتْ .. و صدّت .. و كسرت سهاماً اليها مُسرِعة .. و ذهبت عكس الدنيا و تاهت .. اختطفت قلبهُ و تركته بلا قلبٍ .. بلا نبضٍ .. باغتته و اخذت معها الدنيا، و اختفت .. و غابت .. و قد ضاع هو بينها و بين نفسه .. و ضاعت هي بينها و بين الغيبِ.. ففي الحُبِ فرصٌ متكررة غير متشابهة .. فإن قُطِع حبل الحبُ، فاصنع عُقْدةً جديدة و لا تبكي علي شئٍ ابداً .. ففي الارض ما يكفي الجميع .. فالحُب لا يفني ..


الإبتساماتإخفاء