عبدالرحمن الطناني - هيَّ



هيَّ 

 عبدالرحمن الطناني


لحظات الصدمات، هي التي تشعرك بأنك على قيدِ الحياة . ومن علامات الحياة زيادة دقات القلب وسرعة التنفس وهياج المشاعر ، وكل ذلك يحدث وقت الصدمات .

حتى وإن شعرت بأنك قريب من بابِ الموت ،في لحظةِ صدمةٍ كهذهِ التفت وراءك ستجد باب الحياة لازال مفتوحاً . فالصدمات مهما اختلفت وتعددت فهي اما تميتك او تدب فيك الحياة أكثر .

ماذا إذا تركت الحياة وذهبت بقدميك إلى بابِ الموت ؟!

وكيف تفعل ذلك وهناك من يتمسك بك ، بكل ما فيك ،بكل ما تبقى منك ؟!.

إذا فعلتها فتأكدِ انك فعلت ذنباً لا يغتفر . إذا فعلتِ انتِ ذلك فتأكدي انك اقترفتِ ذنباً في حقِ عشقي لكِ ، لا يغتفر .

لعل تلك الجملة هي التي منعتها من الاقترابِ من بابِ الموت .لكن من المؤكد أنها لم تمنعها من التفكير فالموتِ . وبدورهِ كعاشقٍ جَاهَدَ ويُجَاهِدْ وسَيُجَاهِدْ في تلك الحرب ليستحوذ على كلِ قلاع وحصون عقلها .

قال لها بعد الواقعة مباشرة ، كأنهُ عرّاف رآى المستقبل من ملامحِ حزنها "انشغلي عني بأحزانكِ .. وسأنشغل عنكِ بكِ" .

اِسْتَوعَبَتْ كلماتهِ جيداً ، لَكِنْ الاستيعاب ليس من ما يدل على أن الانسان لا يزال على قيدِ الحياة . لم يربكهُ عدم نظرها إليهِ فهو يَغتَني بالنظر إليها ، يغتني لَكِنْ لا يكتفي .يرى حياة أخرى من خلالِ عينيها ،من خلالِها هِيَ ؛ حياة يراها هو حياة حقيقه تحمل من سِمَاتِ الجنة الكثير . ويردد بداخلهِ مجموعة من الكلماتِ كعادتهِ ، هي نفسها لا يغيرها "هِيَ لي حتى لو لم تكن كاملة .. هِيَ كاملة حتى لو لم تكن كاملة" . كلمات غريبة على آذانِ البشر لكنهُ متأكد أنها لن تكون غريبة عليها لذلك قرر أنهُ سَيظل يرددها بِداخلهِ حتى يُسمِعُها إياها بداخلِها يوماُ ما . يا تُرى بماذا ستسمعها بأُذُنيها أم بقلبها ؟!.

ورُغمَ جميع تَقلُباتِها وحالاتِها التي لا تنتهي لَكِنْها ليلاً تَسْتَكينُ إلى حالةٍ واحدة وهي الحنين إلى صدرهِ الدافئ المُحتَوي .صامتة هِيَ كَعَادتِها ، كثير الكلام هو كعادتهِ ،كعادتهِ معها .لكن تلك اللحظة لا مجال فيها للكلامِ الكثير أو حتى القليل ، وكل المجال فيها للمشاعرِ . فهي لحظة تلاقي روحَين في هدنةٍ يعرضها الليل على قلبيِهِما فيقبلانِ دون أية مفاوضات .

ها هما اثنان من عُشاقِ هذا الزمان ،فقيران ، رمت رياح الحياة بكل منهما في طريقِ الآخر . ها هما الآن ينامان تحت سُلَّمِ إحدى العمارات قليلة السُكان . 


إذا أردت التمسك بشخصٍ فلن تشعر بالحاجةِ إلى شيءٍ ، لن تحتاج إلى مالٍ ،مَسكَنٍ أو أي شيءٍ آخر ؛ فالشخصِ أَثمَنُ من الأشياءِ .


يستيقظان مثلما ناما ،يستيقظان في نفسِ الوضعيةِ أيضاً . طفلة نائمة على صدرِ أبيها دون حركة أو حتى صوت تنهيدة .وكعادتهِ يستيقظ قبلها رغم أن الاستيقاظ المبكر لم يكن يوماً من عاداتهِ .هو نفسهُ يَعلَم أنهُ تغير كثيراً ، وفجأة دون سابق إنذار أو حتى تفكير . وبعد تفكير طويل توصل إلى أن هناك عدة أسباب مرتبطه وتلك الأسباب هي التي وراء ذلك التغيير .لكنهُ لم يستطع تحديد تلك الأسباب . يستيقظ قبلها لكن لا يحرك ساكناً ،يتنفس ويفكر وينظر إليها هِيَ ؛هِيَ التي منحتهُ السلام في حياةٍ ممتلئة بالحروبِ. تستيقظ هِيَ بعدهُ وتبتعد عنهُ في خجلٍ واضح فيكتفي بالتبسمِ ،والغريب أن ذلك الخجل لا يظهر ليلاً في وقتِ النوم .ليس هناك فقط ما يسمى بكيدِ النساء ، بل هناك أيضاً ما يسمى بغرابةِ تصرُّفات النساء . 

يذهب هو إلى عملهِ وتذهب هِيَ إلى كلِ مكانٍ بعيداً عن البشرِ . وتتجول في عقلِها يومياً لتداعِب نفس الأفكار وتخاطب نفسها دون صوت فتقول..

" حبيبي كان لي الحياة كلها ، لذلك حينما تركني ؛تركتني واهملتني الحياة كلها (تنهدت بشدة) .بعد وفاة والديّ تقرّب مني أكثر وتركت نفسي لهُ أكثر . بدء يزداد اهتمامه بي ويزداد ويزداد حتى اكتشفت يوماً أنهُ لا يهتم سوى بصوتي ، وحنجرتي الذهبية كما كان يُطلق عليها . وحينما وقع الحادث وداست سيارة على يديّ ، وانقطعت يداي . وتركني حبيبي الوغد وهو يقول لي وهو في كامل سعادتهِ لا يأبهُ لشيءٍ "قُطعَت يداك فمات صوتك . لم يعد منك فائدة بعد الآن ، حتى الناس لن يتعاطفوا معك ؛ فالتعاطفِ مع أمثالك ناقصي الأعضاء انتهى منذ القرن الماضي . قُطعَت يداك فَتَحَولتِ من ذهبٍ إلى فِضهٍ . لن تريني بعد الآن" .

وذهب ، ذهب حتى دون أن يُخبرني؛ أحقاً كان يُحِبُني أم كان يَخّدَعُني ويَسّتَغِلُني ؟!.قُطعت يداي بسببِ سيارة وبعدها لم استطع التحدث حتى ، كأنهُ قُطعت أحبالي الصوتية أيضاُ . ولم استطع العيش كأن شرايين قلبي قد قُطعت هي الأخرى ."

هكذا تُفكر وهكذا تُحدث نفسها كل يوم منذ الواقعة ، وهكذا حكت لهُ في أولِ لقاء لهما كأغرابٍ ثم آثرت الصمت مجدداً . هِيَ تُفكر فقط وهو يعمل ويفعل ويفكر ويقول "هِيَ كل اسباب تَغَيُري " .

تمر الأيام مكتفية هِيَ بالصمتِ وهو مكتفي بها . من مشاكِلنا دائماً أننا نرى الصمت بأعيُنِنا فقط ، ونظل ننظر لا نحاول حتى قرائتهُ .مرت أيامهما دون فراق ، فذلك معناه أنها تقرأ كلامه ويقرأ هو صمتها . على لسانهِ يوماً قال : "تغيرت ملامحها الداخلية ويكفي أنها أصبحت تبتسم . أتعلمون أنتم ما معنى أن تبتسم هِيَ ؟!. أُقسم بأن القمر يخجل من اهتزازِ شفتيها ". عائداً من العملِ كعادتهِ ويراها فالطريقِ صدفة دائماُ ولا يعلم ما سبب كثرة تلك الصدف ، ظن يوماُ بأن القدر يتلاعب بهما .!

فوجدها تلك المرة واقفة صامتة وأمامها مباشرة عن قرب ِرجل بالغ ، ترك أفكاره تتصارع وذهب هو ليتصارع .أطاح الرجل أرضاً من ضربةٍ واحدة ثم ظل يلهث وينظر إليها وإلى الرجلِ . تباطئت أنفاسه كأن رئتيهِ قد تشبعتا من هواءِ ضحكتها .يتلعثم الرجل ويعتذر ويقسم أنه ساعي بريد وفقط كان يسألها عن أحدِ البيوت ، وهما لا ينتبهان إليهِ مطلقاً . منذ قليل كان يُفكر ويُفسر ابتسامتها وها هو الآن عاجزاً أمام ضحكتها ،عاجزاً حتى عن تصديق ذلك الواقع الذي يُضاهي مائة حلم . حقاً قد تعيش يوماً ما حياة تضاهي بل تفوق الأحلام جمالاً .

وضعت معصمها في يده ليمسِكَهُ ،فأمسَكَهُ برفقِ أنساها أن كلتا يديها مقطوعتين، وأخذتهما قدماهما إلى بحرٍ وقمرٍ وسماءٍ زرقاء مليئةٍ باللؤلؤِ .فور جلوسهما أراح رأسهُ على كتفِها ، وتنهد "انا متعب جداً وأحبك جداُ" .قال نصف الجملة الأول بشفتيهِ بصوتٍ مسموع والنصف الآخر أكملهُ بداخلهِ فقط .

لم تكن تجيد الكلام فقد كانت حينما تتكلم تُغني "أحقاً تُحبني ؟!" قالتها بثقةٍ كأنها سمعت ما تردد بداخلهِ منذ قليل ، لكن سبب ثقتِها والإثبات الوحيد القاطع هو ما رأتهُ منهُ من أفعالٍ في أيامٍ . فقد كان كل فعل بمثابةِ طوق نجاة وهي الغارقة فالصمتِ ها قد نجت وتكلمت .

قاوم التعب وهَمَسَّ بالقربِ من أذنِها ، هَمَسَّ كلحنٍ صوفي هادئ لا يتكرر مرتين "أشهدُ أنْ لا صوت بعد صوتكِ" .

سادَ الصمتُ بعد قليل من الكلامِ ، كانا قد ناما على رمالِ البحر دون أي خوف حتى من الموجِ الجارف . تلك الليلة الأب هو الذي نام على كتفِ ابنتهِ ، فقد كان بسببِ الحياة والظروف مُتعباً ؛ مُنهكاً ؛ خَائِر القُوى فقط يتنفس ويفصح عن ما بِداخلهِ بهلوساتٍ في كلماتٍ معدودات . هكذا هو يَنفصلُ عن الواقعِ في وجودِها وينفصل حتى عن الخيالِ فَهِيَ عالم ثالث جمع بين الواقع والخيال .

هِيَ عالمهُ الثالث والوحيد الذي قرر أن يعيشهُ . هِيَ أُنثاهُ الأولى .استيقظ هذه المرة فوجدها ناظرة بتفحصٍ إليهِ ، تعجب فابتعدت في خجلٍ واضح . ابتسم وهو يعتدلُ في جلستهِ على ركبتيهِ وظل ناظراً إليها وهِيَ متجهة إلى البحرِ ووقفت أمامه مباشرة .

سادَ صمتٌ يثير القلق ،وبعد دقائق قليلة وجدها تُداعِب خصلات شعرها التي عجز الموج وتوقف صامتاً في حضرةِ تَمَوُجِ خصلاتِها . بدأت تُمسك رأسِها بقوةٍ واستدارت سريعاً. نظرت إليهِ بعينينِ شديدتي الإحمرار ، وابتسمت بشدةٍ كأنها تبتسم بكلِ ما تبقى لديها من قوةٍ . ثم سقطت على ركبتيِها ولم تتوقف عن التبسمِ .

فقال بصوتٍ مُرتفع كأنهُ يَدفَعُها للتحدثِ "يا إلهي إنها تبتسم كأنها تتكلم ،فكيف سيكون جمال كلامها" . فتحت ذراعيها على مصرعيهما ،وفتحت فمها رُغماً عنها لخروجِ الدم المسموم قبل أن يكتم ما تبقى من أنفاسِها .

رَكَضَ كالمجنونِ المَصرُوعِ إليها وهو يلهث رغم قُصرِ المسافة ،وسقط على رُكبتيهِ حينما وصل إليها وفور سقوطهِ سقطت هِيَ بين يديهِ . ولن يصدق أحد أنها لازالت تبتسم.
لحظات الصدمات .لحظات الصدمات حينما تُصاحِبُها ملامح الموت ،يبكي القدر ويتعاطف الزمن وتسخرُ الظروف ضاحكة بشدة .

طَوَقَ ذِراعيهِ عليها بشدةٍ كأنهُ يُريدُ أن يَمنحها قليل من حياتهِ أو حتى كُلِها مُتمَنياً أن تستفيق، ليس فقط مُتَمنياً بل راكعاً يتوسل أن تستفيق هِيَ أو حتى أن يستفيق هو من الكابوسِ .وبين كُلِ تلك الصراعات ما بين القوة والضعف، بين الألم والتحمل ، بين المصير المحتوم والأمل ، بين الحياة والموت ؛سقطت دمعة عاشقٍ أمام بحراً فأغرقت الموج حزناً .

مرت دقائق في زمنِ الحياة البائسة تحتسب سنوات من الوجعِ . حَمَلَها ورَكَضَ بِها في سباقٍ مع الموت والزمن إلى أقربِ مَشفى .

أرأيتم من قبلِ ضَعفَ الحبيب في حضرةِ المحبوب ،فَتِلكَ حالهُ الآن وهو يَمسحُ على شعرهِا ويُقَبِلُ رأسِها وهِيَ على سريرِ المشفى في انتظارِ مَصِيرِهِا .

"أين أنا ؟!. ما كل هذا السواد ؟!. الليل لكن الليل يُضيئُهُ القمر . القمر أين القمر ؟!.". بدأت ترفع صوتها قليلاً ، "قُيُود !. ما تلك القُيُود التي في يدي ؟!." .

رفعت صوتها أكثر ، وبدأت تتسارع انفاسها رُغماً عنها ؛ والغريب انها تسمعُ صوتَ انفاسها ولا تسمعُ صوتَ كلماتها .كأن فمها فقط يتحرك ولا يصدر صوت عنهُ . أتعلمون كيف يكون الصُراخ بِلا صوت ، إنهُ الحد الأقصى من الألمِ .

ينتفضُ جسدها وينتفضُ معهُ كل شيء حوله ، يهتز جسدها كالغارقِ في بحرٍ من الدماءِ ويستغيث ؛ لأنهُ لا يعرف العَومَ وأيضاً يكرهُ الدم .

حالة استنفار أعلنها صُراخ الحبيب "لماذا يخرج الدم منها مرة أخرى ؟! لماذا ؟.. ايها الأطباء الأغبياء عالجوها .سوف تموت .عالجوها او اوقظوها ، لا تدعوا الموت يأخذ تلك الروح بعيداً" .

غرفة ضيقة كالقبرِ ، السيد الوحيد فيها هو الصمت . هدأ جسدها لكن روحها ترتعش فتسقط دموع الضعف والفقر والعجز من عينيهِ من شدةِ إحساسهِ بروحِها .

احيانا لا نتوقف عن البكاءِ ، دموعاً وايضاً كلمات .فحروفنا تبكي بغزارةٍ شفقة على حالِنا. فتكلم وقال.. 

" قالوا لي بأنكِ مريضة بالسرطانِ ، سرطان الدم الخبيث ، ذلك القابض للأرواحِ على الارضِ . رأيتهم يقولون لي بأعيُنِهِم اترُكهَا فهِيَ لم تعد صالحة لأي شيء . لا عليك فجميعهم يرونك بأعينهم - قالها مُبتسماً وهو يبكي- .لا يعلمون بأني من أخذكِ حينما رموكِ أمام المشفى من قبل . لا يعلمون بأني من استلقفكِ حينما رماكِ القدر في شوارعِ مدينتي الجرداء . لا يعلمون حتى بأني أُحبُكِ . فذلك لا يقرأون عنهُ في كُتُبِهِم العلمية الغبية ولا يفهمونهُ حتى من الرواياتِ ".

توقف عن الكلامِ فجأة كأنهُ تذكر شيئاً مُهماً ، ثم نظر إلى يديها الممسك بها وقسى عليها قليلاً فالقسوةِ بين العُشاق مُباحة ؛ وقال "لماذا لا يحدث كالرواياتِ والأفلام ؟! لماذا لا تُحرك شيئاً فيها او تُمسك يدي فجأة ؟! لماذا لا تفتح عينيها ولو لثانيةٍ واحدة لتُشرق شمسها على مدينتي ؟!. يا إلهي اني استغيث ،فاسجِنْ روحي وحَرِر روحِها" .

ما لن يتوقف عنهُ الإنسان يوماً ، هو التساؤل .يكفي أنهُ لا يملك الإجابات الكافية فعلى الأقل يملك القدرة على أن يطرح كل التساؤلات . ومن ما توصلت إليه حتى الآن من بعضِ التساؤلات ، أن الأرواح لا تتلاقى فقط في الجنةِ ؛فهُناك أرواح تَخلِقُ جَنْتَها على الأرضِ .

"وأنتِ جَنَّتي على الأرضِ" . قالَ تلك الجُملة ونَامَ على يَدِها التي اِحتَضَنَهَا بكِلَتي يداه. نَامَ وهو لا يعلم الوقت ولا يعلم حتى أمساءاً هو أم صباحاً . فهذا العالم كله اِعتبرهُ مَنفَاهُ ما دامت هِيَ في عالمٍ آخر .

مَرّ كثير من الوقتِ ، استيقظت وهِيَ تصرخ صرخة عالية أيقظت بها كل نائم في المشفى. وكانت تُمسِك اليد التي تحتضن يَدها بقسوةٍ ولا تَعي أنها تخدشها . استيقظَ وكالطبيبِ قرَرَ العلاج سريعاً وهو النظر دون انقطاع إلى عينيها . التَغَلغُل داخلهما دون أن ينطق أو حتى يهمس ببنتِ شفه .حَضَروا أطباء المشفى ذوو الخبرة القليله ،كثيري الكلام ؛ لذلك ذُهِلوا من المشهدِ ولَولا أنها أَرَاحَت ظَهرِها وهدأت قليلاً لكانوا صنفوا حالتها أنها صرع حاد .بعد ذهاب الأطباء والممرضات هَمَ بالتحدثِ كالفيلسوفِ فقد لاحظ مؤخراً من نَظَرَاتِها أنها مُعجبة بكلماتهِ أو طريقة كلامهِ "أنا لا اخشى أحد وهذه مشكلتي، لكن الخوف مفيد .ولعل خوفي عليكِ هو ما أيقظكِ الآن -وابتسم- " .أراحتها كلماتهِ فغاطت في سُباتٍ عميق وهادئ حتى استيقظت في صباح اليوم التالي من أجلِ أن يخرجا من المشفى .كان قد انفَقَ عليها الكثير مما ادَخَرَهُ مُسبقاً من أجلِها .حَدَثَ نفسهُ كثيراً وهو يمشي معها ومما حَدَثَ نفسهُ بهِ وهو مُستَغرِب وسعيد "غريبة تلك الابتسامة التي تعتلي وجهها منذ استيقاظها بالأمسِ ، ابتسامة هادئة صافية كموجِ البحر ساعة الغروب ".

حينما يقتربُ منك الموت تبدأ محاولاتك للابتعادِ عنهُ ، حتى بمجردِ التبسم . فهُناك اساطير تقول أن عدو الموت وما يُبطِئُهُ أيضاً هي السعادة ، السعادة الصادقة .

اِستيقظَ وهو على سريرٍ ناعمٍ كالحريرِ في غرفةٍ صغيرةٍ وبجوارهِ طفل رضيع ضحكاتهُ تعلو وتعلو، وعلى يمينهِ هِيَ واقفة تنظرُ إليهِ وملامحها ممتلئة بالحبِ والتفاؤل والأمل ؛ونادراً ما يجتمع التفاؤل والأمل مع الحب .اِستيقظَ بهدوءٍ دون فزع فحينما تعيش واقعاً هادئاً بعد كل مصاعب الحياة فلن يُزعزِعَ ذلك الهدوء حُلماً أو حتى كابوساً .

هو : ماذا بكِ ؟! لم تنظرين إلي هكذا ؟!
هي : أحبك .. بل أحبك وأحب حبك

أمسك بمعصمِ يدها لأن يديها لا زالت مقطوعة وأجلسها بجانبهِ على السريرِ واحتضنها بقسوةٍ أكثر من قبل ، حتى وإن كان يضمن عدم فُراقِها فالرفقِ فالحبِ ممنوع ؛ والأكثر بين الزوجين .

هي : بماذا كنت تحلم ؟!
هو : كعادتي .
هي : (مع ابتسامة طفولية) وما هي عادتك ؟.
هو : انتِ .

ابتسمت وشفتيها تلمس صدره حتى كاد يشعر أن ضحكتها تُداعِب روحهُ .

هو : حلم اليوم كان حينما كُنْا في المشفى واخبروني الأطباء الأغبياء أنكِ مصابة بالسرطانِ .أتذكرين سعادتي حينما علمنا أنهُ كان مجرد تسمم غذائي .في ذلك اليوم رميت وراء ظهرك كل ما يتعلق بالموتِ .حمدت ربي أنني تمكنت منك قبلهُ وحمدت ربي أكثر أنك سلمت نفسكِ لي عِوَضاً عن تسليم نفسكِ للموتِ .فتجرأت وتقدمت لطلبِ يدك بما أملك من قلبٍ وقليل من المالِ ،وحينها سمعت اجابتك بالموافقةِ بصوتكِ العذب .ثم أخبرتك بالكلماتِ التي كُنت ارددها بداخلي دائماً أنكِ لي حتى لو لم تكوني كاملة وأنكِ كاملة حتى لو لم تكوني كاملة .

هي : وكانت اجابتي أني كنت اسمعك تقولها بأفعالِكَ .

قاطعها مثلما قاطعتهُ ، لكن بقبلةٍ تُجبِرُ الزمن على التوقفِ في حضرةِ الحب العُذري الحلال في زمن الحب الشهواني الحرام . رَضِيَ بها فرَضِيَتْ بهِ في بيتٍ صغير ومال قليل وعمل بسيط .

تذكروا دائماً إذا الدنيا أخذت منك ما يساعدك على العيشِ فذلك أفضل من أن تُعطيكَ ما يدفَعُكَ للموتِ .


الإبتساماتإخفاء