مصطفى إسكندر - هواجس عاشق



 هواجس عاشق 


بقلم: مصطفى إسكندر


إهداء خاص 
إلى "روح"
كما يكون العاشق المتيم رداء لمعشوقته،
فـأنت من صنعت من حروفى وكلماتى رداء للمعجبين.






إهداء للتائهين فى الأرض عشقًا 
ولا تغيبن عن قلب أحب وجودكم فإن القلوب العاشقة ضعيفة الذاكرة، قريب دمعها، كبيرًا خيالها كما المجرة الكونية السوداء.. 


*** 


الساعة الثانية بعد المنتصف ليلًا ...
دون أى انتظار لما قد يحدث  دون أى ترقب يرن هاتفى بنغمته المعتادة يظهر على شاشته اسم "دنيتي".
دون أى مقدمات أيضًا قالت: " قبل أى سلام وقبل أى حديث يقال..
اليوم أنت تسير عكس اتجاه سيرى.. أنا لن أكمل حياتى معك "
تيت تيت تيت انقطع الاتصال.

 الصباح الباكر وقت تغريد العصافير  لم أنظر  لهاتفى كغير عادتى يوميًا..  أغمض عينى ثانيًا ثم أقلب جسدى بفراش ليس مريح قط.. ولم أعرف الراحة فيه يومًا وكأنه صخور.

أفتح عينى ثم أغمضها أفتحها ثم أغمضها لا أدرى ما هى الحياة !
ماذا تريد منى؟
هل أنا تعيس؟
هل الحظ أسوء جيرانى؟!

بكيت يومًا ولم ينتهى الدمع.. صام قلبى عن الآخرين كثيرًا.. توقف الزمن ربما أكثر.. 
حان الوقت أن أندم وأحزن.. أنفجر و أنعزل أكثر..
هبت رياح الفراق فجأة دون أدنى أسباب الخيانة وعدم الارتياح..
أصفر  ورق الشجر وتساقط رغم أن الخريف لم يقبْل.. 
بل أن أوراق قلبى حال بينها وبين الانتعاش دهر..
التزمت فراشى لم أتحرك لم أتحدث و أنفعل وأضطرب وربما يغشى على..
الهدوء يقتلنى داخليًا برصاصات الأمل المفقود..
الصمت يملؤنى كليًا وصخبه يجول أرجاء المكان..
هيهات ربى وإن كان العذاب هين فخذنى إليك..
الصوت من حولى يزعج ما بى يجعله يتخبط فى.. يصرخ يعبث ينهمر ينغسق ويقتل جسدى وأضيع بين الفراش غير المريح.. يشتت أرجائى ولا أهدأ.
وضعت وسادتى على رأسى أحاول جمع شتات الأمور التى تسوء أكثر..
أفكر  وما للتفكير طريق سواء الهروب..
هناك ملاذًا واحد هنالك أنظر إليه ولا ينظر  لى..  (النوم)
خذنى  إليك كما تأخذ الآخرين غيرى..
نادى علي واصفعنى بهباتك أغرق فيك ولا أبالى..
وسادة دافئة كأحضانها ..
فراش كالصخر كقلبها.. 
جسدًا منهك من أجلها..
ولم أنطق بحرف بآخر حديث لها..
شل لسانى وعقلى ونبضى.. 
وكأن النوم أنصت لحديثى ولم يخيبه فأغرقنى به رغم تفكيرى الذى بدأ ينحرف عن مساره..
لم أكن هذا القلب الحنون يومًا. لم أكن قط..
قالتها يومًا: "أسوء ما فيك قلبًا لا ينبض إلا بى".. 
نعم تعجبت من تضارب حديثها ونعم أيضًا اندفعت فى الضحك منه..  
وما للسواد قد طغى علي والاحمرار بعروقى يسرى..
فما أنا ناظر إليك وأنت تشكى ضعف حالك ولكن ناظر لقلبك.
ما أنا أبدًا..
يراودنى أنك يومًا تحدثت بحرقه كما الفاقد لولده.
يراودنى غباء موقف منى وإليك..  يزعجنى يملئنى غضبًا غيظًا حماقةً 
تحدثت بملء فمك ولا مساحة لحروفى بين علو صوتك
ولا نبره حديث أشد من نبراتك.. تولولى بأحبالك 
وتقولى أنا بخير  ثم تبكى على مفقودك الذى لا أعلم شيء عنه..
هل هو ابنك؟ هل هو صديق القلب؟
ولم تصدقى كلامى حين تفوهت بأنك لا تنصتين إلا لعقلك الغافل..
لشياطين حياتك.. وساوس القهر والحزن بداخلك..
أفيقى من أجل ما بين الحياة وبينك.. 
اقتربى إلى ما هو أقرب من أبعد نجمة لك..
توبى عن حب ذاتك وحديث روحك المختلة..
تبعثرى كما تبعثرت بداخلى وملئت قلبى..
اضطربى فما بين فؤادى وجسدك اختلال توازن لا يعتدل..
اسمعى لقلبك البكر قبل معرفتى..
واجرى بـأرض بها شوك فى غير حبى..
أمجنون أنا فيك أم مجنون بك؟
وتختلف يا حبيبتى ما بين فيك وبك اختلاف ما بين الشرق والغرب..
استيقظت على صوت هدهدة العصافير وتسابيح بلابل الصباح فى أرجاء سماء خالية من غيرها..
إنها الخامسة و النص هيجان قلبى وحشرجات نفسى تصطدم مع دقاته..
تنتفض وتضطرب ومالى سوى صوتى المزعج يهز أرجاء غرفتى بصدأ صوت مخيف..
عجوز يطرد ما بصدره وكأنه يطرد الحياة بداخله فقد سئم الحياة بدون أى حراك من على الفراش.. مكبل بسلاسل الأدوية المصطفة جواره..
اليوم.. سأرسم لك صورة على صفحه بيضاء اللون..
وأضع قليلًا من عطرى الخاص عليها ليتخلل منحنيات رسمتى فيك..
سأعلم قلبى كيف لا يخفق نبضه بين ثناياك.. وأغنى له ليلًا ليعتاد غيابك.. وأسهر معه والقمر فلا قريب سواه..
وأنادي ليلًا لنجمة في السماء.. أميرة بين النجوم لتصاحبنى فى ليلى حتى أنام..
صورتك أمامى ترتدين فيها فستانًا أسود به خيوط زرقاء كما هو لونك المفضل..
تظهر سلسلة صدرك الجميلة المتدلية بين شقيه ف أنسى كيف يكون الرسم..
أنظر لعينيك فيضطرب فؤادى كما أول مرة نظرت فيها لك..
عيناك متعتى حين أختلى بك.. دونًا عن البشر ومتاعهم..
خصلات شعرك المتناثرة على وجهك تغطى أجمل أقراط أذن صغيره رسمها الخالق فى مخلوقته.. فكيف يتثنى لى رسم وجهك..
عاجز أنا عن رسمك كما أيضًا عاجز على مواجهة قرارك..
فـبالله عليك اصح يا قلبى وانتفض كما ثورة ودلنى على طريق أجد فيه روحى..
قمت من مجلسى وفتحت نافذة شرفتى ونظرت منها إلى شجرة لونها الأخضر الزهرى يلمع كلؤلؤة تظهر بعين ناظرها.. أقترب منها فـفروعها تصل نافذتى وتسكن فيها معى..
لم تحدثنى ولم أحدثها ولكن تبسمت عند استنشاقى لها وانتعاش قلبى منها ثم دخلت ثانيًا..
ربما استنشاقى لبعض النسمات المنعشة للهواء هذا هو كسر للروتين وأدخل بقلبى بهجة وحنين..
قمت إلى هاتفى فـسولت لى نفسى أن اطلبها مرارًا وتكرارًا وأن أهاتفها من أجل أن أسمع دقات قلبها ما بين شهيق نفسها وزفيره.. ثم طلبت رقمها ولكن...
"هذا الهاتف ربما يكون مغلقًا"  كانت بمثابة انفجار قنبلة داخلية بـصغيرى النائم المضطرب بيسار صدرى سمعت دوى انفجارها بأذنى وأحسسته بأسفل أصبع قدمى..
يا الله قصف بمنتصف جسدى يدوى له أرجاء روحى كلها.
أكثر من بضع دقائق حدث صدى لهذا الصوت المسجل اللعين لم يتوقف.. مالى سواها.. ماذا أحل الله بنا؟
أشفق الليل علي فسدل بستاره الأسود كى يتغمدنى بخياله..
ها قد آتى قمرى البعيد المقترب لأجلى..
ها قد حان وقت السهر والمناجاة لجارى..
وها قد غفل عقلى تمامًا وكأنه سكير ثمل..
وتركنى أهوى بين طيات خيال ليلًا ربما يكون أهوج..
ناجيت قمرى ورأيته يقترب أكثر فـأكثر..
سألته عنها..
أين أجدها؟ ماذا تفعل؟ 
ماذا تقتنى؟
كيف يصير يومها.. وربى أتعبنى بعدها.. لا أنام ليلى كما كنت.. لا أضحك وألعب وأجرى وأنشط وأهدأ وأطمئن كما بقربها..
كهواء هى لرئتى لا استغناء لى عنها..
وإذ فجأة وجدت الباب يدق بشدة..
وكان الطارق يغرق ويريد التنفس من هواء بيتى الفاسد..
هرعت من مكانى يستفزنى شدة الطرق وانفصالى عن عالم خيالى المليء بالحياة..
من الطارق؟
لم أسمع حتى طقطقة حذائه على الأرض بل أسمع صوت نفسه الأهوج يزداد ربما هلوسة وتلهف أن افتح له.. نطقتها ثانيًا ولكن من يطرق الباب خيل لى أنه أبكم.. ولهذا المنطق قد فتحت بابى..
عينى لم تبدأ النظر من أعلى..
"حذاء أسود يعلو الأرض بضع السنتيميترات بخلخال قدم ذهبى ثم ساق بيضاء وناعمة المنظر.. دانتيلا بيضاء تغطى أطراف فستانها الأسود الذى يزيد من جمالها الأنثوى فيجعلها صوفية العشق.. وجسد مرسوم بمنحنيات فاتنة الليل الأهوج.. وأوسط خصرها "فيونكة" بألوان عدة تتزين على يسارها قليلًا..ثم إلى صدرها المتمثل باكتمال أنوثتها جمالًا ووحده كاف عن دلال الأنوثة هيئة و معنى..
ثم وجهها بأخف مجملات وأرق وأجمل.." 
ثم أستفيق.. يا ربى هل أحلم أن قمرى حقق لى ما تمنيت؟
" ضمنى إليك وبـقوة فالبعد أصعب مما رسمت وألعن " قالت ولم تكمل ما قالت وكأنها مغناطيس لجسدى قد التصق وتخلل أضلعى..
نظرت لها وهى تتخلل صدرى بين تنهيدات بعد وبين عذاب نفس يخرج متعثر بأصوات تشبه حشرجات صدرى..
ألم يخبروك يومًا أننى ببعدك قد مت؟
ألم يخبروك يومًا أننى بالعذاب قد عشت ؟
ألم يخبروك يومًا بأن صدرى بركان يحرق كل من أقترب منى؟
 يحرق أنفاسى ويخرجها كشعاع نار ملتهبة من فمى.. 
يحرق الحب  بقلبى.. ويحطم الجسد ويلعن الشوق..
ألم يخبروك بعد فراقك لم أخرج من صومعتى؟
لم أذهب ل أداء فرائض عشقى..
وجنون عقلى.. ولم أشرب أيضًا الخمر..
ولم أتلعثم بـحرف..
ألم يخبروك أننى قد مت قبل الحضن وبعثت على أجمل عطر؟
يراودنى لك تساؤلات وتساؤلات.. ولا إجابات ستقنع عقلى..
" لم فارقتنى ! ولم الحزن بعينى؟
ولم الحب معشش بـصدرى؟
لم أنا بكهف ليس له باب للخروج غير بابك؟
أعيش الليل على خيالات تقنعنى بهروبك من عالمى..
وأتوه بين ماضى لمساتك وحاضر عزلتى.. ومستقبل وحدتى..
أتوه وأتوه أكثر برسم صورك بهذا الخيال اللعين.. 
ضاقت على الأرض  ببحورها وجبالها وسمائها..
وانحسرت بين أربع جدران التعاسة والظلمة والحزن المقفع على ظهرى..
فـابيض سواد شعرى..
فـأنا لم أعرف كيف أقضى يومًا  لا أحبك فيه..
بحاجة أن أكون على طبيعتى حتى أستطيع أن أكمل الحياة بيومى..
بينى وبين عالمى الكثير من المشاكل.. بل أن المشكلة لا أظنها مع العالم فقط..
بل هى أكبر من ذلك.. المشكلة مع قلبى المحترق من براكين صدر هائجة.
لن يطفئها إلا قرب جسدك منى.. إلا قبلاتك المرسلة إلى شفاهى..
قبلينى فـقبلتك تتخلل دمى وقتما أخذتها منك..
أتذكرها دومًا.. أغمض عينى وأجددها وقتما أشاء.. قبلينى مجددًا.. 
الدغينى كـثعبان سام.. فلا أريد الشفاء من شفتك..
الدغينى مجددًا أريد أن أتوه بين أطياف السماء وبين مجرات الكون..
مشاعرى بدونك لم تعد جيدة لقد أصبحت صدئة يا حبيبتى..
أصهريها بين دفئ أحضانك وأذيبيها ببراكين لمساتك وشكليها كما تشائين أن تكون..
ظننت يومًا بأن الطرق بيننا أصبحت صعبة الوصول..
بل ظننت أكثر أن الذى بيننا شيئًا لعين لا يستحق الوصول له..
بعدما كنت أملك الكثير من الأصدقاء أصبحت لوقت طويلًا جدًا لا أملك غير صحبتك.. فأرجوك أن تتفهمى موقفى بعدك.. أدرك جيدًا أننى وحيد تمامًا هذه المرة..
أحبك..
ألم تدرك حقًا بأن حبى لك لا يأتى بعده فراق أبدًا.. ولكن وإن حدث فـإن فراقك يزيدنى حبًا..
ألم يخبروك ليلًا أننى أغنى لاسمك قواعد وألحن له ترانيم سعادة.. 
ألم يخبرك قمرى ومنجاتى له ليلًا لأستعيد قربك..!
خسرت الكثير والكثير جدًا لأنك جعلت من أذنك صماء.. وجعلت من عينك غمامة واضحة وسط النهار..
وخسرت أكثر جميع أحضانى..
فـلم أدرك نفسى إلا وهى تنبهنى بصوتها و تقول :
" كل عام وأنت الحبيب قبل أن تكون الأب والصديق.. كل عام وأنت القلب قبل أن تكون الأخ والابن.. كل عام وأنت الأقرب لقلبى والأسعد بـلحظات قربى.. كل عام وأنت دائما تنسى وتتناسى يوم مولدك ولا تتذكر فقط إلا مولدى.. أيقنت أنك سـ تستحضرنى بخيالاتك الواصلة لأفكارى وهواجسى وذكرياتى
أدركت أنك نبع أحلامى حين أنام.. وأنك الفعل وأنا رده .. وأدركت أخيرًا أن ببعدك تقترب المسافات لك أكثر فـأكثر.. حتى الأحلام والتفكير حتى أنا أقترب كل ليلة من باب غرفتك لأسمع صوت نفسك وأطمئن به..
وأدركت كيف يكون البعد لعنة من لعنات الليل.. وأن الصدر لا يسعه الجلوس وحده دون قلب.. وأدركت أن الكثير من البشر يسيرون بأنصاف قلب.. ولكن أنا وحدى من تسير بلا قلب..
وجدت فتيات كثيرة تشابك أصابعها بـمرافقيها.. وأنا وحدى من يشابكها بـجيوب ملابسى.. 
وجدت أكثر من تلمع عيونهم فرحًا ونبضًا.. وأنا وحدى من أبحث فى عيونهم عن عينك..
وجدت الشوارع خالية من البشر.. وجدت الكون فارغ من المجرات.. وجدت الحب خاويًا من المشاعر.. ووجدتك كل عالمى ومنك نبضى وحسى وقلبى ومنك الروح وإليك الرجوع وفيك الروح تسكن بلا خروج.. فـأنت هديتى من الله كما تمنيتها يومًا "اللهم هدية منك على شكل بشر "

اقترفت خطأ وبعد متعمد عنك.. ولكنك الساكن فيا مهما ابتعدت.. "
لم أدرك حقًا ما أقول ولا أدرى أى شيئ يقال.. ولا أعلم ما اتجرعه من إحساس بالمتاهة فى كهوف جسدها..
أعلم تمامًا بأننى أشبه الماكينة ذات الترس الأوحد وهو ترس قلبى الضائع منى بين ضلوعها..
وأعلم أيضًا بأنه يتوقف عن النبض حين أبتعد عنها.. وأعلم أننى أعيش بروح منفصلة عن جسدى ولكنها مكتملة فيها..
ولكن مالا أعلمه لما أنا الصامت فى جلال حضورها..
ولما أنا الهادئ نبضه رغم قربها..
ولما أنا العاجز عن قبلاتها..
ولما كل شيء يختفى منى وقت احتياجى له بـوجودها..
شموع وقفت منتصبة على سطح كعكة كالقلب تلتحف بالشكولاته، و تدنو منها أحرف صغيرة أتذكر يوما أنها حفرت بقلبك، يرتكز بجانبه جواب كتب عليه:
" أردت أن أفاجئك بـيوم مولدك ولكن أنت من فاجأت قلبى بـفجوة لا أعلم مداها رغم علم قلبى بأنها لعبة على ذاكرتك المنسية ل مولدك"
ضممتها وتركت الشمع حتى انطفأ نوره وتوهج نور الشمس وزقزقة العصافير..




شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء