حسام الدين يحيى - نقش على جباهنا العارية




 نقش على جباهنا العارية

بقلم: حسام الدين يحيى



صدقوني يا سادة، أنا ما زلت أنا، على سجيتي اﻷولى كما تركني اﻷب اﻷول، صانع عالمنا الجديد، وداحر كل الثورات، فلتتقبل يا أبانا تضحيتنا، ولتغفر لنا خطيئتنا الكبرى.

ألم يأتِ أحد بعد لزيارتي يا سادة؟

أنا ألتمس لهم العذر يا سادة، فقد يكونوا مشغولين ببعض المشاكل المعتادة، أو قد تكون أصابتهم بعض المصائب من جراء فعلتي الشنيعة التي ارتكبتها، ولكنني لم أكن أقصد كل تلك المتاعب، صدقوني، أنا لم أكن أقصد الدخول في التيه، كل ما علمه لي ذلك الرجل المسمى بالحكيم، هو وهم وكذب، أقسم لكم بذلك، لا شيء مما قاله لي حقيقي، فأنا الآن أبصر الحقيقة، لم أكن أصدق في بدء اﻷمر أنه -وفي عهد مضى، مجلس يسمى بمجلس الحكماء، أو العلماء- كان يخدعني بأكاذيب وترهات عن العالم القديم، عن العلم والكتب والفنون من رسم وموسيقى ورقص، بث سمومه في عقلي، خدعني بكلامه المسموم المغموس في العسل، كلماته الواثقة المرتبة، انتقِ أنت يا سيدي أي جزء من هذا التاريخ المزيف وكلام الحمقى والمشعوذين، قد أحكيه لك، لقد حفظت كل أقاويله عن ظهر قلب، حتى علوم الفلك وحقبات التاريخ، تاريخ كل الثورات في العالم القديم وأسبابها، اصدقني القول واجعلني أعترف لك بكل ما تعلمته معه خلال تلك السنوات، اجعلني شاهدا عليه حينما تعلقوه على مشانقكم، اجعلني شاهدا على قبره، صدقوني يا سادة، أنا ما زلت أنا، على سجيتي اﻷولى كما تركني اﻷب اﻷول، صانع عالمنا الجديد وداحر كل الثورات، فأنا أحفظ تاريخه كله حينما كان هو صبيا يعمل في حقول العنب، حينما ثار وقاتل وأسر في معتقلات الفاشية اﻷولين، حينما دحر كل القتلة والحكام ونقش قانونه اﻷبدي على جباهنا العارية، نقشها بالنار والصقيع، فلم يجرؤ أحد على تحديه خوفا من ظهور الفاشية اﻷولين، حتى وإن دحر أبناءهم ونساءهم وأجسادهم الميتة معلقة أعلى الشلال، وأجسادهم الميتة معلقة في الشوارع تذكرنا دائما وأبدا، فقدنا النطق كما أمرنا، وأغلقنا الآذان، علقنا قرنياتنا العمياء في أرجلنا، أغلقنا مداخل الشياطين والمردة، وصار كل منا قابعا في منزله، يتضرع للأب الحامي، يدعو له، يخر ساجدا، ولكنكم يجب أن تصدقوني، يجب أن تحلوا وثاقي، فأنا للأب الحامي مصدقٌ ووفيٌّ.

أحد حكماء الأب الأول يتحدث:

"وها هو يا سادة ذلك المريض، بعد إجراء العملية له، هادئ ومستقر، وفي ذلك الصندوق الزجاجي، يرقد ذلك الورم المسبب لمرضه، المخ".

أحد مفتشي البوليس يحكي ما رأى للنائب العظيم: 

"عند مداهمتنا لمنزله، وجدناه يجلس أمام المرآة مقرفصا، ويرسم وطنًا".



الإبتساماتإخفاء