د. محمد يوسف - سينما المؤلف


سينما المؤلف 

بقلم: د. محمد يوسف 

ليس فى وسع الكاتب أن ينصح كاتبًا آخر بخلاصة خبرته فيصنع منه كاتبًا مهما يروق ما يكتبه للاخر الذى لا يكتب، وليس بمقدور الناقد الهمام أن يلفت نظر القارئ البسيط إلى ما قد يراه مغايرًا فى نص ما فيظن بذلك أنه يحسن صنعًا.. كل ما فى الأمر أن تكون أنت القارئ الاول لما تكتب فإن صادفت اهتمام فرادى النخب فأنت جيد، وإن جمع عملك بين ذائقة المتخصص ومزاج العادى فأنت لاشك عبقرى وإن لم تفعل فلا ضير أن تعيد الكرة مرة أو مرتين أو عشرًا أو أن تعيش العمر كله مجربًا فى كوة من التفاصيل فقط وبكل هدوء كن أنت.


أعد اللقطة.. استبدل الأم العصبية بفتاة رقيقة مسدل شعرها على جبهتها العريضة  فلا يظهر إلا عين ونصف عين من وجهها المستدير أما الفتى الحانق على تعليمات أمه فلك أن تراه كوجه شبيه بقطعة الجبنة المثلثات.. طبيعى أن يكون مثلثًا قاعدته لأعلى لكننى أريدك أن تجعله بقاعدة لأسفل حينما كان مع أمه ثم تصحح وضعية القاعدة لأعلى عندما يقابل الفتاة مصادفة.. هكذا أظن أن الصورة سوف تكون أحلى ثم.. ثم  لا تلبس الفتاة كعبًا عاليًا، ولا تهتم بلون بشرتها أسمر أبيض أصفر أو أحمر.. لا يهم المهم أن يكون شعرها مسدل على جبهتها كما اتفقنا، ثم ادخل بعض المشاهد للأم مع لقطات لاحقة للفتاة مع الشاب، وادمجهما معًا بطريقة المونتاج والقص واللزق الزمانى واجعلهم جميعا يمرون من نفس الاماكن ولاحظ الفرق حتى ينتقل ذلك إلى المشاهد، واحذر فإنك يجب أن تشعر بالفارق وإلا لن يشعر المشاهد، وسيفتر إحساسه والآن لاحظ معى ما فعلته.. هى نفس المدينة ونفس وجوه المارة ونفس الحافلات والشوارع والنفايات.. بل إنه نفس النهر ونفس خريره الدافق.. اعقد المقارنة هنا لتكتشف أن لقطات الفتى مع أمه كانت عابرة غير مريحة.. ليس الفتى فقط من تمنى أن تنتهى سريعًا بل المشاهد أيضًا سوف يكون ممتنا لو أن تلك اللقطات مرت سريعة ..الكل يتصرف بعصبية وحنق زائد بينما هم أنفسهم تراهم يتصرفون بنعومة وعذوبة عندما ظهرت الفتاة ..انظر الى الشحاذ كيف كان يرمق الأم رافعًا شفته العليا طالبًا منها بعض العملات ثم اعد النظر إليه بعد أن أصبح للفتى رفيقة كيف ابتسم وظل يرقص ويغنى بصوت جميل مكتفيًا بلمسة يدها الحانية على كتفه ..انظر الى سائق الحافلة وهو يكبس بقدمه اللزجة على بدال المكابح حتى يتفادى صدام الأم وابنها وهم يمرقون متخطون إشارة المرور ثم انظر إلى ردة فعله وهو يتجنب إشارته الخضراء ويصف حافلته جانبًا ويضحك للعاشقين وهما يعبران ذات الطريق غير عابئين بأي ألوان لأي إشارات.

 لاتسئ الظن.. ترى ماذا تصورت؟

 الفتاة هى نفسها الأم.. لكن قبل سنوات من ولادة الفتى والفتى هو أبوه الذى تمنت الأم أن يكون كما حلمت ..أترى أنها المراة مفتاح السر ومكمن العشق وملاذ الوجد؟

 ادخل بعض الموسيقى التصويرية الخفيفة.. اختصر الحوار قدر استطاعتك.. دلل بالتزامن ودعك من إيقاع التتابع.. لا تتحدث وصف بالحركات لا بالكلمات؛ حتى تصنع من الحواس جمهورًا متفاعلًا بالفرجة.. اجعل اللقطات التى تجمعهما مع العامة أكثر من تلك التى يعتزلون فيها العالم.. املأ صورتك بالكثير من الورود، وبعض الألوان المتناقضة حد الشغف وقف عند اللحظة التى ينظر فيها الفتى لعينى الفتاة مباشرة، فتسعل خجلًا وترقص أهدابها فرحًا ..لا وعد ولا وداع فقط هى نظرة من تلك الأعين الهاربة من رتابة تفاهة الكائنات. 

 اسدل شارة النهاية وارخ ساقيك واشعل لفافة تبغك المحلى وانفث دخانها فى وجه الشاشة وابتسم فأنت قد صنعت قصة لطيفة.



الإبتساماتإخفاء