حسام الدين يحيى - هولودومور



هولودومور 
وباء الجوع بالأوكرانية 

بقلم: حسام الدين يحيى 


(1)

صاحب الناى يعزف.. والراوي يحكى القصص...

حيث الحافة و الخلاء الشاسع، التمس بقدمىّ الحافيتين.. النحيلتين اﻷرض الجدباء الصخرية، أنحنى، أداعب بروزها بأصابعي .. ينتشر الغبار حولي بينما تتلاعب به الرياح لتصنع دوامات صغيرة .. تطاردني في وقفتي ، أكابد جاهدةً أن أقتحمها بيدي .. فتتشتت بعضها .بينما يظفر بى البعض اﻷخر .. تهدأ فجأة كما بدأت فجأة .. بصرى يمتد إلى بعيد .. أطلال بالية لمدينة خربة .. ومرتفعات شاهقة تعتليها النسور .. أرسلني الجوع إليها مرة، كادت أن تقتلع إحدى عينيّ .. وفى غرفة سقفها صفيح صدئ أختبأت عدة أيام بين اﻷطلال ولم أكرر فعلتي مرة أخرى ..  وبين جسد مثقل بالتعب، ومعدة خاويةً، أجلس القرفصاء، أشعل النيران، وألتقط من خِوان ممتد أمامي بعضًا من اللحم والعظام المتناثرة عليه، عظام ولحم فئران وغربان، أنا ورائحة الشواء، وصوت تكسر العظام، تمتلئ معدة ليوم .. أخر .

صاحب الناى يعزف .. والراوي يحكى القصص ..

سقطت المدن إلا واحدة، أسوارها عالية، ودفاعاتها عاتية ، يوم انتشرت الذئاب تشاركواالمصير، والأحلام ، والأوهام، خارت القوى ، ورحلت الأرواح وانتشر الموت.. نعقت الغربان ، نعقت الموتى ، وحدهم عاشوا.. على قربان من أجسادنا.

(2)

صاحب الناى يعزف .. والراوي يحكى القصص..صوته أجش..

ابنتي ترقص حولهم ، وصِبية الحى حفاة .. ملابسهم بالية.. يتنازعون خلف فأر جبلي سمين ، ابنتي لا تقدر على الحراك .. على التراب جسدها ممددًا ، أتأملها مرارًا وتكرارًا.. أتحامل على نفسي وأضع في فمها صخرة صغيرة تلوكها .. علها تسد جوعها.. تنبش أظافري التراب ، تنحت حفرة تستوعبها ، تبتلعها كتنين أخضر ، كلون اختفى من عالمنا ، أتذكر حقول الذرة الخضراء ، أنا وابى كنا نأكل منها ونرتمى على أخضرها ، منذ الكثير .. أنظر إليها ، أنتظر القرار ، تخدرت المشاعر وأصبح كل شيء متساوٍ بعد المجاعة الكبرى ووطئ الفاجعة ،الموت والحياة سيان .. فلتترفق بنا يا إللهي ولتغفر خطايانا .

(3)

بأقدام حافية دامية، تخطو فوق الرمال الملتهبة ..تهب الرياح العاتية فتخبئها منهم ، ترفع عصاها الخشبية المعوجة ،تحاول أخافتهم ،تخور قواها ، تسقط ، تعتدل ، ترفع عصاها من جديد.

- لن تأخذوها منى بسهولة أيتها الجوارح .

أزيز الرياح، وانتصاف قرص الشمس يعمى عينيها، فتلوح بعصاها، تضربهم بعشوائية .. يبتعدون ..يستقرون فوق شجرة جدباء .. تلتقط أنفاسها وتعدل عربتها التي تجرها، ومن بعيد تدنو أسوارهم العالية رويدًا رويدًا .. فيدب أمل جديد للحياة .. يوم تنتشر الذئاب وتبدأ المقايضة .

"أه لو يمهلني الراوي قليلًا."

أسوارهم العالية و أضوائهم الساطعة وتلك الضوضاء الناتجة عن احتفالاتهم تفسخ أعضائها .. تتقلص أمعائها، تتألم، تفرغ عصارتها الصفراء على الرمال،تقترب منهم فيهربون لمدينتهم .. تصرخ بهم.

- من يشتريني...؟

 فحيح لصوت أجش .. "عجوز شمطاء لا نفع لها".. تكشف الغطاء عن عربتها تتأملها للحظات ،تغيم السماء .. متشققة الشفاه .. زائغة البصر .. تتمتم بكلمات ليس لها معنى .. ترفع العربة التي تجرها منذ أيام فتظهر أبنتها لهم بوجه نقى،تعرض بضاعتها فتتلقى القبول .. تنفتح اﻷسوار .. سمين ملتصق اﻷكتاف واﻷفخاذ ..يتدلى منه كرش عظيم .. حقيبة سوداء تمتلئ بما يسد جوعها لأسبوع كامل .. تتركها لهم .. وتتلقفها منه ..تتجاهل أناتها وتوسلاتها .. صرخاتها .. تسمعه من بعيد يهتف بأحدهم .. 

-اطلقوا الذئاب ..

مسرعة ترحل بينما تحتضن أبنتها ..الجديدة.

حيث الحافة و الخلاء الشاسع، صاحب الناي يعزف .. والراوي يحكى القصص.. يرى من بعيد جثة ملقاة على الطريق.. تتلقفها الذئاب .



الإبتساماتإخفاء