د. السيد أحمد - رحلة الي كوابيس محمد خيرالله المملة



رحلة داخل كتاب "كوابيس مملة" للكاتب محمد ممدوح خير الله


بقلم: د. السيد أحمد


   بدعوة من بعض دور النشر، حضرت مع الكاتب الكبير أشرف توفيق حفل توقيع كتب لمجموعة من الكتاب الشباب، وأثناء حضور حفل توقيع كتاب "إنسان افتراضي" للكاتبة الشابة رنا جيرة الله، ولدار "إبداع" للنشر، تشرفت بلقاء مجموعة من الشباب، وقامت الكاتبة الشابة المتألقة بإهدائنا نسخة من كتابها وطلبت منا أن نعد نقدا له، تشرفت بلقاء الكاتب الشاب محمد ممدوح خير الله، وطلب مني أن أعد نقدا لكتابه القادم "كوابيس مملة"، وفعلا حضرت ومعي الزميل أشرف توفيق حفل التوقيع، وأهداني الكاتب نسخة من كتابه، ومذيلا بإهداء ظريف منه، وهمس في أذني بإلحاح أن أعد دراسة عن العمل.

   كان أول انطباعاتي هو العنوان -كوابيس مملة- واحترت لماذا اختار أن يكون عنوان ديوانه الثاني، بعد الديوان الأول له "ضحكة فردي" الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في عام 2011، ولكنني لاحظت أن الكاتب قد عنون كتابه بعبارة "أوجاع بالعامية المصرية".


   قرأت الكتاب مرة، وكان انطباعي الأول أن "كوابيس مملة" من الكتب السريعة الهادفة، وعلى خلاف المسمى فهي ليست بالكوابيس وليست بالمملة.

يأتي الكتاب في 120 صفحة، وعدد من القصائد تمت كتابتها فى الفترة ما بين عام 2011 – 2015، وهي فترة مملوءة بالأحداث التي تغيرت فيها الرؤى والأفكار.

  كان انطباعي الأول أن القصائد المكتوبة تريد جوا من الإبحار داخل عقل الكاتب، أبحرت بقاربي داخل بحيرة فكره، ذات المياه الزرقاء الهادئة في بعض المناطق، الساكنة الوديعة في مناطق أخرى، وحملني قاربي إلى أمواج عاتية وعواصف قوية، حاولت أن ألملم شتات نفسي خوفا من الغرق داخل مكنون الغيب داخله. كانت بحيرة فكره متقلبة، شعرت فيها بمدى معاناته، التي امتزجت بالإرادة والخيانة، والمناجاة والعشق، والتحدي والحب:


كتر الوجع بيعلم الرحمة 
ولكل قاعدة شواذ 
أعرف حبيبة من يومين 
كانت بتحلم بالسفر في عيوني .. عمر 
واليوم بتمشي ع الجسد 
شبه إللي مشيوا في الميدان 
فوق صورة لرئيس قد طغى


يسرد أوجاعه بلهجة عامية بسيطة، تجعل المتلقي في ترقب وتحفز متغير، ولقد استطاع بحرفية واضحة أن يمزج مكنون فكرته لتعبر عما يدور فى ذهن القارئ قبل أن تمتزج بأريحيته، وأعتقد أن الكاتب يملك فكرة داخلية وخبرة مسبقة، تنم عن أنها ليست المرة الأولى له فى هذا المجال، وإن كنت أعتقد أن التعبير العامي لدى الكاتب نابع من امتزاجه بالواقع الفكري الذي ينتمي إليه، واستطراده يؤكد الفكرة الداخلية الكامنة فيه:

مين إللى قال 
كتر الوجع بيعلم الرحمة 
هذا الغبي 
لو كان عرف إن فى القسوة حياة 
مكنش مات 
علشان بيغلط كل مرة في اختباره
ومكنش شاف شكله 
وهو صعبان ع الصحاب 
لو كان حجر كان وفر الدمعة 
كان اكتفى بضحكة

الكاتب يحمل داخله مزيجا من المشاعر المختلفة، الترقب، والقلق، والأمل، والرفض، والمعاناة، والتطلع، والتوسل، والحب، والخجل، والبعد والقرب، والمصالحة مع النفس والغير، مزيج من الآهات والصرخات والدموع والفرحة:

يا كل أحلامنا البريئة 
يا كل ثانية بتتولد 
تخطف وراها العمر خطف
زي ما بتخطف دقيقة من دقيقة 
يا قلب معجون بالأمل 
العمر قصة 
وإللي مكتوب لك يادوب
هو الحقيقة

ثم يعود الكاتب ليؤكد فكرة ما تبدو عالقة في ذاكرته الداخلية، يريد أن يصرخ بها:

إمبارح 
أنا شفت في الحلم 
على إيدك بنت بتشبه لك 
وبتحضني كف النونو بقلبك 
وبتضحكي بشويش من فرحك 
إمبارح 
أنا كنت فى حلم 
وصحيت وأنا روحي بتنده لك

ومن ثم يعود الكاتب في حساب مع النفس ومناجاة للواقع، الذي يحمل فكرة التوتر فيه:

ليه بتسرقي فرحة عيوني 
شبابيك عيونك واقفة ليه 
بيني وبينك 
والليل سرق منك براءتك 
والسلام .. خلص الكلام

الكلام فيه المعنى المدفون داخله والتعبيرات البسيطة السهلة، واللغة الفكرية العميقة تحرك داخل المتلقي مزيجا من التأمل والفكر:

مش حكاية ع الورق سابت قصايد 
أو رسائل 
الحساب مش بس جمع 
والعيون مش بس دمع 
كل يوم بيمر .. بتقرب نهاية 
م المشاعر قلبي رص وقال 
كفاية

ثم يعود الكاتب في قصيدة أخرى ليؤكد حالة الرفض لديه:

عن إحساسك 
إللي الوقت بيخسر مرة 
يفكر روحك بيه
فتعدي سنينك زي الثورة ما عدت 
وفي غمضة عين 
تلاقيك مش فاكر إن إمبارح 
كان عمرك لسه 
معداش العشرين
وإن كنت بتحلم 
نفس الحلم الحالي

والكاتب بدأ الديوان بمجموعة من الانطباعات العامية تصف الحالة الداخلية لديه، ففي اللمحة أو القصيدة رقم 1 ومطلعها "كان لسه عمري بيبتدي" تعبير عن الإرادة، وفي القصيدة رقم 2 ومطلعها "عارف إنت لما تبقى الصورة واضحة" تعبير عن الإحساس بوجع الخيانة، وفي القصيدة رقم 3 ومطلعها "كان لسه طفل بيتولد" تعبير عن المناجاة والشفافية داخله، وفي القصيدة رقم 4 ومطلعها "ياريتك تصحي لثواني" تعبير عاطفي مملوء بالعشق، وفي القصيدة رقم 5 ومطلعها "مجرد وجودي في حياتك" إحساس التحدي والإرادة، وفي اللمحة رقم 6 ومطلعها "كانت الشمس اتحادي" تعبير ووجع داخلي، يصف حالة الحب لديه.

وهكذا، أخذ قاربي ينتقل داخل وجدان الكاتب وعلى سطح بحيرته، من لمحة إلى أخرى، ما بين هدوء وانفعال، وألم وعشق، لما يقارب 27 لمحة، وزورقي يتمايل تارة ويعلو تارة أخرى، وتقذفه الأمواج مرة ويختبئ خلف الصخور أخرى، حتى رسا بي على شاطئ هادئ مياهه زرقاء، فقفزت من داخله لأقف في مواجهته، إنه الشاعر محمد ممدوح خير الله، المبتسم دائما، البسيط في معناه، والبعيد فكرا، والسهل الممتنع في أدائة.



عدد التحميلات : مره

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء