عمر ثروت - الطبقة الوسطى والثورة الاجتماعية





الطبقة الوسطى والثورة الاجتماعية 


بقلم: عمر ثروت 



إن الفلسفة الاجتماعية السياسية هي عبارة عن رؤية للمجتمع المنشود بنائه، مشروع يحدد أبعاد البناء الاجتماعي، من حيث هيئة بنيته الطبقية و هوية بنيته الثقافية، و بذلك تكون الفسلفة الاجتماعية السياسية هي خريطة طريق بناء المجتمع، وبوصلة التوجات السياسية والاقتصادية، و بإختلاف المدارس الفكرية والأيديولوجية تختلف الفلسفات الاجتماعية السياسية، وتختلف معها نماذج المجتمع المنشود بنائه، فهناك من يتوج طبقة الأثرياء (إقطاعي أو رأسمالي أو غيرهما) على قمة الهرم الاجتماعي والقوة الحاكمة للنظام الاجتماعي السياسي، و هناك من يضع الطبقة العاملة في قلب النظام الاجتماعي السياسي كله، و هناك من يدفع بإتجاه مركزية الطبقة الوسطى في النظام الاجتماعي السياسي (و البيان القومي من رحم هذا التوجه). ولا ينحصر الأمر على التوجه الطبقي فقط، فهناك مثلاً النماذج التي تضع فئة معينة في قمة الهرم الاجتماعي و في المركز الحاكم للنظام الاجتماعي السياسي (النخبة الدينية أو النخبة العسكرية مثلاً).

والطبقة الوسطى بالنسبة للبيان القومي هي قلب الثورة الاجتماعية، ومركز إعادة هندسة البناء الاجتماعي بأسره، و هذا لا يتعارض مع كون البيان القومي وطني/قومي غير طبقي، يستهدف بناء المجتمع ككل، فهناك فارق هائل ما بين طرح سياسي اجتماعي موجه للطبقة الوسطى بعينها، وما بين طرح البيان القومي الذي يستهدف وضع الطبقة الوسطى في موقع القائد للنظام الاجتماعي السياسي، والقاعدة التي تحمل البناء الاجتماعي وتحافظ على إتزانه، ونرى أن طابع الأطروحات القومية العربية ينطبع على مركزية الطبقة الوسطى، فهي كانت الرحم الذي تمخض منه الفكر القومي وأفرز مفكروه، كما أن تجارب الأنظمة القومية المختلفة في أكثر من قُطر عربي نتج عنها توسيع للطبقة الوسطى على حساب تقليص الطبقات الدنيا (بصعود شرائح على السلم الاجتماعي) والعليا (بإحلال الدولة محلها) معاً، دون الإخلال بضمان الأمن الاجتماعي للطبقات الدنيا.

وعلى هذا الأساس يكون السؤال الآتي، إذا كان البيان القومي يهدف إلى الثورة الاجتماعية للمجتمع المصري كي يحمل المشروع القومي، هل الطبقة الوسطى المصرية جاهزة على لحمل مشروع بحجم البيان القومي؟ بمعنى هل هي قادرة على أن تكون العمود الفقري للبناء الاجتماعي بأسره؟ ثم نتسائل هل لدي الطبقة الوسطى المصرية العزيمة على خوض معركة الثورة الاجتماعية؟ والأهم هو هل لديها القدرة على القيام بالثورة الاجتماعية والسياسية؟ وأخيراً نذهب إلى المسألة القومية التي هي غاية البيان القومي ونسأل هل لدي الطبقة الوسطى المصرية الوعي الوحدوي العربي؟

نأتي للإجابة عن السؤال الأول المتعلق بقدرة الطبقة الوسطى، والإجابة المباشرة هي لا، الطبقة الوسطى غير قادرة على حمل مشروع البيان القومي ولا تستطيع أن تكون العمود الفقري للهرم الاجتماعي، فبعد حرب أكتوبر ١٩٧٣م، كان المطلوب هو نقض المرحلة الناصرية، بل ويمكن القول أن من أساسيات إلحاق مصر بالمنظومة الإقليمية "الشرق أوسطية" الأمريكية وربطها بالنظام العالمي الأمريكي هو الإنقلاب على حقبة النضال التي بدأت منذ ١٩٤٥م وحتى حرب أكتوبر (ولفظت آخر أنفاسها في يناير ١٩٧٧م)، و طمس توجهات الإستقلال والعدل الاجتماعي والوحدة العربية والتحديث، وكي يتم هذا الإنقلاب على تلك الحقبة، وحتى تنجح عملية نقض المرحلة الناصرية كانت الطبقة الوسطى في مرمى الضرب. فالطبقة الوسطى هي قلب حركة المجتمع و وقود نهضته، إشعاع الفكر والثقافة وخزان الحيوية الاجتماعية، مولد الطاقة القادر على الدفع بإتجاه التطور التقدمي، والحافظ لمنظومة القيم، وطالما أن الحقبة السالفة الذكر كانت تنشد التحديث والتقدم والإستقلال والوحدة القومية، فكان من المنطقي أن يكون دور الطبقة الوسطى فيها محوري، وأن تتوسع قواعدها وتنشط حركتها، تبث حيويتها في جسد المجتمع وتغسل وعيه بفكرها وإبداعها، ولهذا كان ضرب التجربة الطبقة الوسطى من صميم الإنقلاب على مرحلة النضال وضرب التجربة الناصرية. 

فكانت الأداة هي النظام الاجتماعي السياسي الذي بدأ تدشينه بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣م - و مستمر حتى اللحظة - والذي شكَّل طبقة جديدة موصولة بشبكة المصالح الإقليمية / الدولية، وتعد ركيزة إلحاق مصر بالمنظومة الإقليمية الأمريكية، مع تكليفها بمهمة سحق الطبقة الوسطى، فنظرة واحدة على مدى تآكل الطبقة الوسطى بين عامي ٢٠٠٠ و ٢٠١٥، سنجد أنها إنسحقت من ٥،٧ مليون شخص إلى ٢،٩ مليون شخص، في حين أن التعداد السكاني عام ٢٠٠٠م كان ٧٥ مليون نسمة مقابل ٩٠ مليون عام ٢٠١٥م.

فهذا النظام الاجتماعي السياسي قد شكل مجتمع ذو الطبقتين، طبقة أقلية تملك ثلاثة أرباع الثروة، تركيبها يضم الطبقة العليا مُلحق بها الشرائح العليا من الطبقة الوسطى، وطبقة أغلبية نصيبها الربع المتبقي، تركيبها يضم كل شرائح المجتمع الأخرى، كي تستمر معادلة الإستغلال هذه، وكي يثبت هذا النظام أركانه على أنقاض ما سبقه، كان لابد من تجريف الأغلبية والعبث بوعيها الاجتماعي والقومي كي يمرر دوران مصر في الفلك الأمريكي، وكان من الضروري إفقار الأغلبية لتسهيل إخضاعها بسطوة الثروة وإمتلاك وسائل الإنتاج، وكان من المهم خنق قنوات الحرية السياسية كي تحشر مطالب الأغلبية في حناجرها، مع إستخدام عصا القمع لتسوية أي تمرد على مثل هذا النظام.

والهجوم على الطبقة الوسطى لم يكن فقط بإسقاط شرائح عريضة منها على السلم الاجتماعي وزجها في دوامة معاناة الطبقة الدنيا، أو بدمج الطبقة الوسطى - بإستثناء الشرائح العليا منها - مع الطبقة الدنيا في طبقة الأغلبية (الـ٩٠٪) المُستغلة، ولكن أيضاً بالوافدين الجدد إلى الطبقة الوسطى عبر قنوات ترقي اجتماعي غريبة عنها، ليس بقنوات العلم والكفاءة والاجتهاد (والتي ضاقت بأكثر مما يجب بسبب فساد النظام الاجتماعي السياسي)، وإنما بقنوات فاسدة تنتمي لطابع هذا النظام، أو جاء هؤلاء الوافدون من قواعد البترودولار، ومن ينتمي للطبقة الوسطى من خلالها يكون ملطخ بمفاهيم وعادات وفكر غير أصيل مع فكر الطبقى الوسطى المصرية، مختلف عن الوسطية والتقدمية والقومية العربية والتنوير الأصيل.
  
إذاً فالمطلوب أولاً هو بناء الطبقة الوسطى و توسيع قواعدها حتى يتسنى لها حمل البناء الاجتماعي الجديد على أكتافها، في مقابل محو الطبقة العليا من البناء الاجتماعي، وهو ما نطلق عليه الثورة الاجتماعية في البيان القومي - والبيان القومي يمكن أن نعتبره صرخة من ثنايا الطبقة الوسطى للثورة الاجتماعية والقومية العربية - فالطبقة الوسطى منهكة و مُجرفة بشكل قاسي، مما يستدعي عملية إعادة البناء النفسي و الثقافي و الجتماعي و السياسي للطبقة الوسطى، فحال الفن من حال الطبقة الوسطى، وحال الإبداع من حال الطبقة الوسطى، وحال اللغة والسياسة، حال منظومة القيم، كلها من حال الطبقة الوسطى.

و من هنا ننطلق إلى الإجابة عن عزيمة الطبقة الوسطى على القيام بالثورة الاجتماعية والسياسية، نعم قد تفتر العزيمة لحظة، ولكن أسباب إشعال الطبقة الوسطى لفتيل الثورة قائم بقيام أسبابها - فنفس النظام مازال قائماً بنفس بنيته الطبقية المشوهة والتي تضغط على الطبقة الوسطى -  ومنذ يناير والانفجارات الاجتماعية كانت مشعلتها هي الطبقة الوسطى. لأن الطبقة الوسطى هي الأكثر وعياً بعدم مشروعية تراكم ثروات الطبقة العليا (فعصر كامل من الفساد السياسي و الاجتماعي لا يمكن إستثناء مسألة تكوين الثروات وتنحيتها جانباً)، و هي الأقرب للشعور بالإستفزاز من حيث مشاهدتها للبذخ والتخمة من جانب الطبقة العليا، ومعايشتها للفقر والمعاناة للشرائح الدنيا من المجتمع، وهي الأكثر معاناة للتناقضات الحادة ما بين شرعية الترقي الاجتماعي لعناصرها على أساس العلم والكفاءة والاجتهاد، وما بين واقع الترقي الاجتماعي "النخبوي التوريثي" الذي يسد شرايين الكفاءة و يفتح مسالك الواسطة و المحسوبية و التوريث، وهي شاهدة على تأثير أنماط إستهلاكية وسلوك و طقوس اجتماعية متغربية (متأمركة تحديداً) وافدة على المجتمع من أعلى إلى أسفل.

فالسلام الاجتماعي ينتج عن نظام اجتماعي سياسي عادل و حيوي، يتقدم بالمجتمع نحو التحديث ويتسلح بالعدل والمساواة وتكافؤ الفرص، وهذا ما لا يقدمه النظام الاجتماعي السياسي القائم، بالعكس فهو يولد شحنة إنفجار اجتماعي جديد، لن يكون هذا الانفجار ثورة جياع كما يُروج بإستمرار، فالطبقة الوسطى أسبق في الفعل الثوري، لأنها ترى الظلم وتعيش تفاصيله، وتتابع زحف الفقر نحوها، وتركض وراء سراب العدل الاجتماعي من نظام إستغلالي تجريفي فاسد ومفسد، و يتسع أفقها للتغيير الاجتماعي الجذري.

ومن هنا ندخل لمسألة القدرة، هل الطبقة الوسطى المنهكة والمتآكلة قادرة التأثير في الواقع الاجتماعي والسياسي بما يُحدث التغيير الجذري فيه؟ نعم وبكل تأكيد، الطبقة الوسطى قادرة على الثورة الكاسحة، فحذاري من غضب الطبقة الوسطى، فحركتها تدفع حركة كتل هائلة من الأغلبية، من حيث وجودهما تحت نفس المظلة، مظلة الاستغلال و التجري.

نصل أخيراً لمسألة الوعي الوحدوي العربي، قد تكون مصر بطبيعتها الخاصة يتأرجح بندولها بإستمرار بين الإنعزال داخل حدودها والخروج منها للتواجد في محيطها، وهي الآن في حالة إنعزال وتقوقع، إنعزال يصل لدرجة حالة إنكار أن محيطها العربي ينهار، وأن زحف هذا الانهيار في طريقه لينال منها، فمن أجل نجاح الإنقلاب على التجربة الناصرية، كان لابد من محو أي أثر للوعي القومي، وقد تم ذلك بعملية واسعة لتمييع الوعي القومي العربي، لم تسلم الطبقة الوسطى منها، ومن هذا المنطلق يجب بذل كل الجهود التي تبلور الوعي القومي لدي الطبقة الوسطى، كي تدرك أن الظرف التاريخي الراهن في منتهى الخطورة، وأنه لا سبيل أمام مصر كي تبني قدراتها سريعاً كي تمتلك أدوات الفعل والتأثير في الوطن العربي، لتسد الثغرات و تملأ الفراغات - بصفتها قوة عربية - الناتجة عن إنهيار قوى الوطن العربي في مواجهة القوى الأجنبية الطامعة، فلا مستقبل لأي قُطر عربي منفرداً - ومصر ليست إستثناء - إما التكامل والوحدة، و إما جرف مد هذا الظرف التاريخي الخطير الوطن العربي- و مصر بالتداعي - نحو الخروج من التاريخ.




شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء