سارة يحيى - الانحراف المعياري



الانحراف المعياري 

بقلم: سارة يحيى 


الانحراف المعياري هو القيمة الأكثر استخدامًا في الإحصاء ، و أنا شخصيًا في كل مادة اقتصاد و إحصاء كنت أصادفه في كل المعادلات و القوانين و كان من شروط النجاح في جزء الإحصاء هو قدرتك الفذة في العثور علي الانحراف المعياري و اكتشفه من أجعصها مسائلة لأنه سيكون رفيقك طول الامتحان .

و لا أخفيك القول أنني رغم نجاحي كل سنة بتقدير كبير في الإحصاء لا أعرف الانحراف المعياري أساسًا و لا ما يقيسه لأن الدكتور و من قبله الأستاذ لم يتطرقوا لذلك الجانب أبدًا ، لم يخبرنا أحدهما ما هو الانحراف المعياري ؟ فيما يستخدم ؟  فقط تدريبات و تمرينات و قوانين  أنما ماذا يعمل الانحراف المعياري في الحياة أم هو لا عمل لديه غيره أنه يحشر نفسه في القوانين ! لم يخبرنا أحد .

ما علينا من الإحصاء و مفاهيمها و نكتفي الآن بتعريف بأنه يقيس انحراف شيئا ما في شكل نسبة أو معدل .. و بما أن المجتمع هو ساحة إحصاء كبيرة فالانحراف هو الأكثر استخداما فيه ..

فسوف أعطيكم مسائلة و أريد منكم حساب الانحراف :

فتاة تعرفها مجرد معرفة كفتيات الجيران و جيران الأقارب المقربون قليلًا الذين تتردد عليهما مرة أو اثنين شهريًا  ، تجلس عندهم فتدخل تلك الفتاة في حالة مزرية من العنف و مستعدة للهجوم عليك إذا قولت أي كلمة تحتمل معنيين و ما أكثرهم ! ، (ع) فتاة في مثل سني تعيش مع خالتها التي لا تنجب و التي بلا زوج و هذا لأن والدها انفصل عن والدتها و بني حياة أخري اكتشف أنه لا يحتاجها فيها و والدتها  تتزوج مرة كل سنتين علي الأقل علي حسب السوق . 

   و (ع) في الجامعة تتعرف و تتصادق حيث قصص الحب تباع بالجملة و بأرخص الأسعار ، فالتقت بأحدهم و حدثت قصة الحب المعتادة في الواقع و ليس كما يرويها القائمون بين صفحات الفيس بوك من صور و لايكات و مواقف غالبًا لا تحدث في أعتق الأفلام الرومانسية بل مجرد شخصين تحادثا من الثانية عشر ليلًا للسادسة صباحًا بفضل باقات الهاتف  و تبادلا رسائل علي الواتس أب و الفيس بوك و ترددا علي  أماكن العشاق و الخروج عمومًا في إسكندرية التي تتمثل في الكافيهات و السينمات و السير علي كورنيش البحر  ثم بحبك و بحبك و يحتضن البطل البطلة و يقبل جبتها ، و مع وجود عامل الخالة التي أعلنت استعدادها لدفع كل التكاليف ليتزوجا خلال أسابيع و يعيشا معها كانت الحكاية في غاية السهولة  .

لذا في أجازة السنة الثالثة من الجامعة كان زفاف (ع) و تزوجت و أنجبت في بداية السن الرابعة طفل ، و بعد شهرين من وجوده اكتشفت في موقف دراماتيكي كوميدي زوجها مع والدتها في شقتها ، و علاقة بدأت من يوم فرح الابنة التي رأت فيه والدتها عريس ابنتها لأول مرة و أعجبت به و أعجب بها الآخر  و ذاك الوصف اللبق للموقف .. عريس يعجب و يشتهي والدة عروسه ؟! . 

لدينا الآن الأم و الزوج و الابنة التي اكتشفت العلاقة و الطفل،  و النتائج هي أنه حدث طلاق ثم زوج الزوج من الأم عرفيًا .. و خالة لا تبالي إلا بوجود الدمية التي عوضتها عن وحدتها و حتى و إن كانت تضرها و لم تحاول شرح قواعد الحياة البدائية لها رغم أنها معلمة يعني وظيفتها الشرح . 

و بغض النظر تمامًا عن الدين و الشرع و القانون  ، و بغض النظر أن جميع الجالسين السامعين للحكاية انهالت تعليقاتهم علي الأم باعتبارها الخاطئة الوحيدة في حين أن الزوج الملاك الذي أغواه إبليس ليخرج من جنة الزوجية _ الذي لم يفعل شيء ليحصل علي تصريح دخولها _  إلي نار الأم ، وبغض النظر أن كل شخص للأسف مسئول عن تصرفاته طالما ليس - عبيط – يعني أن الملاك ترك الجنة للنار لأنه يريد ذلك حتى ضمنيًا علي الأقل و أن الأم دي طبيعتها و ليس من المنتظر تغير طبيعتها نظرًا لصلة القرابة ، و بغض النظر عن المحاكمات التي تدور في كل حديث عن ماهية هذه الأم الشنعاء و بعض التجاهل للذي أراد حماته ليلة زفافه لأنه راجل و بالمناسبة هذه الذكورة لا تعفيه من كونه مخطئ دينًا و شرعًا و قانونًا و إنسانيًا .

 إلا  أن الحكاية توحي بنسبة انحراف لا تتمثل فقط في (ع) و حكايتها و لا تسرعها في الزواج و الإنجاب أنما في مجتمع يعاني من مشاكل تم تناولها في مختلف السنين في الأفلام العربية و لم يحلها للآن ، و علي مواقع التواصل الاجتماعي يدعون المثالية  بإفراط ، الأمهات التي تتفهم و تسمع و تعمل و تقرأ كأمهات أبطال نور عبد المجيد ، و قصص الحب المثالية التي تنتهي بالزواج السعيد و  الاحتفاء  بالفوتو سيشن  ، ملحميات عتيقة علي الفيس بوك و انسجرام في شكل بوستات مصورة لصور عائلية سو كيوت  .
الجميع يتمتع بالطيبة و مظلومين  ، يتسموا بالوسامة و خفة الدم و الأخلاق .. مثالية مريضة يا عزيزي ! .

مثالية تجعلني أشعر أن أبطال هاروكي موراكامي طبيعيين  جدًا بالنسبة إلينا ، و أن رغم براعة و غرابة أسلوبه الفانتازي الواقعي إلا أننا قد فوقنه فانتازيا للواقع و أصبحنا نسبة إليهم أشد غرابة و  كأننا علامات تعجب تتحرك علي أرض الواقع . 

 مع العلم أن الجميع يظن نفسه مختلف ، و هم مختلفون بقدر فيلم منتج في الستينيات أعاد إنتاجه في الثمانينات تحت غلاف جديد و اسم جديد و بالألوان  . 

أنها المسائلة العويصة  التي أريد منك أن تحسب من معطياتها نسبة الانحراف المعياري للمجتمع ؟ . 



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء