داليا عادل - زمان ودلوقتي (11) - أنا والطفلة





زمان ودلوقتي (11) - أنا والطفلة


بقلم: داليا عادل 


ده المقال الحادى عشر فى  سلسلة #زمان_ودلوقتي

كيف كنت كطفلة؟ أتذكر كيف كان يراني الناس وأتذكرني حين أنظر للوراء وأراني. لا أعرف إن كان للطفلة تصور عن نفسها غير كونها فتاة سيئة. كنت طفلة لطيفة محببة مقبلة على الناس خاصة من يفيضون علي بالحنان. لكني لم أكن طفلة اجتماعية. كنت جريئة مقدامة مقبلة على التجارب. أحب الطبيعة من طفولتي. كنت أميل إلى العزلة والتأمل. حديثي الداخلي أكثر من حديثي الخارجي. هادئة؛ لا أتحرك كثيراً ولا أسبب المشاكل. وفي نفس الوقت شقية وحركية. أتسلق الأشجار وأحب اللعب في الشارع وأركب الدراجات ولا أبالي حين أسقط. لم تؤثر في أبداً الأسئلة الاستنكارية من نوعية "ده منظر ركب بنت؟!" (أو رجلين أو إيدين أو شعر أو هدوم – حسب الموديل وقتها). لم تؤثر من منطلق أن توقفني عن نشاط أستمتع به وأجد نفسي فيه. لكنها بالطبع كانت تؤثر على نواحي أخرى نفسيا. كنت متفوقة في الدراسة ومشتركة في العديد من الأنشطة الموسيقية والرياضية والثقافية بحكم ميولي وبتشجيع الأسرة التي كانت داعمة بشدة على هذا الصعيد. أحببت القراءة من صغري أحببت الأكوان التي تأخذني الكتب إليها وكيف كانت تسكن روحي كل القصص التي أقرؤها. كذلك عشقت الكتابة من صغري وكنت أستخدمها للتعبير عن كل ما لم أكن أستطيع البوح به لأحد. 

كنت أبكي مع نفسي أحياناً دون سبب أعلمه. ثم تطورت "أحياناً" لتصبح "كثيرا". وصرت أبكي كل ليلة قبل أن أنام حتى أنام. في النوم كانت تراودني أحلاما ثابتة. الحلم الذي استمر طوال سنوات طفولتي الأولى كان حلم الهروب. أراني أصحو في منتصف الليل أجمع ملابسي – لاهثة في خوف – لأهرب من المنزل. ثم أصحو لاهثة على إحساس برودة وخوف لحظة الهروب. وفي نهايات المرحلة الابتدائية توقف هذا الحلم وبدأ حلم السقوط. كنت أراني نائمة على جنبي على سرير رفيع جداً موضوع على حافة سطح عمارة عالية جدا ثم أتقلب فأسقط من على السرير وأهوي من فوق سطح العمارة. وأصحو على إحساس السقوط الرهيب وكأن روحي تنسحب مني. كنت أحاول أن أؤذي نفسي جسدياً وأستمتع بذلك: أمواس .. مواد كيماوية .. أدوات حادة .. أدوية .. أي شيء. 
كنت دوماً ألوم نفسي وأرى نفسي طفلة سيئة. وأن ما حدث – تجربة التحرش – حدث بسبب كوني طفلة سيئة. وأنني كان يجب علي أن أفعل شيئاً لأوقف ما يحدث؛ ولكني – لأنني سيئة – لم أفعل شيئا. كان لدي إحساس دائم بالعار .. بالخزي. لم أكن أدرك أبعاد التجربة التي كنت أمر بها ولم أفهمها. الشخصية التي كانت تقيم تلك العلاقة معي كان قد أفهمني أن ما يفعله معي طبيعي وعادي جداً ويحدث مع كل الفتيات مثلي. ولكنني – بالفطرة دون فهم – كنت أشعر بشيء مريب وغير مريح يحدث. لكني لم أستطع أن أحكيه لكبار حولي ولا أسأل فتيات في سني إن كان نفس الشيء يحدث لهن. فقط حملت تركة الخزي والعار في صمت.

بلغت – جسدياً – حين كنت في الصف الرابع الابتدائي. وعشت مرحلة من الهوية الغير محددة: الطفلة الأنثى. رغم أنني – كما كان يعلق الجميع – كنت "عاقلة وسابقة سني" لكن روحي كانت مازالت روح طفلة. كيف يتحول الجسد لجسد أنثى بكل مشاعرها واحتياجاتها بينما الروح روح طفلة بريئة منطلقة غير مدركة؟ وكيف يتعايشون معا؟

وبعد سنوات قليلة دخلت في مرحلة المراهقة وبدأت أنسى الطفلة. ظلت ملامح روح الطفلة بداخلي .. شقاوتها .. نقاءها .. تقلب مشاعرها .. انطلاقها .. براءتها .. جرأتها. لكني لم أعد أنا الطفلة ولا الطفلة أنا. ولا علاقة ولا حديث بيننا اللهم غير لومي لنفسي المستمر بما في ذلك لومي الطفلة. ومرت سنوات كثيرة. سنوات غضب وحزن وألم وعصبية ومحاولات للخروج ثم سقوط ثم نهوض. وكل سقوط يتبعه سقوط أقسى ثم محاولات أكثر. وبدأت رحلة البحث عن التشافي. الطب النفسي ثم اليوجا والتأمل والقراءة والتحاور مع الذات والرحلة داخل الروح كما شاركتكم في مقالات سابقة.

حينما بدأت ممارسة التأمل كنت كثيراً ما أراني وأنا طفلة. دوماً أراني في نفس المرحلة العمرية – حوالي ثلاث سنوات – بنفس الفستان. كان فستانا محببا لدي. دوماً كنت أراني وحدي. ألعب أو أرقص أو أجري وسط أشجار أو على شاطئ .. وحدي. ثم سمعت عن فكرة ال inner child – الطفلة بداخلي. وكانت هذه هي البداية: الوعي بوجودها .. بكينونتها. وبدأت أستوعب أن الطفلة طالما كانت موجودة وتحاول التعبير عن نفسها وتلبية احتياجاتها والمطالبة بحقوقها؛ في غفلة مني وعدم إدراك.

كل العلاقات التي كنت أطالب فيها بالحب والحنان والاحتضان .. كانت الطفلة هي التي تطالب. كانت تطالب بفيض حب يشفيها ويطمئنها؛ فيض حب لم تشعر به مني أنا قبل المحيطين. كل المرات التي كنت "باتقمص" فيها حين لا أتلقى ما أحتاج من الحب؛ كانت الطفلة تحتج. فتصرخ وتدبدب برجليها وترتمي على الأرض وتعبر أنا البالغة عن تفاصيل تلك الحالة المعترضة المحتاجة داخل الطفلة "بالقمص". كل المرات التي كانت تذوب فيها كل جدران "القمص" بمجرد حضن أو قبلة أو لمسة؛ كانت تضحك فيها الطفلة حين يلتقطها أحدهم من على الأرض ويحملها بحنان ويحتويها بحب فتتوقف عن الصراخ والركل. كبالغة؛ كنت أرى الحالة كلها على أنها تصرفات "عيالي". وهذه حقيقة. لقد كانت الطفلة هي التي تحكم الموقف وتتصرف من خلال البالغة ولكني لم أدرك ذلك.

أعتقد أن جزءا كبيرا من الطفلة قد شفي خلال رحلتي مع نفسي. كل الجهد والتدريب لقبول نفسي وتقدير ذاتي ومسامحتي على كل تفاصيل الماضي لابد وأنه قد عالج – جزئيا – الطفلة التي كانت مرفوضة؛ وذلك بحكم كونها جزءا من كلي الذي كان مرفوضا وملاما ومدانا.

ثم تقدمت في رحلة التشافي. ومع انتظامي في ممارسة التأمل واليوجا ومع قبولي وحبي لذاتي صارت قنوات الاتصال بيني وبين نفسي أقوى. وصرت أكثر تمكناً من سماع صوتي الداخلي والتقاط الإشارات التي ترسلها لي روحي. وبدأت أسمع ذلك الصوت يوجهني للطفلة بداخلي ويقول لي أن هذا ما أحتاج أن أركز عليه في هذه المرحلة Healing the Inner Child. وبدأت أحتضنني. وحين أحتضنني أتخيل الطفلة بداخلي في هذا الحضن. فأمنحها قبولاً وحباً وحناناً موجهاً لها. وبدأت أدرك كم كنت قاسية عليها. حررتها وحررتني من كل مشاعر الخزي والعار واستبدلت هذه المشاعر بالفخر والثقة والامتنان لي ولها. واستمررت أراها في تأملاتي. بدأت أراها بداخلي. كأنها منزوية وقابعة في ركن من روحي. متكومة في وضع الجنين في ركن ساكن مهجور. أحياناً أراها تبكي. أحياناً أسمع أنينها. وأحياناً أكثر فقط أراها منزوية وقابعة في صمت متألم.

واستمر ذلك الصوت يدعوني لدعمها. ثم بدأت مع ذلك الصوت – في يقظتي – أرى مشهدا. ظل نفس المشهد يتكرر أياما. أرى جدتي رحمها الله – وقد كانت أكثر إنسانة مقربة لقلبي – تجوب أنحاء الشقة وأنا وراءها. طفلة في عمر عامين أو ثلاث ربما؛ تبكي وتدور وراء جدتها تطلب منها أن تحملها. في نفس المشهد أرى جدتي لا تستجيب لي. لا أراها من وجهها؛ فلا أعلم إن كانت مدركة وجودي واحتياجي ولا تلبيه أم أنها لا تسمعني من الأساس. لكن ما استخلصته من هذا المشهد؛ أن الطفلة بداخلي تبكي وتحتاج اهتماماً ولا تلقاه. الآن وأنا أكتب أشعر أن جدتي كانت مجرد رمز لأكثر شخص كنت أحبه وأكثر شخص أشعر بالحب منه تجاهي. ربما أن المشهد كان يقول لي أن هذا الشخص الذي يجب أن يمنح الطفلة الحب والحنان والأمان ويلتقطها ويهدهدها ويطمئنها هو أنا. الشخص الذي يجب ان يكون أكثر من يحب الطفلة وأكثر من يحتويها هو أنا. أنا الأقرب لها غير مستجيبة. وأن الحب والحنان الذي تحتاجه الطفلة لن يقدمهما لها طرف ثالث خارجي. المعادلة أنا وهي. 

على كل حال بدأت أحضر جلسات تأمل لعلاج الطفلة بداخلي. حضرت نفس التأمل عدة مرات – ربما خمس مرات؛ لا أذكر. في البداية فكرت أنني قد حضرت مرة مع نفس المدربة. لن يختلف الأمر لو كررت نفس التأمل مع نفس المدربة. ثم وجدتني مدفوعة لأن أكرره. ووجدت التجربة مختلفة في كل مرة!

ظللت أراني وحدي. ألعب أو أجري وسط الأشجار أو أتمشى على شاطئ البحر وحدي. كانت الطفلة تبدو على ما يرام. ثم بدأت أرى أعمق. بدأت ألمس الألم والحزن والخوف والبرودة بداخلها. في مرة من مرات التأمل رأيت صدرها ينشق لأرى بداخله كل الألم ويخترقني ثم يختفي المشهد وأعود أراها تلعب. 

ثم بدأت – أثناء التأمل – أرى مشاهدا أكثر إيلاما. بدأت أرى الطفلة في قلب تجربة التحرش. أرى ما يحدث؛ مثلما خبرته ورأيته مرات عديدة. ولكن لأول مرة أرى الطفلة فيه. أرى خوفها وذعرها وارتباكها واحتياجها. وتعجبت! كيف لم أر هذا المشهد من قبل؟ طبيعي جداً لطفلة مرت بتجربة بهذا العمق وهذا الألم أن تشعر بهذه المشاعر. كيف لم أراها؟ كيف كنت ألومها؟ كيف كنت أحملها المسئولية. وانفطر قلبي. ووجدتني أمتلئ رحمة بها. وأحاول أن أقترب. آخذ خطوات بسيطة وأترقب رد فعلها. هل تقبلني؟ هل مستعدة للانفتاح لي؟ أقرر خطواتي وفق طاقتها والإشارات التي تصلني منها. وأقترب. أرى مشاهداً مختلفة. مرات أراني أحتضنها ومرات تحتضنني هي. مرات أراني أبكي ومرات تبكي هي. مرات أحدثها ومرات تحدثني. مرات أطمئنها ومرات تطمئنني. ومرات نلتحم سوياً كياناً واحداً ممتزجاً في نفس الحالة من البكاء والضحك والخوف والطمأنينة والحزن والأمل والألم والتشافي. ووجدت أن القصة بداخلي ليست أن أسامح أنا الطفلة ولا أن تسامحني الطفلة. بل أن أسامح نفسي لقسوتي على الطفلة وعدم احتوائي لها. وأجدها – في التأمل – تطمئنني أنها بخير وأنني أحتاج أن أسامح نفسي وأنها تتفهم! يا الله! تبكيني رقتها وتسامحها أكثر وأكثر. وأرى أنها فقط أرادت أن تفتح عيني على ما مرت به ثم تحررني من القصة بكل تفاصيلها وأحمالها وميراثها من مشاعر وأفكار وتصورات. لنبدأ معاً صفحة جديدة من التواصل والاحتواء والدعم وكذلك الفرح والأمل والانطلاق.

ماذا تعلمت من كل ذلك؟ أننا ننظر لأنفسنا نظرة أحادية البعد بينما نحن مخلوقات معقدة مركبة. "أنا" لست فقط الكيان الحاضر حاليا. هذا الكيان يتكون من كيانات كثيرة. الطفلة والأنثى والإبنة والأخت والصديقة والعابدة والروح المتسامية والنفس البشرية والكثير. وكل كيان له ميراثه من المشاعر والأفكار والخبرات. إن لم نتواصل جميعاً ونتوصل لصيغة للتعايش السلمي والتسامح والقبول والحب فيما بيننا؛ يكون الصراع. تعلمت أن أدرك كل الكينونات المختلفة التي تكون "أنا". تعلمت أهمية الحوار الصادق المنفتح للتحرر. وأهم أدوات الحوار الوعي. لا يمكن أن أدير حواراً ناجحاً دون وعي بما أقوله ولماذا أقوله وماذا وراء ما أقوله وأين يأخذني ما أقوله. وكذلك الحال مع الطرف الآخر. 

ومثلما تعلمنا جميعاً؛ هناك فرق بين السمع والاستماع. أعتقد الكثير منا درس active listening  ولكن القليل منا يطبقه مع نفسه. بدأت أطبق active listening  مع الطفلة. الاستماع لها بتركيز واهتمام وحب. الاستماع دون أحكام ودون الانشغال بتجهيز رد. الاستماع بهدف التفهم والاحتواء وليس بهدف الدفاع عن نفسي أو إثبات أي شيء. الاستماع لما وراء الكلام؛ الاستماع لكل الحالة حتى لو كان الكلام بلا كلام. إعادة تأكيد ما فهمت وما شعرت به لأتأكد أن ما يصلني هو ما تعبر عنه الطفلة وتقصده. التحرر من كل ما أعتقد أنها تقوله وتقصده وتشعر به وكل ما أفترض أنه بداخلها فقط لأستمع وأتلقى ما ترسل لي كما ترسله لي.

تعلمت كذلك أن "اللي فات مات" وهم. "اللي فات" لا يموت. "اللي فات" هو ما وصلنا لما هو كائن الآن والذي بدوره سيأخذنا لما سيكون. لا شيء يحدث في الحياة اعتباطاً ولا شيء يمر مرور الكرام دون أن يؤدي دورا. كوني مدركة أبعاد ما حدث وتأثيره علي أو لا؛ أمر آخر. عدم إدراكنا بالشيء لا ينفي وجود الشيء. الوقت كفيل بكل شيء؟ ربما. الوقت كفيل لو سمحت له أن يتكفل بكل شيء. ولكي أسمح له أن يتكفل بكل شيء؛ يجب أن أدرك "الشيء" وأطلق سراحه وأترك الوقت يتعامل. وإن كان ما أؤمن به حقاً أن الحب – وليس الوقت – كفيل بكل شيء. تعلمت أنني يجب أن أفتح الصناديق المغلقة حتى وإن كانت مغلقة من عشرات السنين. مرور السنين عليها لن يفتحها ولن يحرر ما بداخلها. بل بالعكس. سيتراكم التراب والحشرات والعفن. فتح الصناديق المغلقة – خاصة إن كانت مغلقة من زمن بعيد – أمر مخيف. لأننا ربما لا نتذكر أصلا ما بداخل الصندوق. ولو كنا متذكرين ما وضعناه بداخل الصندوق فإننا لا ندرك حالته الآن. هل تعفن؟ هل استفحل؟ هل نمت له أنياب؟ هل تكاثر؟ هل تحول؟ ودائماً السؤال: هل سنستطيع أن نتعامل؟ تعلمت أنني لو تركت كل الأسئلة جانباً وركزت فقط على هذا السؤال الأخير وأجبت بالإيجاب؛ أستطيع أن أتقدم. نعم فتح الصناديق المغلقة يخرج الكثير من الألم؛ ولكنه يحررنا منه بعد أن يضعنا أمام المرآة لنرى أعمق أعماقنا. ترك الصناديق بحالتها ربما يبدو أسلم وأسهل في اللحظة الحالية. لكنه لا يساعدنا على تفهم أنفسنا. عندما أنظر للوراء الآن أجدني ممتنة أنني اخترت المواجهة بكل الألم الذي جلبته. الألم حالة – مثل كل حالة – هي فرصة للنمو. لولاها ما فهمت الكثير من أفكاري ومشاعري وتصرفاتي ولما أمكنني أن أمسك زمام الأمور وأغير الدفة. هذا طبعاً غير أن عدم المواجهة لا ينفي حتمية حدوثها. فقط يؤجلها. وفي الأغلب يؤجلها لتحدث في توقيت أصعب: وقت الانفجار.

الآن وأنا أكتب أغمضت عيني ونظرت بداخلي لأرى الطفلة. كيف حالها؟ ماذا تفعل؟ رأيتها منطلقة في حديقة واسعة يغمرها خضرة الشجر ونور الشمس؛ وسط أطفال كثيرون يطيرون طائرات ورقية ملونة. أسمع ضحكاتها الفرحة وأشعر بطاقتها المبتهجة. أراها تنظر لي بطرف عينها وتبتسم ابتسامة مطمئنة ممتنة. تدرك وجودي بجانبها؛ لأجلها. وتعود للعبها الفرحان.


الإبتساماتإخفاء