أحمد صوان - سأصرخ - الرسائل (13)



الرسائل- 13 - سأصرخ






عزيزتي..
بداية، لا لوم حول انقطاعي لفترة طويلة عن الكتابة إليك. اتفقنا قبلاً أنه لا وعود من أي نوع. هكذا تستقيم حياتك بعيداً عن الانتظار، وهكذا أمارس عادتي الأثيرة "الفوضى"، أنتِ قبل غيرك تدركين ثِقل الكتابة. بالتاكيد كان هناك ما يستحق التدوين وتجاهلته، إلا أنني، ومنذ السطر الأول، أكاد أوقن أن رسالتي المُقبلة قد تنتظر طويلاً، لا أحد يعلم ما الذي قد يأت به الغد؛ ربما لن أكتبها لصعودي إلى الرفيق الأعلى مع آخرين يستعدون الآن للصراخ في وجه الديكتاتور اللطيف، ربما أعجز عن تهريبها إليك من قضبان زنزانة باردة تفتقر إلى أدنى درجات الآدمية بينما تحمل لافتة "سجن المستقبل"، أو على أفضل الظروف قد تأتي نوبة اكتئاب أخرى إذا ما زادت وحشية صاحب الساعة الرولكس في مواجهة الجياع.

دعك مما تشاهدينه من استقرار على شاشات التلفاز، تجاهلي ما يقوله ملوك الطوائف على صفحات مدفوعة الأجر لإرضاء كبيرهم. الحقيقة أن الغضب يعم الشوارع بشكل لم يحدث من أيام الطاغية الثمانيني، لم يعد أحد يشعر بالأمان بعد أن استعرت حمى الاعتقال والملاحقة في كل مكان، غادرت الواقع الافتراضي إلى البيت، الشارع، المواصلات، المقاهي. الزبانية يفتّشون في كل ركن، البصاصون يلصقون أعينهم تحت ملابسك، يحصون أنفاسك خوفاً على عرش الديكتاتور؛ الجميع مرعوب من فكرة أن يتحد الفرقاء معاً من أجل وطن تتحسن فيه أوضاع الجيش والشرطة والقضاء، بينما أعجز وغيري عن شراء وجبة لطفلتي يومياً..

ما الذي أتى بكل هذا؟!. أصبح من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، ربما الإجابة الصحيحة هي التغافل لا الغفلة.. الخيبة لا الأمل.. الضعف لا التسامح..

عندما بدأ القمع قيل لحماية الثورة، وضعوا آلاف البشر في السجون من أجل الاستقرار، قُتل السائحين من أجل الحرب على الإرهاب، ارتفع الدولار من أجل تحسين الاقتصاد، عُذِّب الإيطالي كما لو كان مصرياً من أجل الحريات، بل تنازلوا عن جزء من الأرض التي نزف أبي ورفاقه من أجلها بدعوى طاعة الأم.. كانت الأخيرة هي القشة التي أشعلت غضب الجميع.. تحملنا عشرات الوعود بدءاً من "جهاز الكفتة" وحتى "لازم نبقى كده!!"، لكن لا أحد يعقل سينتظر حتى يجد نفسه منبوذاً في بلاده كاللاجئين منتظراً المزيد من نقاط الخبز.

أذكر أنك ناقشتيني في مخاوفك.. الدماء المرتقبة.. السجون التي تهتف "هل من مزيد" وكأنها سقر، الدمار الذي قد يلحق بآلاف العائلات. وقتها لمحت دموعك البلورية تنساب ببطء، كان خوفك واضحاً، بينما أُصر أنه لا يُضير الشاة سلخها بعد ذبحها، هكذا قررت الخروج من وضع السكون الذي وضعتني فيه لقمة العيش حتى صرت كالآلة، أعود واحداً من الصارخين مرة أخرى..

ربما جاء قراري محاولة للخروج من كل هذا.. صرخة أخرى قد أصمت بعدها إلى الأبد.. جولة أخرى لداود الصغير أمام جالوت الذي أنفق أموالنا لشراء دروع جديدة، لكنه ينسى أن الصخرة التي قذفها الفتى بإيمانه قادرة على الوصول..
فقط.. تمني الأفضل لهذه البلاد..



الإبتساماتإخفاء