داليا عادل - زمان ودلوقتي (13) - أنا والاستقلال



زمان ودلوقتي (13) - أنا والاستقلال


بقلم: داليا عادل 


ده المقال الثالث عشر في سلسلة #زمان_ودلوقتي

المقال ده مميز جداً بالنسبة لي. مش منطلق هاقول ايه. ولكن من منطلق اني ماعنديش أي فكرة هاقول ايه! آه والله زمبؤلكو كدهون. أنا كنت قاعدة في الطيارة في أمان الله باتأمل قوم افتكرت اني لازم أكتب المقال. وكان في بالي موضوعين مش عارفة أبدأ بأنهي واحد فيهم. بعدين لقيتني باصة للسحاب قدامي وباقول: اكتب المقال الجاي عن ايه يارب؟ اكتب المقال الجاي عن ايه يارب؟ اكتب المقال الجاي عن ايه يارب؟

وغمضت عيني. مش عارفة لو كنت نمت ولا سرحت ولا سافرت ولا ايه حصل. بس انتبهت على حوار:

صوت: أنا والاستقلال
أنا: الاستقلال؟!
صوت: أنا والاستقلال
أنا: وده هاقول فيه ايه؟!
صوت: أنا والاستقلال. الاستقلال. الاستقلال

بس كده! فممكن مثلا أرفع الأعلام واشغل النشيد الوطني بتاعي واحتفل بعيد استقلالي وليكن يوم 22 ابريل – يوم عيد ميلادي – بما انه يوم استقلالي عن جسم امي مثلا!

ثم تأملت في معنى "الاستقلال". ووجدت أنني أفهمه أكثر بضده "التبعية". ثم تأملت خط سير حياتي من حيث الاستقلال والتبعية وفوجئت بالكثير حقا. هذا المقال رحلة اكتشاف لي أكثر من كونها رحلة لكم. من هذا المنطلق هو مقال مميز بالنسبة لي.

تربيت في بيت يدعم فكرة الاستقلالية والحرية المسئولة والاعتماد على النفس في التفكير والتصرف واتخاذ القرارات. كذلك كان بيتاً داعماً للقراءة والثقافة والاطلاع. حتماً هذا أثرى شخصيتي وساعدني على الوقوف على أرض صلبة تمكنني من الاستقلال. فرق السن بيني وبين أخي الأكبر بسيطا. ورغم أننا تربينا على نفس المبادئ وفي نفس البيئة إلا أنني مستقلة بذاتي ومعتمدة على نفسي ومتحملة كل تبعات هذه الاستقلالية بدرجة مختلفة. أعتقد أن هذا مرجعه لتركيبة شخصيتي التي تميل إلى الاستقلالية بالإضافة إلى التربية.

تجربتي مع التحرش في الطفولة وعدم قدرتي على البوح لأي أحد علمتني الاستقلال وقت الألم. علمتني الاستقلال في قلب الوحدة والخوف والظلمة والحزن. علمتني المواجهة. علمتني أن أعتمد على نفسي في أن أتعامل مع ذاتي وأن أتعامل أنا وذاتي ونجد طريقنا سوياً من قلب الظلام إلى النور. كل هذا الاستقلال بالأحمال أكسبني صلابة لا أدري إن كانت على الدوام أمراً إيجابيا. مثلا الاستقلال بالرأي جعلني "ماشية بدماغي". أو هكذا يراني الآخرون. أستمع لآراء الغير لكني في النهاية أتخذ قراري حتى لو كان ضد الأغلبية أو الكلية. وأحياناَ أقرر مع نفسي دون الرجوع لأحد غير نفسي. هل أجد ذلك سلبيا؟ لا أعتقد لأنني أنا المسئولة عن حياتي. هل يفرق معي كيف يراني الناس؟ لا. لكن رؤية الناس لي على أني مستقلة أحياناً تكون ترجمتها "مستغنية". لست في حاجة لأحد. ربما كان هذا صحيحاً من حيث أن حياتي لا تتوقف على أحد. لكني بالطبع غير مستغنية عن كل شخص يؤنس روحي ويثري رحلتي.

من أمثلة رؤية الناس لي على أني مستقلة ومستغنية و"قوية" تعليقات بعض أصدقائي الشباب في محاولة منهم لإفهامي لماذا أنا شخصية مخيفة للرجال (من وجهة نظرهم). 
انتي اصلك شخصية قوية ومستقلة وليكي رأي واضح في الأمور وبتعبري عنه بشجاعة
وايه المخيف في كده؟

لأ طبعا بيخوف!!
في ايه؟
معناه انك ممكن تاخدي قرارات لوحدك!
اكيد. بس ايه المخيف في كده؟
مش محتاجة حد معاكي!

أعتقد هنا اللبس. انا مش محتاجة حد يفكر لي ويقرر لي ويطلعني من الورطة لما اتهور واخد قرار. بس اكيد محتاجة حد اتشارك معاه. احكيله بافكر في ايه – مش بالضرورة عشان مش عارفة اعمل ايه او عشان هانفذ كلامه – مجرد المشاركة والسند والاحتواء. لست مستغنية. 

تعلمت لاحقاً أن أحقق بعض التوازن. أن أظل مستقلة لكن دون أن أشعر الآخر باستغنائي عنه. ربما كنت حادة بشكل زائد عن الحد عند التعبير عن رأيي بما لا يدع مجالاً للغير للتعبير. في كثير من الأوقات كانت حدتي تخفي تشككي وعدم ثقتي في نفسي ويتم تفسيرها على أنها غرور. 

من صغري وأنا مستقلة بمادياتي. في الطفولة كنت دائماً أدخر من مصروفي. وأستطيع أن أدير أموري المالية في حدود مواردي. بدأت عمل في الإجازات الصيفية منذ كنت في الصف الثاني الثانوي. الاستقلال مادياً جزء من منظومة الاستقلال بالنسبة لي: أنني مسئولة عن شئون حياتي. أديرها باعتماد على نفسي ظل يتزايد مع تقدمي في الحياة. أول خطوة نحو الاستقلال الكامل كانت عقب تخرجي من الجامعة عندما قررت أن أخوض تجربة العمل خارج مصر. لم يكن قراراً معتاداً أن تسافر فتاة في أوائل العشرينات من عمرها لتعمل في الكويت بمفردها – ليس مع أهلها ولا زوجها. لا تبعية. استقلالية تامة. والحقيقة أن أهلي شجعوني على خوض هذه التجربة التي تعلمت منها الكثير. وازدادت صلابتي وقدرتي على الوقوف على قدمي منفردة بذاتي. 

الصعوبات التي خلقتها تجربة الاستقلال والعمل في الكويت كانت عند عودتي. طبيعي أنه مع زيادة الاستقلالية تقل التبعية. وقد كنت في نظر المجتمع - على النطاق الضيق والواسع – مازلت تابعة حيث مازلت في بيت أهلي. بعد أن عشت أربع سنوات مسئولة عن نفسي في كل تفاصيل حياتي – كبيرها وصغيرها – كان من الصعب جداً العودة لإطار أسرة في مجتمع شرقي بكل موروثاته من نوعية "الناس هاتقول ايه" و"مفيش بنت تعمل كده" رغم أن أسرتي مثقفة ومنفتحة وواعية؛ إلا أن سطوة المجتمع تطالها بدرجة ما.

ثم جاءت بعد سنوات تجربة الاستقلال في السكن. وهذه أعتبرها بحق من أكثر التجارب التي مررت بها تميزاً ونجاحاً وعمقاً وثراء. كلما نظرت إلى الوراء أشعر بمنتهى الفخر أنني اتخذت هذا القرار. لقد ساعدني الاستقلال في السكن بكل الصمت والسكون والوحدة والحوار الذاتي على إعادة اكتشاف ذاتي وإعادة تأهيلي وإعادة تشكيل علاقتي بنفسي. وتلا إعادة تشكيل علاقتي بنفسي إعادة تشكيل علاقتي بالله وإعادة تشكيل علاقتي بالناس وإعادة تشكيل علاقتي بالحياة وإعادة تشكيل علاقتي بالكون.

كل القرارت السابقة وقرارت أخرى مثل ركوب الدراجة في شوارع القاهرة ثم سواقة السكوتر كلها تعكس نفس الفكرة: فكرة الاستقلالية عن المجتمع. "الناس هاتقول ايه" لم تكن أبداً من النقاط التي تشغل بالي. اللي عايز يقول يقول وهو حر يقول اللي هو عايزه. يقول على نفسه. له مطلق الحرية في "القوالة" مثلما أن لي مطلق الحرية في التصرف بالشكل الذي يتوافق مع قناعاتي لأنني أعيش وفق قناعاتي أنا وليس قناعات المجتمع.

اليوجا والتأمل والقراءات الصوفية أثروا كثيراً في رؤيتي للاستقلالية. صرت أؤمن بمنتهى الاستقلالية ومنتهى التبعية في نفس الوقت. أنني كيان مستقل كامل متكامل وفي نفس الوقت جزء لا يتجزأ من منظومة كونية هائلة تضم كل البشر وكل الكائنات وكل الأجرام من بدء الخليقة حتى انتهائها. أنني جزء من ذات الله. أني مستقلة عنه وتابعة له. ولم تعد الخطوط مستقيمة تماما ولا الزواية حادة بشدة. صار الكون دوائرا. واكتسبت روحي الكثير من المرونة والليونة والنعومة والانفتاح. صرت كلاً مستقلاً مستعد للذوبان في محيط الكل الأكبر. 

ما أحتاج أن أتعلمه أكثر وأكثر هو الاستقلال عن نفسي. عن ذاتي. عن أفكاري. عن مشاعري وهذا يأخذني للتبعية. رغم أنني كنت مستقلة خارجياً؛ لم أكن مستقلة تماما داخليا. ظللت لوقت طويل تابعة لتجربة التحرش من الطفولة بكل تأثيراتها. لم أنفصل عنها. كنت تابعة لسجن داخل ذاتي يخنقني. تابعة لمشاعر لم أقترب منها ولم أتعامل معها ولم أتحرر منها. نفكر أحياناً أن الوقت قد فات ومرت الكثير من السنوات والماضي في الماضي. الحقيقة كما أراها الآن أن الماضي والحاضر والمستقبل دوائر متداخلة والخط الزمني يمشي كيفما نقرر أن يمشي. البعض منا يحمل ماضيه في حاضره والبعض يرى الماضي في المستقبل والبعض مهموم في الحاضر بأمر المستقبل. وحتماً كنت أدور في هذه الدوامات الزمنية بسبب تبعيتي للماضي.

كيف تعاملت؟

بداية أي تغيير دوماً هي الوعي؛ الإدراك أن ثمة ما يجب تغييره. أدركت سطوة الماضي علي وتبعيتي له. أدركت أسري لكل ما يجب أن أتحرر منه. ثم بدأت العمل.

مثلما أدركت أن سعادتي تتوقف على أفكاري في المقام الأول؛ أدركت أن تبعيتي للماضي وأسري في دواماته أيضاً متوقف على أفكاري. بدأت أفكك عناصر التجربة وكأنها كرة متشابكة من الخيوط ملتفة حولي. أتتبع كل خيط وأفصل الخيوط عن بعضها وأفك التشابك. ثم أتعامل مع كل خيط على حدة حتى أصل للنقطة التي أكون على استعداد فيها لقطع الخيط. عناصر التجربة كانت أنا وهو وأهلي والتجربة نفسها. تتبعت مشاعري تجاه كل عنصر من عناصر التجربة وراجعت الأفكار المسببة لتلك المشاعر وعملت على تغييرها. أغلب الأفكار كانت تتعلق بالقبول. تقبل أن ما حدث كان يجب أن يحدث بنفس الشكل وفي نفس التوقيت الذي حدث فيه. تقبل أن كل طرف في التجربة تصرف من منطلق وعيه وإدراكه وقت التجربة وأن ما قدمه كان أفضل ما يقدر عليه. لا يتغير الحال في يوم وليلة. أساليب التفكير التي اعتدنا عليها لسنوات تخلق طاقات من المشاعر تترسخ بداخلنا ونسلم بها ونتوحد معها. ومشاعرنا ينبع منها تصرفاتنا وتوجهاتنا في الحياة. لكي نغير كل المنظومة نحتاج وقت وجهد. أخذت وقتاً وبذلت جهد. ربما موقفي من بعض العناصر كان أسهل من عناصر أخرى. مثلاً – على سبيل المفاجأة – موقفي من التجربة ومن بطلها كانا من أسهل العناصر في التعامل معها. الأصعب منهما كان موقفي من أهلي. والأصعب على الإطلاق كان موقفي مني. ولكن لا شيء مستحيل. تغيير أفكاري تجاه كل عناصر التجربة حررني منها ولغى تبعيتي لها. استقللت عنها وأصبح زمام القيادة في يدي.  

جزء من الاستقلال عن طريق الأفكار كان أن أتعلم أن أميز إن كانت الحالة التي أمر بها بسبب أمر في حدود تحكمي وأستطيع أن أفعل شيئاً بصدده أم أن الأمر خارج عن حدودي. مثلاً ماذا سيفيدني أن أكتئب وأدخل في حالة عندما أتذكر أنني حلمي في الحياة أن أكون أما ولم أكن؟ أقبل الحالة وأحدد حدودها. ما الذي يمكنني عمله وما الذي يجب أن أقبله كما هو وأطلق سراحه لألغي تبعيتي له. حال البلد مثلا؛ من المؤكد أن هناك الكثير في مصر أتمنى أن يتغير أو يتحسن سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو غيره. شاركت في الثورة بمنهى القوة وكان لدي كل الأمل وأصبت بالإحباط أيضاً بمنتهى القوة مثل كثيرين غيري وفقدت كل الأمل. ثم توازنت. هناك أمل لأن هناك حياة. الأمل غير مرتبط بمعطيات الموقف. بالعكس. الأمل يتجسد حين نظل مؤمنين بإمكانية – بل حتمية – حدوث الأجمل حين تكون قراءة الواقع منافية لذلك. وإلا هو ليس أملا. هو مجرد قراءة للواقع و"التطور الطبيعي للحاجة الساقعة". عندما يؤلمني أمر من أمور الواقع في مصر أنظر بداخلي وأسأل نفسي سؤالين: 

ما الذي يؤلمني في ذلك؟ أحياناً تكون رؤيتي للموقف هي ما يحتاج لتعديل أو أن هناك درساً لي يجب أن أتعلمه.

ما الذي أستطيع أن أفعله لتحسين الموقف؟ أحياناً تكون الإجابة "ليس بيدي شيء". وأقصد بـ "شئ" تصرف عملي يخاطب الموقف؛ ليس مجرد الدعاء أو التأمل والتخيل وغيره. إذا وصلت لأن الموقف خارج حدود سيطرتي؛ أعمل على أن أطلق سراحه وأتحرر من تبعيتي له ولكل الأفكار والمشاعر المرتبطة به وأركز على ما أستطيع أن قوم به. 

المرحلة التالية مرحلة الوعي بأنني أستطيع أن أنفصل عن أي حالة أمر بها. عندما تغمرني موجة من الأفكار والمشاعر؛ لا يجب علي أن أندمج فيها وأتوحد معها حتى وإن بدا أنها تغرقني. بدأت أتخيل الموجة كأنها فعلاً موجة في بحر وأنا جالسة على الشاطئ. أرى الموجة وهي تتكون من بعيد وتكبر وتشتد قوتها ثم تضرب. وأراها وقد بدأت تضعف وتقل حدتها وتصغر ثم تذوب وتصير إلى اللاشيء مثلما أتت من اللاشيء. قد تتبعها موجة أخرى – أضعف أو أقوى – ولكنها ستصير إلى ما صارت إليه سابقتها. وأنا مشاهدة، متابعة، ملاحظة. يمكن أن يتناثر بعض رذاذ البحر على ملابسي ووجهي ولكني في أمان؛ حتى لو كنت في قلب البحر أعوم وضربت الأمواج. عندما كنت صغيرة كنت أعوم في المنطقة التي تطول فيها قدمي الأرض. وهي عادة المنطقة التي تكون فيها الأمواج قوية. كنت أتصور أنني يجب أن أقف قوية في وجه الموجة القادمة. فكنت أشد جسمي وأغرز قدمي في الرمل وأحاول أن أثبت. في الأغلب كانت الموجة تضرب بشدة وتقلبني. ثم تعلمت أن أكثر الأماكن أمناً في وجه الموجة هو قلب الموجة. أقف مستعدة وحين تقترب الموجة آخذ نفساً وأرمي نفسي في قلب الموجة وأغطس. الموجة أهدأ في العمق. كل الأمور أهدأ في العمق. استقللت عن سطح الأمور بالتبعية للعمق. ثم كبرت وتعلمت أن البحر أكثر أمناً كلما دخلت في عمق أكبر. يتحول الموج لهدهدة رقيقة تداعبني وأنا نائمة في استرخاء على صفحة البحر. وأرى الموجة الرقيقة الهادئة وهي تشتد وتعلو في اقترابها للشاطئ وتضرب هؤلاء الواقفين في وجهها بتشنج مثلما كنت أفعل.

المرحلة التي تلت ذلك كانت إلغاء تبعيتي لنفسي. ولكي أبدأ السير على هذا الطريق؛ كان يجب علي أن أضع تعريفا لنفسي. وفكرت كثيراً في إجابة أقبلها لسؤال: "ممكن تعرفي نفسك؟" أقصد بذلك تعريفاً خارج حدود اسمي وعمري ووظيفتي ومقر عملي إلى آخر ما نقدمه كتعريف لأنفسنا. هذا ليس أنا. هذا تعريف يقدمني في سياق في المنظومة المجتمعية؛ مثل نزلاء في السجن معروفون بأرقامهم. لكنه لا يعبر عن حقيقة كينونتي. ماذا لو لم يكن اسمي "داليا"؟ ماذا لو تركت العمل؟ هل ستتغير كينونتي؟ من "أنا" الثابتة الحقيقية؟ بحثت مع نفسي وساعدتني كثيراً قراءاتي الصوفية وكذلك اليوجا والتأمل. وتوصلت لأن هذه أنا: "أنا روح في رحلة من النور إلى النور. أنا جزء من كل والكل في جزء. أهم قيمي الحب والصدق". حاولت – ومازلت أحاول دوماً – أن أنفصل عن تبعيتي لكل ما هو خارج هذا التعريف. مازلت أجاهد.

ترسخ هذا التعريف أكثر بعدما بدأت دراسة pranic healing وتعمقت في دراسات الروح. وأيقنت أن ما توصلت إليه مكتوب في كتب بتعريفات وتفسيرات وتوصيفات وله تدريبات تأمل وتوكيدات لإدراكه وترسيخه. أنا لست الجسد. أنا لست المشاعر. أنا لست الأفكار. أنا الروح. ما أفعله حالياً هو تذكير نفسي بحقيقتي وترسيخها خاصة عندما تهاجمني موجة من الأفكار أو المشاعر. أؤكد استقلالي عنها وتبعيتي للروح لأنني أنا الروح. 

أما عن تبعيتي للغير فهذا أخذ مني وقتاً وجهداً طويل. مستقلة عن الغير في أفكاري وقناعاتي لكني كنت تابعة للغير تماما بمشاعري وكل جوارحي. كنت تطرقت لموضوع التعلق بالتفصيل في المقال الثامن أنا والتعلق. ما أريد أن أركز عليه هنا هو فكرة التبعية. تعلقي بمن أحبهم كان يدخلني في دائرة التبعية لهم؛ ليس من منطلق أني أتحول لشخصية منقادة مثلا. ولكن ذوباني التام في الآخر دون حدود أو تعريف واضح لذاتي واحتياجي المستمر للمشاعر وتبعيتي لهذا الاحتياج وغرقي في كل موجة من المشاعر تجتاحني خلال رحلة تعلقي بذلك الشخص كان يحولني لتابع يدور في دائرة مغلقة. مازلت أحب الناس. وأقدر المشاعر وأقدمها من قلبي. وتسعد روحي حين أستقبلها. ويستهويني ويستغرقني التواصل الإنساني الصادق العميق. لم أحجم مشاعري ولا ابتعدت عن الناس كي لا أتعلق بهم. لكني الآن أعيش في عالم المشاعر مع الاحتفاظ باستقلاليتي ومع تبعيتي لروحي. أحياناً تجتاحني موجات من الاحتياج أو التعلق الشديد الذي أفقد معه توازني ولا أتبين فيه حدود ذاتي. أدرك الحالة وأرى الموجة عند اقترابها. آخذ نفس عميق وأغمض عيني وأنزل في العمق. آخذ كل الوقت الذي أحتاجه في العمق. وأذكر نفسي أنني لست الجسد. لست الأفكار. لست المشاعر. أنا الروح. ثم أطفو مرة أخرى وأكمل المشوار.


1 comments:


الإبتساماتإخفاء