داليا عادل - زمان ودلوقتي (14) - أنا والتسامح


زمان ودلوقتي 14 -  أنا والتسامح


بقلم: داليا عادل  


ده المقال الرابع عشر في سلسلة #زمان_ودلوقتي

أؤمن أن التجارب التي يحدث فيها اعتداء على مساحة الإنسان الشخصية واقتحامه بدون وجه حق لدرجة إحداث أذى جسدي أو نفسي أو فكري أو روحي تحتاج إلى الكثير من التسامح. من نوعية هذه التجارب تجربة التحرش الجنسي.

التسامح من التحديات التي واجهتها وأيقنت – في نقطة ما من رحلتي – أنني يجب أن أتعامل معها. لا مجال للاستمرار في الطريق نحو النور بدون الوقوف عند محطة التسامح. تستوقفني أفكار كثيرة عندما أنظر إلى الوراء وأتأمل تفاصيل رحلة التسامح. ما الذي نقبله وما الذي لا نقبله؟ وعلى أي أساس؟ وما الذي نصنفه على أنه "أذى"؟ وما الذي نحتاج أن نتسامح بشأنه؟ ولماذا يمثل فعل التسامح تحدياً في بعض المواقف أكثر من غيرها؟

من الطبيعي أن أشعر بالغضب أو الظلم أو الحنق أو أي مشاعر رفض تجاه من اعتدى علي وأحتاج أن أتسامح معه. لكن الواقع كان عكس ذلك. رغم أن ما فعله يصنف تحت "جريمة"؛ إلا أن هذا لم يكن موقفي منه. لماذا؟ لأنه كان حنونا. كان يحتويني. نعم كنت أكره كل ما يحدث على المستوى الجسدي (الجنسي)؛ لكني كنت أحب الحنان والاحتواء. وعلى الصعيد الآخر؛ رغم أن أهلي اتخذوا كل الخطوات لحمايتي من هذا الفعل والاطمئنان على سلامتي الجسدية؛ إلا أنني شعرت بمنتهى الغضب نحوهم. لأنني لم أشعر بأي حنان أو احتواء في الطريقة التي تعاملوا بها مع الموقف. وأدرك الآن وأنا أكتب أنني أسأل نفسي: "وما تعريفك أنت للحنان؟ ما تعريفك للاحتواء؟ كيف تحكمين بوجودهما في موقف – أو في الدوافع وراء التصرف – من عدمه؟" بالنسبة لي الحنان والاحتواء حضن .. لمسة .. طبطبة .. مساحة دافئة تنساب فيها المشاعر. هل يمكن أن يتصرف أحدهم من منطلق الحنان والاحتواء ويأتي التصرف خالياً من ملامح الحنان والاحتواء؟ ربما نعم وربما هو اختلاف تعريفات. ربما كل القصة أن طريقته في التعبير عن الحنان والاحتواء توافقت مع قاموسي بينما اختلفت مع قاموس أهلي. لست أدري على وجه التحديد. واقع الأمر أنني في قلب فعل الاعتداء شعرت بالدفء والحنان والاحتواء. وفي قلب فعل الحماية شعرت بالبرودة والوحدة والألم.

الأصعب من قبول الطريقة التي تعامل بها أهلي من الموقف؛ كان قبول الطريقة التي تعاملت بها أنا. قبولي أنا. لم أقبلني. ولم أسامحني. في مرحلة ما وأنا طفلة؛ كنت أرى أن ما يحدث لي جسدياً يحدث بسبب كوني فتاة سيئة. ولم أسامحني. في مرحلة لاحقة؛ كنت أرى أنني كان يجب أن أفعل شيئاً لأوقف ما يحدث؛ لكنني لم أفعل. ولم أسامحني. ثم في مرحلة تلتها كنت أدرك ما يحدث وأدرك إحساسي به كأنثى وأدرك احتياجي له وكل ذلك كان يضعني – بالنسبة لي – في خانة فتاة الليل. ولم أسامحني. لماذا كان موقفي مني أصعب من موقفي من أهلي؟ هل لأني أدرك أن أهلي حاولوا ولكن خرج المنتج النهائي بتفاصيل غير متوافقة مع احتياجاتي بينما أرى أنني لم أحاول أصلا؟ هل لأنني كنت أنتظر مني دعماً بينما لم أنتظر من أهلي؟ هل لأنني رأيت فيما فعلت أنا اعتداء وأذى لي أكثر مما رأيت في فعل أهلي؟ هل لأنني تعودت القسوة علي ورفضي في كل الأحوال؟ ليس لدي إجابة. ولكن هكذا كان الواقع.

حملت إرث الغضب من أهلي سنوات. الفكرة التي كانت تدور في عقلي هي أنهم لم يكن يجب أن يتصرفوا بهذا الشكل. مع نمو وعيي وإدراكي بدأت أستوعب فكرة أن كل إنسان يتصرف من منطلق وعيه وإدراكه في النقطة الزمانية والمكانية التي كان فيها من رحلته وقت تصرفه. الكل يقدم "أفضل ما في وسعه" وفق حدوده وإمكانياته. بدأت أستوعب أبعاد الصدمة التي حتماً قد تلقوها عند علمهم بما تعرضت له. الصدمة الأكبر هي من تعرضت لهذه التجربة على يده. ليس الأمر مثل طفل أصيب بنزلة معوية أو تعرض للسب من مدرس. ليس الأمر معتادا ولا مألوفاً في عالم رعاية الأبناء. ولا كان من الأمور المتحدث عنها في المجتمع وقتها. والمسكوت عنه يحتمل الكثير من الغير معلوم. وبالتالي الكثير من التخبط وارد. مع تقدمي في الوعي؛ بدأت أحاول أن أضع نفسي مكان أهلي .. بظروفهم ووعيهم وتركيبتهم وتركيبة المجتمع وقت حدوث الأمر وأحاول أن أرى أن ما قدموه هو أقصى ما استطاعوا تقديمه وقتها وهو أفضل ما ظنوا أنه يمكن تقديمه لحمايتي وللتعامل مع التجربة. بذلت جهداً لقبول هذه الفكرة. التسامح بالنسبة لي – مثل أي فعل – قائم على فكرة. أرى أنه أسهل علينا أن نسامح أحدهم عندما نؤمن أن ما أحدثه من أذى لنا كان عن غير قصد. هذا – في رأيي – أسهل من التسامح عندما نفكر أن ما حدث كان عن قصد أو تجاهل أو عدم اهتمام. لا يعني هذا أن نحاول أن نبرر للآخرين أفعالهم ونحاول أن نقنع أنفسنا "انهم مكانش قصدهم" لكي يصبح التسامح أسهل. لكن يعني أن نحاول – مجرد المحاولة الصادقة – أن نضع أنفسنا مكان الآخر بكل تفاصيل وعيه وخبراته ومكتسباته ونحاول أن نتفهم. بالنسبة لي التسامح ضرورة في كل الأحوال حتى لو كنت مقتنعة أن الآخر ألحق بي الأذى عمداً مع سبق الإصرار والترصد. التسامح يطفئ براكين الرفض والحنق والغضب التي قد تستعر أحياناً وتولد الرغبة في الانتقام أو رد الأذى ظناً منا أن هذا سيبرد نارنا. قناعتي أن الغضب نار تحرقني والانتقام لا يضر الأخر بقدر ما يضرني لأنه نار من شرر نار الغضب. كما أن عدم التسامح يعني أني أسيرة حدث في الماضي. أحمله معي في الحاضر وأسمح له بخلق طاقات مدمرة في يومي بينما يمكنني أن أتحرر. ليست الفكرة "يستاهلوا ولا ماسيتاهلوشي". الفكرة هل أريد أنا أن أظل دائرة في ساقية الغضب معصوبة العينين مقيدة بالحبال؟ هل يفيدني هذا؟

ولأنني كنت قد تعبت من الغضب أردت أن أتسامح. أردت أن أتسامح كذلك لأنهم أهلي. ولأني أردت للعلاقة بيننا أن تتحسن. لذلك رأيت أن الخطوة الأولى أن أحاول أن أتفهم موقفهم. بعد فترة من المحاولات لإعادة برمجة أفكاري؛ غيرت فكرة "كان يجب أن يتصرفوا بشكل مختلف" ليحل محلها "لقد قدموا أفضل ما كان لديهم". المثير في الأمر أنني حتى بعد أن غيرت موقفي من طريقتهم؛ لم أشعر أن مشاعري نحوهم تغيرت! ظللت غاضبة. ربما توقفت عن لومهم بيني وبين نفسي لكني ظللت غاضبة. وكأن هناك وصلة ما بداخلي بين الفكرة والمشاعر مقطوعة. بعد فترة استوعبت. الأمر يأخذ وقتا. نعم المشاعر تتبع الأفكار والتصرفات تتبع المشاعر. لكن كلما كان الأمر راسخاً؛ كلما احتاج وقتا. الفكرة تأخذ وقتاً لتغييرها وإحلال فكرة جديدة وقتها. ثم تحتاج وقتاً تترسخ فيه قبل أن تستطيع أن تولد مشاعراً على شاكلتها تحل محل المشاعر القديمة. والمشاعر الجديدة تحتاج وقتاً قبل أن تثمر طرقاً في التصرف تختلف عن الأنماط القديمة. يئست في أوقات وفكرت أنه "مفيش فايدة. مفيش حاجة هاتتغير". ثم قررت أن أستمر في المحاولة خاصة حين لمست كيف أن تغيير أفكاري ورؤيتي للكثير من الأمور غير مشاعري وتوجهي نحو الحياة كلها. كما أن وعي أهلي تغير كذلك. مع هوجة برامج أوبرا وينفري ودكتور فيل أدرك الأهل الكثير مما لم يكن مدركاً ولا معروفا منذ سنوات. وهذا رسخ مفهوم "لقد قدموا أفضل ما كان لديهم". 

عوامل أخرى ساعدت على تمام فعل التسامح. الوقت. الوقت كفيل بكل شيء فعلا لو سمحنا له التعامل مع الأمور وتعاونا معه. في الماضي لم أكن أقتنع بنظرية "بلاش نتكلم دلوقتي. ناخد وقت ونتكلم لما نهدا". ما كان يحدث بعد أن نأخذ وقتاً لنهدأ أنني كنت أعود بغضب أكبر. وكنت أطن المشكلة في نظرية " ناخد وقت ونتكلم لما نهدا". فكنت أفضل المواجهة في وقتها بطاقة غضب أقل. أدركت لاحقاً أن المشكلة كانت في طريقتي في التعامل أثناء "الوقت المستقطع". كنت أظل أفكر فيما حدث من نفس الزاوية – زاوية رؤيتي أنا – وأبني عليه وأكتشف مشاكلاً جديدة فيما حدث فأعود بغضب أكبر. أما حين آخذ وقتاً بهدف أن أهدئ العاصفة بداخلي وأفصل من القصة كلها لأعود أتناولها لاحقا وأنا محايدة ومنفتحة لأراها بأي زاوية؛ الأمور تختلف فعلا. ليس ثمة فائدة من أخذ وقت للتهدئة وأنا على قناعة أن زاوية رؤيتي هي الزاوية الوحيدة الصحيحة وأنني أبيت النية أن أظل أرى الأمور من نفس الزاوية.

المساحة من العوامل الأخرى المساعدة؛ عندما انتقلت للمعيشة بمفردي. أحياناً "فصل القوات" يفيد في التهدئة. خاصة إذا كان فصلاً ينتوي ويرتجي التهدئة؛ وليس إعادة الشحن. مساحتي الانفرادية أتاحت المجال للكثير من المشاعر المتأججة أن تهدأ والكثير من الأمور أن تتبدى بشكل مختلف. خاصة مع بدء ممارستي لليوجا والتأمل. بدأت الكثير من النقاط المنغلقة بداخلي تنفتح والكثير من المناطق المظلمة تضيئ وبدأ الهواء الراكد داخل روحي يتجدد وأصبح من الأسهل أن أتخلى عن الأفكار والمشاعر وأنماط التصرف التي لا تحافظ على النور بداخلي.

أعتقد أن أكثر ما ساعدني على مسامحة أهلي هو مسامحة نفسي. ما أؤمن به الآن هو أننا لا يمكن أن نقدم للآخرين حباً خالصاً قبل أن نقدمه لأنفسنا. لا يمكن أن نسامح الآخرين قبل أن نسامح أنفسنا. لا يمكن أن نتفهم مواقف الآخرين قبل أن نتفهم مواقفنا. لا يمكن أن نرحم الآخرين قبل أن نرحم أنفسنا. نعم الكثير مننا – وقد كنت منهم – يقدم الحب والتسامح والتفهم والرحمة لغيره دون أن يقدمهم لنفسه. يحدث ذلك؛ ولكن يظل العطاء منقوصا ومشوها ومحدودا.

كيف سامحت نفسي؟ نفس الخطوات:
إدراك طاقة الغضب التي أحملها نحو نفسي
القناعة أنني لا أريد ولا أستطيع أن أستمر بهذه الطريقة
إدراك الفكرة التي تولد الغضب 
تغيير الفكرة التي تولد الغضب
ترسيخ الفكرة الجديدة لتغير المشاعر وتولد مشاعراً جديدة
ترسيخ المشاعر الجديدة لتغير أنماط التصرف وتولد أنماطاً جديدة

بعد آخر محاولة انتحار تجسدت الحياة فجأة كواقع مفروض لا مفر منه. وأصبح التعايش ضرورة حتمية. لم يعد ممكناً الاستمرار بنفس مشاعر الغضب والكره والرفض والإدانة للذات. بات من الواضح أنني عاجزة عن احتمالها مثلما أنا عاجزة عن إنهاء حياتي. كانت هذه هي الخطوة الأولى والثانية: الإقرار بالمشاعر والتسليم بعدم إمكانية الاستمرار على نفس النحو.

تلا ذلك تحديد الأفكار التي تولد هذه المشاعر. فيما يتعلق بالتسامح على وجه الخصوص؛ كانت أفكاري تدور في محور موقفي من تجربة التحرش كما ذكرت في بداية المقال.

حاولت أن أنفصل عن نفسي. أن أتخيلني شخصاً آخر مكاني مر بتجربتي وتصرف مثلما تصرفت. كيف كنت سأفكر وأشعر نحوه؟ في أي موقف كنت أستدعيه وأتخيل غيري فيه؛ كنت أجد أفكاراً ومشاعراً متعلقة بالرحمة. لماذا لم أكن أفكر ولا أشعر بتلك الطريقة تجاه نفسي؟ لم أكن أفكر ولا أتعامل مع نفسي من منطلق الحب. وبالتالي كل الأفكار والمشاعر لم تكن محبة. كما أنني كنت قد أدنت نفسي بالفعل وأتعامل من منطلق أن كل ما يحدث يثبت ويرسخ ويؤكد تلك الإدانة. حتى عندما آخذ "وقتاً مستقطعا" أو أطبق "فصل القوات" بيني وبين نفسي؛ لم يكن بهدف ولا بنية التهدئة من أجل التسامح وبدء صفحة جديدة. عندما أدركت المفارقة في موقفي من التجربة حين أكون أنا فيها وحين أتخيل غيري فيها؛ أدركت أن الأمر لا يتعلق بالتجربة وأن رؤيتي ليست أمراً مسلماً به لأنها متغيرة مع تغير الأشخاص رغم أن الموقف واحد. فكثفت العمل على علاقتي ورؤيتي لنفسي عموماً وركزت على رؤيتي لنفسي في تجربة التحرش على وجه الخصوص. لقد كنت طفلة. كنت مفعولاً به وليس فاعلا. تفاصيل التجربة كانت تفوقني جسدياً ونفسياً وفكرياً وروحيا. ليس من العدل أن أضع اللوم علي. بالعكس. أنا مستحقة للرحمة؛ ليس فقط مجرد التسامح من أجل تحييد المشاعر.

استمراري في ترسيخ هذه القناعات بدأ مع الوقت يغير رؤيتي فعلا للأمر ويغير مشاعري تجاه نفسي. نفس العوامل المساعدة على تسامحي مع أهلي ساعدتني على تسامحي مع نفسي. الوقت .. مع انفتاحي على رؤية مختلفة الأمور. أعمل على ترسيخ فكرة وأمنحها وقتا أفصل فيه من التفكير فيها ثم أعود إليها لاحقا لأرى لأي مدى وصلت. كيف غيرت مشاعري؟ وكيف ولدت المشاعر الجديدة انماط تصرف مختلفة؟

المساحة .. كيف نأخذ مساحة من أنفسنا؟ الانفصال عن الذات. نحن مندمجون في تفاصيل حياتنا وغارقون فيها بكل جوارحنا. من الصعب رؤية الصورة الكبيرة ونحن غارقون في التفاصيل. كذلك من الصعب التأكد من حيادية الرؤية ونحن منغمسون بكل مشاعرنا. الحل في البعد. كنت أتخيل الأحداث وكأنها شريط فيلم سينمائي أتفرج عليه. أرى نفسي في المشاهد ولكني في هذه اللحظة متفرجة. ألاحظ موقع الحدث وتفاصيله وتأثيره علي. ألاحظ أفكاري ومشاعري وتصرفاتي. ألاحظ من معي في المشهد. ألاحظ ديناميكية العلاقات وتغيراتها. ألاحظ الطاقات الحاكمة للموقف. الكثير والكثير كان يتبدى. وعندما أعود لأداء دوري في الفيلم أجد الأداء يختلف لأن الوعي قد اختلف. الكثير من المشاهد التي تفرجت عليها كانت تحكمها مشاعر غضب وإدانة بينما كل التفاصيل المحيطة بالمشهد تستدعي الرحمة. ووجدت الرحمة تتفجر بداخلي تجاهي. الكثير من التأمل كذلك ساعدني على تمام مسامحتي لنفسي. على كل شيء. على ما كنت أراه أخطاء وهو ليس بأخطاء. على ما أراه أخطاء ولكنه حدث وتعلمت منه. على كل ما كنته وكل ما لم أكنه. على كوني أنا. لأني أنا كما هي أنا أفضل ما يمكن أن أكونه في هذه اللحظة – كل لحظة – وفق قدر وعمق وعيي. ويكفيني شرفاً وفخراً أنني دوما أحاول.

لم يعد التسامح تحدياً بالنسبة لي ولم يعد يحدث شيء مني أو من غيري يتطلب تسامحي. هذا لأن قناعاتي تغيرت. فعلاً بت مقتنعة أن كل إنسان يقدم أفضل ما عنده في كل لحظة وفق وعيه. إن كان إدراك أحدهم دفعه لأن يتصرف بشكل معين؛ فهذا أفضل ما قدر عليه. نعم أحيانا أشعر بضيق وقتها أو غضب لحظي. لكني أهدأ بعدها وأستوعب. كذلك إدراكي أن كل موقف يحدث لهدف معين من أجل أن أتعلم درساً محددا. فأصبحت أركز على ما يثيره الموقف في من أفكار ومشاعر وتصرفات. لماذا فكرت بهذه الطريقة؟ لماذا أشعر بهذا الإحساس؟ لماذا تصرفت بهذا الشكل؟ لماذا حدث الموقف بهذا التسلسل؟ ما الرسالة؟ ما الدرس؟ في أغلب الأحيان أصبحت أخرج من الموقف بامتنان لحدوثه – مهما كان الألم الذي سببه – أكثر من غضب وضيق يستدعي التسامح. وتغير مفهوم "التسامح" عندي ليصبح أوسع .. ليصبح "تصالح". وجدت أنني أحياناً لا ألوم أحد بعينه ولا أحتاج أن أسامح شخصا بعينه ولكن أحتاج أن أتصالح مع فكرة أو موقف أو تجربة أو إحساس. أحتاج أن أحل القبول محل الرفض. كل الأسئلة التي سبقت تساعد في تحليل الموقف واستخلاص الدرس منه. ولكن الخطوة الأولى دائما هي القبول. لا يعني القبول أن أقر بأن ما حدث متوافق مع قناعاتي أو أنه يمثل قيماً عليا وبالتالي "أقبله". وإنما القبول بمعنى الإقرار والتسليم بأن ما حدث قد حدث. رفض ما حدث لن يغيره. ولن أستطيع أن أغيره دون أن أقر به وأقبل حدوثه. الرفض يشتت طاقتنا ويركزها على محاربة السلبي الذي هو واقع. القبول يحررنا من كل طاقات الرفض ويركز طاقتنا على استخلاص الدرس من أجل التقدم. وهذا ما يغير الواقع الذي نرفضه. هذا ما أؤمن به.

في كل الأحوال التسامح يفيد من وقع عليه الأذى أكثر ما يفيد الآخر وإن كان يعود عليه بالفائدة بشكل غير مباشر. التسامح يفتح شبابيك الروح ويجدد الهواء. التسامح يحدث ثغرات في جدار الغضب يدخل منها النور فيذيبها. التسامح بوابة من بوابات السلام .. بوابة من بوابات الجنة. هكذا أرى الأمر.



الإبتساماتإخفاء