د. السيد أحمد - التحدى



التحدى 


بقلم: د. السيد أحمد 


- مين اللى جاى من بعيد دة ؟
- دة واحد غريب جاى من مصر 
- وعايز إيه من البلد وجاى لية ؟
- ياعم سيبك منه تلاقية جاى يرمى جتتةعلينا 
- لا ياعم دة فيه شبة من عمنا سيد 
- هو لسة عايش – وهو عايز مننا إية – مش هوة دة الكاتب المشهور اللى بيطلع فى التليفزيون 
- يا عم دا كتب على البلد وفضحنا 
- دا شيخ الجامع قال عليه إنة علمانى 
- علمانى يعنى إية يالا 
- يعنى كافر – عمنا كافر يبقى لازم يموت 

إقتربت منهم – شعرت بأننى أدخل إلى جبل الشوك إلى حضن الجفاء - كانوا يجلسون على جانبى الطريق وأنا أسير بينهم حاملا حقيبتى وهى تتثاقل على 

لم ينهض أيا منهم لإستقبالى بل إستقبلت نظراتهم المسلطة علَّى كسهام الغضب التى تخترق جسدى المترنح بضيق وملل على الطريق شاعرا بجفاف حلقى ووهن قوتى .

لماذا أتيت إليهم – أليست هذة قريتى التى كنت أزورها دوما محتضنا تربتها السوداء وأمى السمراء ومستمتعا بحقولها الخضراء الزاهية التى تريح القلب .

ما الذى أكسب الأرض خضرة شاحبة هزيلة ذابلة وجعل الوجوة مثلها جافة متشققة تكسوها أخاديد الجفاء وملوحة الطعم . 

سرت بينهم وجوه بدت لى أنى أعرفها أو رأيتهم من قبل ولكنها جامدة حاقدة مملة .
متناسيا ألقيت عليهم السلام وببلادة ووقاحة ردوا بتثاقل , تقدم بعضهم نحوى وكأنهم يقولون ( مايجيش من الغرب حاجة تسر القلب )

قلت فى نفسى ( البعيد عن العين ) يظهر أنهم نسونى .

وكيف لهم يتذكرون الذى لم يرفعوا التليفون ولو لمرة واحدة للسؤال عنه بعدما تركهم نازحا الى القاهرة لإستلام الوظيفة الميرى منذ ثلاثون عاما ,ومن حينها وأنا آتى إليهم بصفة دورية لزيارة القريه للسؤال عن الوالد الذى توفى وعن الوالدة المريضة وعن الثلاث بنات إخوتى وعن أخواتى الأربع عندما إقتربوا منى تجاهلونى وأخذوا يتحدثون مع بعضهم وهم يعتبروننى غير موجود بينهم تماما .

- ياعم هو مش سيد .
- دا واحد تانى غيرة .
- قطعت حديثهم قائلا 
- أنا سيد أخوكم وجاى أودّكم وأزور أمى .
- وليه دلوقتى جاى تزورنا ؟
- رد أحدهم – يظهر إنه إفتقروجى علشان ياخد نصيبة من ورث أبيه .
- وهّية الأرض مكفيانا إحنا اللى تعبانين فيها وهو مش مكّفية النعمة اللى هو فيها وجاى يشاركنا فى الفقر بتاعنا .

وقفت بينهم مذهولا وأنا أنصت وأُتابع الأصوات من حولى وهى لأشخاص لم أشاهدها من قبل فأنا لم أفكر مطلقا فى هذا الأمر أو الميراث الذى لن يتعدى الربع بعد أن قاموا بحرمان البنات من ميراثهن .

كانت صدمتى القاتلة عندما صاح أحد الحاضرين وهو شاب لم أعرفة من قبل وهو يدفعنى فى صدرى مردداً .

- عمى سيد مات ودة نصّاب جاى يُنّصب علينا وياخد الوِرث. 
- نهرة آخر قائلا له – عيب ياولد إنت عايز تمّوت عمك علشان الورث 
تعودت دوما الإتصل بإخوتى البنات للإطمئنان عليهن وهناك ودٌ حميمى بينى وبينهن أما إلرجال فإنهم يقاطعوننى دوما لأننى لستُ مثلهم أركب الأرض وهم يريدون تقسيم ميراث أبى بينهم ويحرموننى مع إخوتى البنات من حقوقنا الشرعية . 

كانت علامات الكبر تحفر تجاعيدها على الجميع وظهرت ملامحهم وقد كستها علامات حب الدنيا والبخل والضلال وأنحنت ظهورهم وشحب وجههم وهربت من بين جفونهم بريق عيونهم وأصبحوا كدمّى متحركة يسير خلفهم أولادهم غير عابئين بما يحدث وجل همهم إثبات أنهم أصحاب الحق بالميراث .

أقسمت لهم أننى لم آتى لهذا السبب ولكننى أتيت لحبى لهم ولرغبتى فى لم الشمل .
 رأيت أختى الكبيرة قادمة  تهرول مرتشحة بالسواد ودخلت الى من بين الذين يحيطون بى من الشباب ضاربة كل الموجودين فى وجوههم .

- عيب ياولاد الكلاب دا عمكم !
- وإية يعنى عمنا هو إحنا شفنا منه أى حاجة !
- دا هوة اللى مربينا كلنا ومربى أبوكم وسايب ريع الأرض لينا من تلاتين سنة.
- دانتم نايمين صاحيين فى خيرة – دايما كان بيسأل عليكم وبيتة مفتوح فى مصر ليكم .
وأقتربت منى وأحتضنتنى ولأول مرة أشعر بدفئ الحنان. 
- إتفضل يا حاج سيد بيتك ومطرحك. 
- سألتها أمى فين.؟ 
- ردت بحزن أمك ماتت وأنا أمك! 

أدرت وجهى شاردا حزينا بينهم – هؤلاء ليسوا بشر إنهم شياطين كذبوا على ولم يخبرونى بموت أمى .

لعنت نفسى وحزنت على فراقها بعد أن أخبرتنى أختى أنها كانت دائمة السؤال عنى وأن الإخوة لم يبادر أحدهم بزيارتها بعد أن مرضت وحيدة فى البيت الكبير الذى إستولوا علية وباعوة ووزعوا ثمنة عليهم .

ولأول مرة أشعر بالوحدة ونظرت حولى فى حزن ورأيت فى عيون المحيطين علامات الحقد والغبن والجفاء. 

فهؤلاء إناس لا أعرفهم وهم بشر لا أستطيع العيش معهم لأنهم يختلفون فى المشاعر والأحاسيس. 

والٌقيت حقيبتى وفيها كل ما يتعلق بى وقفلت راجعا بعد أن ماتت أمى وسُلبت أرضى وبيع بيتى وحظيتُ بخيانةِ أهلى.

ماتت أمى ولكنى لن أستسلم لمن يريدون بيع وطنى وقهر طفلى وخنق حريتى ولن ابيع نفسى لمن باعوا رجولتهم ونخوتهم وكرامتهم بعد أن قبضوا الدمار .
الكاتب : السيد أحمد

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء