أحمد حلمى - نوبل حكايا لا تنتهي (2)




نوبل حكايا لا تنتهي (2) 


رينيه سولي برودوم 


بقلم: أحمد حلمى 




على امتداد الأرصفة، أرصفة الموانئ
تتأرجح السفن العظيمة
في سكون.. على صفحة الموج الساجي
غير عابئةٍ.. بالمهود التي
تؤرجحها أيدي النساء

( نفس عميق ) 



حسنا هذه سلسلة أدباء نوبل، في مقال سابق حكينا باستفاضة عن تاريخ اعرق الجوائز العالمية وعن المسار المعقد الذي تتخذه الجائزة لترشيح ومنح الفائزين بها، بدون مقدمات، هذا مقال لإلقاء الضوء على اول خطوات الجائزة التاريخية .


اذا قمت بزيارة سريعة لموقع جائزة نوبل، هناك قسم خاص بفرع الجائزة في الادب
، صورة الغلاف العملاقة على يمينها الميدالية الذهبية المنقوش عليها وجه السيد ألفريد ثم كتب بخط منمق في باقي الصورة اسم السيدة شفيتلانا أليكسفيتش الفائزة بنوبل للعام الحالي، على يمين الصفحة هناك قائمة بأكثر الادباء الفائزين شعبية كتب هناك (ايرنست هيمنجواي، بابلو نيرودا، ويليم فوكنر، جارسيا ماركيز، ألبير كامو، فارجاس يوسا) ثم هناك احصائيات تاريخية عن الجائزة واقتباسات متناثرة لبعض الادباء.

ثم لا شيء عن سولي برودوم
أول الفائزين بها
اين نبحث اذا
هذه مشكلتك
اين كنت انت في العام 1901 لتعرف من هو برودوم


 ***
برودوم
"رينيه فرانسوا ارماند برودوم" الشهير ب "سولي برودوم" المولود في باريس في السادس عشر من مارس للعام 1839 لم يكن مسار حياته يشير بأي شكل ناحية الادب
، ايامه الاولى لاتنبئ بأي حال بوجوده هنا، فالرجل كان شغوفا بدراسة العلوم الطبيعية، وشهادته الجامعية كانت في الهندسة، لكن صراعا بين المذاهب الادبية في فرنسا في هذا الوقت هو ما اجتذب باقي ايامه حتى استوطنه تماما.

بطريقة او بأخرى كل كائن يتنفس في هذا العالم لديه نقطة مفصلية تقود لتغيير جذري في مسار حياته العظماء فقط يدركون ذلك . 

سولي برودوم هنا اليوم لانه ادرك ان عليه ان ينتصر للادب .

 ***

البرناسيين

في منتصف القرن التاسع عشر كان الاتجاه السائد في الادب الفرنسي بشكل عام هو الاتجاه الرومانسي المغرق في الذاتية - سأقول لك كلمة واحدة في هذا الصدد : " فيكتور هوجو " حسنا
، انهما كلمتان لكنهما تفيان جدا بالغرض – هنا وكما هي العادة لابد وان تظهر المعارضة ثم الصراع .

في العام 1866 صدرت مجموعة شعرية تضم قصائد لمجموعة من الشعراء المعاصرين - كان من بينهم برودوم - كانت تحمل عنوان "البرناس المعاصر"  وهو ما كان ايذانا بميلاد جماعة البرناسيين .


واتخذ البرناسيين شعارا " الفن من اجل الفن "
زاعمة أنه لاهدف للشعر سوى الشعر نفسه، ومؤمنة بأن الجمال الحقيقي المبتغى في الشعر يكمن في الينبوع الأصيل وهو البارناس Parnasse (نسبة إلى جبل بارناسوس Parnassos في اليونان)، فالفن اليوناني هو المثل الأعلى السامي الذي ينبغي للشاعر أن يقتدي به. ومن هنا جاء تقديس هذه الجمهرة من الشعراء لكل مايتصل
باليونان وشعرها وتاريخها وأساطيرها، ليتاح لهم من ثَمَّ أن يعزفوا عن العاطفة المتأجِّجة، المتقلِّبة، السائدة في الشعر الإبداعي خاصة، ويستبدلوا بها تصويراً صادقاً للطبيعة وحرصاً دؤوباً على صقل الشعر والسمو بتقنيته إلى مشارف الكمال، وكذلك انساق جل شعراء البرناسية في هذا المنحى المواكب للاتجاه السائد، آنذاك، في الفنون التشكيلية، نحتاً وتصويراً
، فيما بعد صار برودوم  هو الناطق باسم هذه الجماعة ورمزا لها. 

 *** 

نوبل
ذهبت الجائزة للادباء الناطقين بالفرنسية اربعة عشر مرة كان اولهم برودوم واخرهم باتريك موديانو في العام 2014وابرزهم البير كامو 1957 في اواخر العام 1900 واوائل العام 1901 تلقت الاكاديمة السويدية 37 ترشيحا للجائزة الرفيعة كان ابرزهم الفرنسي ايميل زولا , فريدريك ماسترال – نال الجائزة بعد ثلاثة اعوام – وتجاهلت التصفيات النهائية الاديب الروسي ليو تولستوي وهو ما اثار ازمة حين ذاك ف
في تلك الفترة كان تولستوي أبرز الأدباء الأحياء، ويحتل منزلة رفيعة كروائي أبدع نتاجات روائية عظيمة، وقد اعترف (كارل فيرسين) سكرتير الأكاديمية السويدية في ذلك الحين، بأن تولستوي خلق نتاجات خالدة. ولكنه مع ذلك صوت ضد منح الكاتب الروسي الجائزة، لأن الأخير حسب زعمه "نبذ كل أشكال الحضارة ودعا الى أسلوب بدائي وبسيط للحياة الإنسانية، بمعزل عن كل أنماط الثقافة الرفيعة.


لكن الازمة اخذت في التصاعد
حتى انه بعد شهر واحد من إعلان اسم الفائز- السيد برودوم - وجهت مجموعة كبيرة من أدباء وكتاب السويد البارزين رسالة الى تولستوي، عبرت فيها عن احتجاجها على قرار لجنة التحكيم، وفي الوقت ذاته إعجابها الشديد بنتاجات الكاتب، ومما جاء فى الرسالة: "نحن نرى فيكم، ليس فقط، العميد المبجل للأدب المعاصر، ولكن أيضا واحدا من أعظم وأعمق الأدباء المعاصرين، الذين لا يمكن لأحد ان يتجاهلهم، رغم أنكم حسب قناعاتكم لم تسعوا قط في أي وقت من الأوقات للحصول على هذا النوع من الجوائز. ولهذا نشعر بمسيس الحاجة أن نوجه اليكم هذه التحية، لأننا نعتقد بأن المؤسسة التي أنيطت بها مهمة منح جائزة (نوبل) في الآداب، لا تعبر بتشكيلتها الحالية، لا عن آراء الكناب والأدباء والفنانين ولا الرأى العام. دعهم يعرفون في الخارج (أي خارج السويد)، بأننا حتى في وطننا البعيد، نعتقد بأن الفن الأهم والأقوى، هو الفن الذي يولد من رحم حرية الفكر والإبداع".

ورد تولستوي على ذلك برسالة
قال فيها وببساطة شديدة:

"أيها الأخوة الأعزاء لقد سررت كثيرا لأن جائزة نوبل لم تمنح لي، ومبعث سروري يرجع لسببين: أولهما وقبل كل شيء ان ذلك، خلصنى من صعوبة كبيرة، وهي كيفية التصرف بمبلغ الجائزة، وهو في رأيي مثل أي مال آخر لا يجلب سوى الشر. وثانيهما، تشرفت وسررت لتلقي عبارات التعاطف من كثير من الناس، وإن كانوا غير معروفين بالنسبة لي، إلا أنني أكن لهم احتراما عميقا. ارجو، أن تتقبلوا أيها الأخوة الأعزاء خالص الامتنان وأفضل المشاعر
.

 ***
لكنه سيأتي، سيأتي يوم الوداع؛
إذ محتمٌ أن تبكي النساء
ومحتم أن ينقاد الرجال الذين
لا يكفون عن الفضول
صوب الآفاق التي
تغويهم بالرحيل

في ذلك اليوم،
يوم تغادر مرافئها التي
تغيب في الضباب،
ستشعر السفن العظيمات
بأن أجرامها.. مثقلةٌ
مشدودةٌ هنالك..
بأرواح المهود البعيدة..».
من قصيدة " المهود " لبرودوم

تميز شعر برودوم المعبّر عن التلوينات العاطفيّة والنفسية بدقّة مدهشة، أما أسلوبه فكان في منتهى الصفاء والشفافية، وكان يرى أن الشعر يجب أن يكون صميمياً وفلسفياً، وأنّ العالم الخارجي لا يكون ممتعاً وذا أهميّة إلا بمقدار ما يثير أفكارنا للبحث في ألغازه الرفيعة، ولهذا تجد في قصائده طابع التفلسف والرمز
.

برودوم الذي انتخب عضوا في الاكاديمية الفرنسية في العام 1881 وتم ترشيحه لنوبل من قبل كل زملاءه اعضاء الاكاديمية تبرع بقيمة الجائزة بالكامل لانشاء جائزة خاصة بالشعر في فرنسا ومن اهم اعماله الشعرية : " ثورة الزهور " و " الحنان دون جدوى " و " العدالة " بالاضافة للكثير من الاعمال النثرية .

جاء في هامش نوبل انه تم منح الجائزة الرفيعة للسيد رينيه فرنسوا ارماند تقديرا لمجمل اعماله الشعرية التي تعبر عن تكوينه الخاص مما يعطي دليلا على المثالية النبيلة
والكمال الفني ومزيج نادر من صفات كل من القلب والعقل " .

توفى سولي برودوم في العام 1907
ببلدة شاتينيه ودفن في مقبرة " بير لاشيز " وهي مقابر تضم عظماء فرنسا .

حكايانا عن نوبل لن تنتهي حديثنا القادم عن الاديب الالماني تيودور مومسن


الإبتساماتإخفاء