محمد يوسف الغرباوي - تصريح بالحب



 تصريح بالحب

بقلم: محمد يوسف الغرباوي  




"يا ستار على هذه السيدة"، صرخة ترددت في صدرها المملوء بالغيظ من تلك السيدة صاحبة المنزل، اللتى تتلصص عليها فى دخلتها وطلعتها من المنزل، منذ أن سكنت فى هذه الشقة المفروشة فى الحي الهادئ الراقي بعيدا عن أهلها القانطين فى المنيا عروس الصعيد.

الحقيقة العجيبة أن هذه السيدة ليست مالكة الشقة، اللتى تستأجرها هي من مالكها، واللذي اشترى بدوره هذه الشقة مثل كثيرين فى العمارة من هذه السيدة منذ سنوات، وأصبحت هذه السيدة لاتمتلك سوى أقل من ثلث الشقق. ورغم ذلك مازالت تدعو نفسها بصاحبة العمارة وتدير أعمال الصيانة وشئون البوابين أمام استسلام واستسهال باقي الملاك. ولقد كفاها صاحب الشقة التعامل مع هذه السيدة المتطفلة سليطة اللسان ولكنها مصرة على متابعة إغاظتها بذاك التطفل والتلصص.

لقد استمعت من قبل لشكاوى الكثيرات من زميلاتها وصديقاتها، اللاتي فى مثل ظروف اغترابها، من مثل هذا السلوك المستفز من أصحاب البيوت والجيران، وكأن كل من اضطرتها ظروفها للاغتراب تحتاج الى رقابة المجتمع المحيط وأن تكون دائما تحت المجهر لفحص كل حركة وكل سكنة انتظارا لضبطها بالجرم المشهود. والمستفز أكثر أن نفس الناس في نفس الأماكن تتساهل مع الشاب العازب وتتجاوز عن هفواته تحت مقولة الحرية الشخصية، وهو داء المجتمع الشرقي في الكيل بمكيالين واستخدام قيود العيب والحرام لتكبيل المرأة دون الرجل.

أبوها رغم صعيديته وتقاليد عائلته العريقة من أعيان الصعيد، إلا أنه رباها على الحرية المصانة بالمسئولية والمحكومة بوازع الدين والتربية السليمة، فنشأت إمرأة حرة شديدة الاعتداد بنفسها وكرامتها مترفعة عن الصغائر والهفوات. هذا ما جعل أبويها لا يمانعان فى حصولها على هذه الوظيفة فى الهيئة الدولية بمكتبها بالقاهرة، وساعداها فى الحصول على هذه الشقة المفروشة بالحي الراقي متحملين بعدها عنهما.

سرعان ما كونت صداقات فى محيط العمل مع التحفظ فى تعميق هذه العلاقات أكثر من اللازم تجنبا للمشاكل. 

عندما رأته أول مرة عند التحاقه بالعمل منذ أشهر قليلة لفت نظرها هدوئه الشديد مع الثقة الكبيرة اللتى تبدو ظاهرة فى حركاته ونظراته وتعامله مع الآخرين، مغلفة بأدب شديد تجبر الآخرين على احترامه. 

كان تعامله معها من خلال العمل يشعرها براحة وانجذاب لم تعهده من قبل، تتمنى كل مرة لو أطال مكوثه معها دون أن تبدى أى إشارة من جانبها ودون أن تتلقى أى إشارات من ناحيته، إنما هو طريقته المعتادة شديدة الثقة شديدة الاحترام.
جميع زملاءه ورؤسائه كانوا مجمعين على أنه سيكون له مستقبل باهر لتميزه العملي 

والعلمي، فهو رغم صغر سنه نسبيا قد حصل على شهاداته العليا من أرقى الجامعات الأمريكية وطلبته هذه الجامعات للتدريس بها، ولكنه فضل أن يبدأ حياته العملية فى مجال أكثر احتكاك بالحياة والناس. وحاول أبوه أن يجعله يعمل معه فى إدارة مصانعه، لكنه أقنعه أن عليه أن يبدأ حياته من أول السلم معتمدا على نفسه.

جاءها كالعادة تسبقه نظرة الثقة وجلس مباشرة أمامها. لاحظت أن يده تخلو من الأوراق. نظرت إليه متسائلة دون أن تنطق.

بعد لحظة صمت بينهما قال بصوته الرجولي وبنبرة محايدة وقورة "ممكن أطلب منك طلب؟"

هزت رأسها دون أن تنطق فأسرع يكمل "ممكن تسمحي لي بأن أحبك؟"

كادت الارض أن تدور بها، وبين مشاعر متضاربة من الدهشة لهذا الطلب الغير معتاد والفرحة بأنه قالها اخيرا. وكأنها كانت تنتظرها، تجمدت نظراتها وشعرت بشلل تام وعجز عن رد الفعل، كإنسان يعبر طريق ففاجاءته السيارات من الجانبين فتجمد فى مكانه لايستطيع أن يتقدم ولا يتأخر.

ولكي تزيد دهشتها، قام من مكانه بنفس الهدوء والثقة وكأنه أنهى مناقشة عمل وهم بالانصراف ولكنه توقف واستدار هامسا "على فكرة أعطيك الحق أن تحبيني أنت أيضا إذا شئت ذلك" 

لم تدري كم مضى عليها من الوقت وهى مشدوهة متجمدة كتمثال فى متحف الشمع غابت عنه الروح وإن عبر وجهه عن انفعالات كثيرة.

كان هذا فى آخر يوم عمل فى الأسبوع، عاشت بعدها يومي الأجازة الأسبوعية تتقاذفها المشاعر والاحاسيس ما بين الفرحة إلى الغضب، فرحة بهذا الحب الجديد وغضب من الطريقة العجيبة اللتى عرض بها هذا الحب عليها. قد كان لها دائما خيالها عن اليوم اللذى يعرض عليها فارس الأحلام حبه وأبدا لم تتصوره بهذه الطريقة العجيبة وكأنه عرض فى مناقصة أعمال.

فى نهاية المطاف طغت الفرحة على الاندهاش واقتنعت نفسها بأن هذه الطريقة بشكل ما تتسق مع شخصية هذا الإنسان وتدل على صدق وبساطة واستقامة، وقررت أن تترك لقلبها والأيام أن تقرر مصير هذا الحب.

فى الأيام اللتى تلت بداية الأسبوع كانت الأحداث تبدو ككل الأيام اللتى سبقت الطلب العجيب، فهو مازال يأتيها فى شأن من شئون العمل وينصرف بنفس الهدوء والثقة، لكن ما يدور فى داخلها كان كبركان من الأحاسيس والترقب. إلى أن لاقته صدفة فى البوفيه وهى تعد فنجان من القهوة اعتادت أن تشربه فى منتصف اليوم، وكان هو هناك يعد مشروبا له. لقيها بابتسامة شجعتها أن تقول "لم تسألنى ما أنا فاعلة بالحق اللذى أعطيتنى أياه".  ولأول مرة تلمح فى وجهه اختلاجة دهشة، ولأول مرة تخفت نظرة الثقة فى عينيه.

وجدت نفسها تستمتع بهذه اللحظة من القوة، لكنها أشفقت عليه من أن تراه حائرا فأطلقتها بكل مشاعرها "أنا أقبل أن أحبك كما أقبل أن تحبنى" 

شموس من الفرح والسعادة كست وجهه وورود من خجل الأنثى تفتحت فى وجنتيها. 
حملت لهم الأسابيع التالية السعادة فى تقاربهما وتفاهمهما وتم تعارف الأهل واتفاقهم على تفاصيل الزواج بكل يسر وأريحية من الطرفين.

وجاءت ليلة العمر بعد أشهر ليست بالطويلة حفلت بالسرور والتفاف الأهل والأصحاب حول العريسين السعيدين.

خلا الحبيبن إلى عشهما واقترب منها بحنان ورقة يساعدها فى خلع طرحة الزفاف وهمس لها "ممكن أطلب منك طلب ثانى؟"

دار فى ذهنها حيرة عن ماذا سيطلب منها هذه المرة، وقبل أن تستسلم لحيرتها أردف قائلا "تسمحيلى أفضل أحبك طول عمري؟"

إلتفتت إليه وقد ذابت من رقة طلبه وألقت بنفسها بين ذراعيه معلنة قبولها عقد الحب الأبدي. 



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء