على عمر - تقديم





تقديم

بقلم: على عمر 


"لعلها كانت أصعب لحظه في حياتي ، رأيت ما هو أسوأ من ذلك ، كنت أحسبني أقدر ولكن شيء ما تغير داخلي ، شيء ما يهز كياني كلما تذكرت ما حدث ...لقد أدركت كم أنا ضعيف!!!"


.....


أعلن قائد الكتيبه أننا سنتوغل في "الشيخ زويد" وصدرت الأوامر بالمسح والتطهير الكامل ، أدركت هول الأمر وصعوبه المهمه، خاصه وقد التحق بمجموعتنا مجموعه صغيره من العساكر حديثي التجنيد كانوا بحق مجموعه من الاطفال ، نحيله اجسامهم ، لا يفقهون شيئاً عن القتال، حتي اطلاق الرصاص هو بالكاد كل ما يعلمونه عن القتال ، كنت أخشاهم ! وأخشي عليهم ، إن خطأ الواحد منهم قد يؤدي بحياتنا ، وكيف لهؤلاء الصبيه بالتوغل في "الشيخ زويد" وهذا الأمر أثار قلقي ، إن حرب الشوارع هي أصعب أنواع الحروب علي الأطلاق وما أكثر جرحاها وقتلاها، إنها تتطلب مهارات بعينها....أعلم ان هناك أُلفه من نوع خاص بين الجندي والأرض، أُلفه تجعله يعرف أين ومتي يختفي من الموت !!! إن الأرض للجندي هي بمثابه أمه التي يلقي بنفسه ملصقاً جسده بها ليحتمي من موت محيط !! 

أذكر أنني كنت أختبئ فجأه دون أي أمر لي بالاختباء أو الحذر كنت فقط أستجيب لنداء ما ...لشيء لا أعلمه يدفعني لترك موقعي هذا وأتمدد علي أرض القتال أحمي رأسي ووجهي بذراعي وما هي الا ثوان وأري مكاني السابق وقد ملئته النيران أو تحول إلي حفره أثر انفجار غٓير معالمه وقد أستُشهد فيه من اُستُشهد!


لا أدري ما كان يحدث لي في تلك اللحظه ، كنت فقط استجيب لذلك النداء ، نداء الحياه أو ندائي الداخلي بالهروب من الموت!! ! شيء ما يحركني !!! إنها السماء !!! فهي وحدها تعلم من سيبقي ومن سيرحل ... وما نحن الأ أدوات بيد السماء نستجيب لندائها أو تُصم أذاننا وتستجيب الارواح للنداء !

تذكرت مهمه الشيخ زويد مجدداً وحرب الشوارع المنتظره.إن التوغل يحمل الكثير من المخاطر ، تعودنا علي حماية الكمائن والنقط الثابته ولكنها أرض جديده علينا وخاصه هـؤلاء الجنود الجدد لا خبره لهم و لا أُلفه بيننا وبين تلك الأرض !!

.....


ليله القتال 

صدرت الأوامر لنا بأن نخلد الي النوم مبكراً فما هي الا ساعات قليله وسنبدء بالتوغل في زويد، حاولت النوم في تلك الليله وفشلت، كان العنبر مكتظ بالجنود غير أن ثرثره أخذت تعلوا بينهم وأخذت استمع اليهم لعل النوم يعرف سبيله الي عيني !

لاحظت "مصطفي"وهو أحد المجندين الجدد كان يصغي بأهتمام لأحاديث رفاقه خاصه من تمرس منهم علي القتال ، دارت الحكايات عن بطولات احدهم في القتال .أمتزج الواقع فيها بالخيال وعن نوادر بعضهم مع الضباط ما أضحكنا جميعاً، احسست بأرتياح عجيب بين هؤلاء الرفقاء !!!!

سأل أحدهم مصطفي :

- أنت قاعد ساكت كده ليه يا درش ؟ اوعي تكون خايف من بكره؟

مصطفي: لا والله مفيش حاجه ، ويا عم الأعمار بيد الله !! أن شاء الله ننضف المكان كله ونرجع كلنا سالمين !!!

نزل الصمت علينا جمعياً بعد كلمات مصطفي وكأنها ذكرتنا بيوم غد !!!!!

لاحظت ذلك فقاطعت الصمت متسائلاً:

- وأنت ليه مش خاطب لحد دلواقتي يا مصطفي ؟ في اي مشكله لا سمح الله؟! 

أنفجر العنبر ومصطفي ايضاً بالضحك وأجاب : والله لسه ربنا ما اردش ، لما أشتغل الاول يا ريس وربنا يكرم و هعزمكم كلكم ...أن شاء الله .!!!

كنا نعلم جيداً الواجب المنوط بنا ، نعلم ما كلفنا به من عمل ، لم تكن سيناء ولن تكون ابداً "ولايه سيناء" بل سيناء كما عرفناها، جزء من وطننا.... طاف بخيالي ما سمعته عن "داعش" وويلات ما أرتكبوه في كل مدينه دخلوها .....احسست بالدم يجري في عروقي رغبت في ان ابدأ قتالي معهم الأن وأُصبحهم بصباح لم يشهدوه من قبل، تختلط فيه اصوات صراخهم باصوات بنادقنا .!!! طاردتني أفكار أخري وأسئله خفت منها، حاولت أن أبعدها عن عقلي فلم أستطع ، هل القتال سيؤدي النتيجه التي نرجوها ؟ هل بالقتال نستئصل ذلك الفكر الذي افسد البشريه وأساء للأسلام والمسلمين ؟ إن ارواحاً كثره قد أٌزهقت من كل الاطراف ولم يهزم الفكر ؟ وهل يٌثني العقل قتال ؟ فلقد علمنا التاريخ أن العنف لا يُنبت الا عنفاً.

 عٓدلت عن افكاري حين تذكرت أنني أحارب من أجل الدفاع وليس من أجل الهجوم من أجل أنسانيتي التي طالما رجوت أن أضيف بها شيء للبشريه ، صارعتني أفكاري مجدداً غير أن النوم أنقذني أخيراً من هذا الصراع !!!! 

......


سيناء- الشيخ زويد - الرابعه فجراً - يوم القتال 

كنت أتقدم المجموعه وخلفي عدد كبير من الجنود يسيرون بحذر في صفين تسبقنا الدبابات ومن خلفنا عربات مصفحه ثُبتت المدافع الرشاشه فوقها ، طنين الاباتشي يشق سكون الليل ، أبواب المنازل ونوافذها مغلقه وكأننا نسير بشارع هجره أهله منذ سنين، أنقبض قلبي فصوت الاباتشي يزلزل المكان وسكون المنازل هو نذير شؤم لي...

ملأت رائحه البارود المكان ونفذت الي رئتيي ، سحب من الدخان غطت الشارع بل سماء زويد بأكملها ، كنت أميز الأنواع المختلفه من الأسلحه، فقد تٓمرست أذني علي ذلك، سمعت صوت قذيفه هاون تسقط عن مقربه مني، فاحتميت بالأرض وابعدت جسدي قد استطاعتي ، حاول بعض الجنود الاحتماء بجدران المنازل غير أن عبوات ناسفه قد زرعت بجنبي الطريق وقد انفجرت جميعها مع اقتراب اول جندي منها ، سمعت اصوات عربات تنهب في الارض حسبتها أول الامر عربات مجموعتنا ، رفعت رأسي ببطء ورأيت عربات داعش وتحمل فوقها مضادات للطائرات تمركزت في بدايه وفي نهايه شارع القتال و بدأت في العمل ومدافع أر بي چي تقصف دباباتنا والعربات المصفحه !! 

صرخ أحد الجنود بأعلي صوته؛ حاسب يا مصطفي ... ....هاون ، إنفجرت القذيفه ... وأٓبيٓ صوت أنفجار القذيفه أن يُسمع الدنيا صوته ثانيه !

وفي ثوان دكت الاباتشي عربات داعش وامطرت جنودهم بالقذائف ، فر جنود داعش بالشوارع المجاوره غير ان الطائرات حاصرتهم فلم يجدو سبيل الا الي الدخول في شارعنا حيث مات "مصطفي"وسالت دماء اخرين بين جنباته ، صرخت في الجنود حتي حسبتني اني فقدت صوتي " اضربوا .... اضربوا في أول الشارع وفي أخره يلاه مفيش وقت ...." 

انطلقت نيران غضب و كره ، نيران الألم تحملته أجسادنا وستتحمله من تركناهم وراءنا ، أندفعت وقد فتحت نار بندقيتي لتحصد من جنود داعش ما تشاء كنت أضرب وكأنني قد اصبت بالجنون ، أوجه بندقيتي حتي لقتلاهم ، اعملت سلاحي بهم ، تحولت الي حيوان يقتل بلا رحمه اطلقت الرصاص مرات علي جثث الكثير منهم كنت كحيوان يطارد فريسته وقد اقسم ان يفتك بها ، ارويت سلاحي بدمائهم ولكل من تبقي منا..!

كان بإستطاعتي أن أُأُسر أحد جنودهم ..وكانت الأوامر الصادره أن نأسر منهم من نستطيع ، غير أني تذكرت حديث الجنود ليله أمس في عنبر معسكرنا فأبيت الا أن أمحو أثر جنودهم من الأرض وليكن ما يكون ..!

استمر قصف الاباتشي مدعومه بطائرات أف ١٦ وقد استطاعت مجموعتنا تطهير كل الشوارع الجانبيه وتصفيه كل من فيها من عناصر داعش ، وأسرت مجموعه أخري عدد من جنودهم .... ، وانتشرت عربات الجيش تملأ شوارع الشيخ زويد .

....


كانت بحق أصعب لحظه في حياتي ، صدرت الأمر لي بزياره أسره مصطفي وتبليغها بخبر وفاته ، إن خوفاً يعتريني الأن ، أشعر بثقل الخبر علي نفسي فما بال أمه وأخوته ، أقتربت السياره من منزل مصطفي وتسارعت نبضات قلبي وأحسست بالدم يندفع في عروقي ، أرتعشت يدي حين حاولت طرق الباب وقفت في مكاني استجمع قواي لكي أبدو متماسكاً أمام الجميع ، وانفتح الباب من غير أي طرق مني ، لعلها سمعت صوت عربه الجيش وقد أطفئت محركاتها أسفل المنزل ، فُتح الباب واذا بوالده مصطفي أمامي ساكنه تنتظر أن أتكلم، لم أقوي علي الكلام نظرت الي وجهي وحدقت في عيني كانت ثوان معدوده مرت وكأنها الدهر كاملاً، أدركت هي كل شيء ،شعرت ساعتها بالعجز بضعفي الانساني بقله الحيله وهوان الحال، انها الرحمه لا يعرف سرها الا خالقها، علا النحيب والصراخ ، القت بنفسها في الارض تضرب الارض بيديها تاره وتلطم خدها تاره ، وكأنها تسأل الأرض أن تخرج من فيها ولا تملك الي ذلك سبيل ، أنساب الدمع من عيني مع نحيب تلك الأم ، لقد رأيت الموت شممت رائحته مراراً ، رأيت اشلاء تملأ المكان ولم أبكي ، عرفت البكاء هنا عرفت الرحمه وعرفت قله الحيله وهوان الحال ، ولا أدري لما رُحت اكرر ساعتها قوله تعالي " وظنوا ان لا ملجأ من الله الا اليه" كررتها مئات المرات ، إنه وحده القادر أن يربط علي قلبها ، أنه وحده القادر ولا أحد سواه ......، لم تكن أم مصطفي تريد المجد ، أو تخليد أسم أبنها علي أحد الميادين ، لم تعرف المجد يوماً ولا يهمها ما تفعله داعش وغيرها ، هي لا تعرف شيء ولا تريد شيء هي فقط تريده هو ، أجل زرع عمرها وحلم حياتها...!




الإبتساماتإخفاء