د. السيد أحمد - إستهبالونيا إستهلاكيه..!




إستهبالونيا إستهلاكيه..!

أدب ساخر 


بقلم: د. السيد أحمد 


كانت البنات معايا رايحين نشترى هدوم العيد ليهم – والبنات مع بعض بيحبوا المنظرة . 
المهم وأنا فى الطريق لفت نظرى طفل صغير لا يتعدى الثامنة من العمر ملابسة كلها ممزقة وهو من النوعية الى بيقولوا عليها أطفال الشوارع . 

أنا كنت قاعد جوة العربية  بعد ما البنات نزلوا ودخلوا المحل الكبير لشراء ملابسهم .
لفت نظرى أن الطفل الصغير يجلس باكيا ومن كتر البرد والساقعة والجوع مش قادر يطلب من حد الأكل بصوت عال – كل اللى قادر يعملة إنه يبكى بصوت متقطع وأنين شيخ كهل ضعيف وجسمة بيرتعش وبيمسح عينيه بضهر إيدة اللى كونت الوساخة عليها طبقة سودا من القاذورات . 

الغريب إن الناس ماشية من حوالية وكلهم مشغولين فى موبايلات حديثة وكل واحد عمال يتكتك فى موبايلة على الواتس آب أو الفيس بوك أو الإنستجرام اللى ربنا إبتلانا بيها اليومين دول . 

قعدت أراقب المشهد الحزين للولد المسكين ورجعت بذاكرتى إلى الوراء عندما كنت طفل مثلة – كانت أمى تحمّينى بمية سخنه وصابون من اللى بيسموة أبو ريحة وتلبسنى غيار داخلى مغسول ونضيف وريحتة حلوة وأطلع من الحمام ألاقى الأكل جاهز ولما آجى أنام ألاقى السرير نضيف ولما أشعر بالعطش ألاقى المية الساقعة ولما أبرد أمى تغطينى وأما أمرض ألاقيها جنبى تداوينى . 

فرت دموعى من عينى عندما شاهدت فى نشرة الأخبار وأنا لسه قاعد فى العربية وزيرة التضامن الإجتماعي وهى تلقى كلمة لها فى أحد الفنادق الفاخرة وأمامها حزمة من رجال الأعمال وسيدات المجتمع لمساعدة أطفال الشوارع وقدامهم على الترابيزات ما لذ وطاب من أشهى المأكولات وطبعا من ميزانية الوزارة اللى هى من حصيلة دم الفقراء واليتامى.

فضلت أراقب المشهد دة حوالى ربع ساعة ولا حد داري بالولد دة أبص على يمينى مفيش حاجة إتغيرت أرجع بعينى على شمالى ألاقى تصفيق حاد للسيدة الوزيرة ولفيف من المنافقين يشكروها على مجهوداتها العظيمه .

فتحت باب سيارتى وأتجهت للطفل الجائع تحت الكوبرى وعندما إقتربت منه وقف خائفا يترنح من الجوع والبرد أخذته فى حضنى وبرغم من رائحتة الكريهة وملابسه المقطعة – حملتة ودخلت بة أحد المطاعم وكان مطعم كشرى والولد يبص لى بتعجب وأكل الولد وأكلت معة وحسيت إنها أحسن وجبة أكلتها فى حياتى ومسكتة من إيدة ودخلت بيه محل ملابس وإشتريت له لبس متواضع وجزمة ولقيت الناس بتبص لى فى حب حتى البياعين كانوا بيدعولى وخفضوا لى الأسعار وصاحب محل لما عرف إنى بساعد الطفل دة إدانى لبس تانى له وقالى أنا عايز آخد حسنه زيك يا حاج . 

رجعت إلى مكانى ولقيت السيدة الوزيرة تسلم شهادات التقدير لوكلاء الوزارة ومستشاريها على مجهوداتهم العظيمة لرعاية الطفولة وحولها لفيف من سيدات المجتمع البدينات وكلهم لابسين ملابس من أحسن وأغلى الأنواع وإكسيسوارات ذهبية وعاملين مكياج جامد وشدين ونافخين ولابسين باروكات غالية وكأنهم  فى حفلة غنائية وليس فى حفلة خيرية .

دخلت أدور على بناتى فى كارفور لقيت جوة مجتمع تانى مغيب برضة الكل بيبعزق بالميات والألوف على شويه حاجات تافهة وإكسيسوارات غريبة والكل بيتمنظر وبيصرف فلوسة على شوية أضواء وديكورات وعنطزة فاضية . 

جوة فيه مطاعم عالمية وكافيهات برضه عالمية والناس فرحانة سندوتشات ووجبات تافهة تدفع  بالميات وتاكل وتقوم جعان وتدفع خمستاشر فى الميه خدمة وعشرة فى المية ضرايب وعشرة فى الميه بقشيش والكل عمال يتمنظر على الكل وفجأة تلاقى الناس كلها بقت غنية والفلوس معاها زى الرز وهما من نص ساعة كانوا بيشتكوا الفقر وقلة المرتبات والقهر .

الغريب إن الكافيهات فى الهايبر أو المول تلاقيها زحمة ومتلاقيش فيها مكان وأسعارها ولعة وهناك خدمة بيسموها مينيمم شارج يعنى سيادتك تشرب شاى أو قهوة وحاجة ساقعة وعلى طول تروح واخد قلم على قفاك ودافع المية جنية والغريب إن الأماكن دى كلها مليانة بالشباب وكل واحد معاة المّوزة بتاعتة وهوة ماشى بيروح دافع بقشيش للجرسون علشان المنظرة .

إحنا بنضّرب على قفانا ونقول كمان والغريب إن الشركات دى كلها عالمية بتستنفذنا وبتحول فلوسنا على برة لأنها معمولة من إستثمارات أجنبية وما تدفعش ضرايب للدولة من جيبها كلها من جيوبنا إحنا اللى فرحانين بالمنظرة . 

مالها قهوة الأصدقاء اللى بقعد عليها وبادفع فى الشاى إتنين جنية وفى القهوة أربعة جنية ولما أدّى بقشيش إتنين جنية يبقى الجرسون طاير بيك .  

والغريب إنه بعد ما نطلع من المولات ونخلص فقرات التسوق والمهرجانات نلاقى نفسنا برة فى المولد من تانى – وكلة تايه ومحدش دارى بحد ومفيش حد بيساعد حد واللى بيدفع الألوف جوة مش هاين علية يساعد الغلبان برة ولو بالكلمة . 

بقينا نكرة بعض ونخاف من بعض وصوتنا بقى عالى على بعضنا البعض ومش طايقين نشوف بعض وكلنا بنستهبل على بعضنا وكل واحد فاكر نفسة الواد اللى مفيش زية .
بالذمة دة مش يبقى مجتمع غريب مجتمع فية إزدواجية أو مجتمع إزدواجى كلنا بوشين أو بفكرين أو مجتمع إستهبالى إستهلاكى .  


 التالى قريبًا ...     






الإبتساماتإخفاء