دعاء عبد المنعم - في صحبة نجيب محفوظ



في صحبة نجيب محفوظ

بقلم: دعاء عبدالمنعم 


رأيت فيما يرى النائم أننا كنا على سفر..
هذا الطريق نسافر عبره دوما، طريق غير ممهد، على جانبيه بقايا أشجار، ممتلئ بالمطبات والحفر، لا يشبه كثيرا -أو بأي حال في حقيقة الأمر- طريق السفر الحقيقي. 

مارست هوايتي المحببة في متابعة الطريق وقوفا في ممر الأتوبيس، ثم ما لبثت أن مللت هذا الطريق الذي سرت فيه مرارا مهما اختلفت وجهتي، وقررت أن أجلس.

جلست فوجدت أمامي نجيب محفوظ!! أخذت لمرآه، ظللت أحدق فيه لفترة طويلة، لا أستطيع كلاما، ولا يكف كلانا عن النظر لصاحبه.

كان عجوزا، غزا الشيب رأسه وغارت عيناه في محجريهما، تماما كما في أواخر أيامه، تبرز شامته التي تسكن جانب أنفه الأيسر، غير أنه لم يكن مرتديا نظارته.

كان هادئا، تنظر له فتشعر بفيض من الطمأنينة يغمر روحك، كنت أشعر هذا، وظل شعورا مرافقني بعد صحوي، تدور برأسي عشرات الأسئلة، لكنني لا أقوى على طرحها خشية إزعاجه، وأخيرا قررت سؤاله، فبادرته بسؤال على استحياء:

عم نجيب، رأسي يغص بالأسئلة، أشعر بالحرج من طرحها خوفا من إزعاجك، ولكنني أروم النصح.

أسرع -وكأنما كان ينتظر مبادرتي- قائلا:

ورأسي يضج بالكلام الذي يريد أن يصل إليك.

قال ذلك بلهجة بدت ودودة، مما شجعني على السؤال بحماسة: 

هل الشعور بالحيرة في اختيار الشخصية بطلة قصتي هو أمر طبيعي؟ أشعر بحيرة شديدة حد توقفي عن الكتابة أصلا، فهل من حل؟

قال وشبح ابتسامة يعلو وجهه: 

هذا أمر هين يا بنيتي، في القصة، قد وهبك الإله جزءا من صفته، "الخالق"، أنت المتحكمة في كل شيء، أفرغي على الورق كل ما يدور برأسك مهما كان دون تفكير، اقرأيه، لم يعجبك؟ حسنا، هذا أمر طبيعي، قومي بتغيير البطل، من رجل لامرأة، من شاب لـ...

هممت أن أقاطعه بأن المشكلة ليست في جنس البطل، ليس كونه رجلا أو امرأة أو طفلا، غاية ما يؤرقني أنني لا أستطيع تخيل الأمر الذي ينبغي أن تكون عليه الفكرة التي تقض مضجعي وتؤرق أحلامي، لما انشغل ذهني قال كلاما كثيرا لم أنتبه له، ولما لاحظ انصرافي عن كلامه، عاد إلى صمته والتفت يتابع الطريق.

بدوري التزمت الصمت وتحولت إلى النافذة ممتلئة بخيبتي.

ولما كنت مغرمة بتفسير الأحلام، استفقت من نومي أستعيد مشاهد الحلم مشهدا تلو الآخر في دهشة لا يبدو أنها ستزول قريبا.

جل اندهاشي كان مؤسسا على أنها لم تكن المرة الأولى التي يكون فيها نجيب محفوظ زائرا في منامي، فمنذ حوالي عام كنت في زيارة لمنزله وتناقشنا حول روايته الأشهر "أولاد حارتنا"، التي بدوري كنت قد قرأتها قبل ما يقارب الأعوام الثلاثة.

أتذكر جيدا أنني حاولت أن أسأله عمن يقصد بـ "الجبلاوي" فيها، فأخبرني أن الكاتب يفقد سيطرته على النص حينما يصبح بين يدي القارئ، وعليه، فهو لا يمتلك تفسيرا يمكن أن يسوقني لمن يقصده بشخص الجبلاوي.

السبب الثاني الذي يثير الدهشة في كوامني، أنني لم أهتم يوما بشغف بقراءة أدب نجيب محفوظ، كل ما قرأته له كان "أولاد حارتنا" و"أصداء السيرة الذاتية"، الأولى التي صدتني عنه، والأخيرة التي رأبت الصدع. 


الإبتساماتإخفاء