د. السيد أحمد - إنسان إفتراضي بلون الكون



إنسان إفتراضى بلون الكون لـ رناجيرة الله

بقلم: د. السيد أحمد       



عندما يُعِبّر الإنسان عن مكنون الغيب داخلة تتواصل خيوط الذاكرة لدية فتنساب تلميحاتة سلسلة سهلة ممتعة مسترسلة دون قيود تعبر عن الحدث بطلاقة دون تحفظ وبلا مبالغة .
تَعّجبّتُ عندما قرأت العنوان ( إنسان إفتراضى ) وزاد من دهشتى أن الكاتبة أّصّرت على أن يكون كتابها مجموعة من القصص وأختّلفت إفتراضية الإنسان من قصة إلى أخرى وتعمّقت فى السرد الذى يثرى القيمة الأدبية لديها- وكانت لها القدرة على المزج بين السرد والحدث فلم يمنعها السرد من إهمال الحدث ولم يرغمها الحدث على  إعمال النص – صنعت مزيجا راقيا بين نصها وأحداثها – فتناغمت المقصصوصة الأدبية مع الواقع الجرئ .

"فى الحب والفراق غرقى , فى الحب عندما تبدأ تلك الخفقة ننتقل من وجود إلى وجود , ومن حياة إلى حياة، ومن عالم إلى عالم أما الفراق فنحن مازلنا أحياء لكننا ننزف فى ألم لا لون له ولا شكل مميز , لا تعرف لون الحياة ولا مذاق الموت "
تشعر وكأن جذورها لا تنفصل عنه , وتموت لو أجتثت من أرضة , هو تلك الأرض التى لا تموت من تعيش عليها , ولن تشعر بالموت إن كان هو الوطن الذى لا يهمك أن تعيش عليه أم تدفن تحته , المهم أنك فى كلتا الحلتين داخلة .

كانت قصتها الأولى الفتاة – نصا أدبيا قويا تدرجت فيه بمشاعرها الرقيقة لفتاة وجدت حبيبها الذى كانت تحلم به – وإنتهت علاقتها به بعد أن كان يتمنى العمر القادم معها لولا كلامها مع هذا وذاك فى صفحات الفيس بوك  , ويبدأ الماضى يزحف على الحاضر ويطوية , ليصبح إرتباطهما حكاية قديمة وقسمة ونصيب وفيس بوك كتب نهاية علاقة كانت ستصبح جميلة .

وفى قصتها الثانية الرجل إستطاعت الكاتبة أن تؤسس ذاتيا لإنسان إفتراضى من عالم آخر وتدرجت فى بساطتها إلى النهاية الغير متوقعة لعلاقة الرجل بعد وصول الفيس بوك كعالم إفتراضى لتنتهى العلاقة بينهما وكان لها بعض التساؤلات .

-        عرفت بعدها كيف لى أن أتغيب عن عالمى الإفتراضى لأيام .

-        عرفت بعدها كيف يندم رجل على فراق إمرأة .

-        عرفت بعدها أن النساء يردن حقا رجالا لا يمكن إستبدالهم .

-        عرفت معها معنى أن تنتهى صلاحية بعض الأشخاص .

-   لكنها لن تعرف أبدا أن خطيبتى السابقة كان إنفصالى عنها بسبب أحاديثها العادية على الفيس بوك . فما لا يرضاة آدم لا ترضى به حواء .

وفى القصة الثالثة والتى كان عنوانها من طرف واحد إستعرضت الكاتبة فيه حالتان من العالم الإفتراضى – ( الحالة أ) بعنوان الحب والحالة (ب) بعنوان الخديعة وهما حالتان مختلفتان ولكنهما فى الحقيقة مثل العنكبوت يتخذان من العالم الإفتراضى ذريعة لفعل أى شئ وهما يشتركان فى شئ واحد وأخير – إنهما لا يندمان على سلوكهما الغير مبرر .

وفى قصتها الرابعة وعنوانها العلاقات تستعرض فيها الكاتبة تلك العلاقة الى إستطاعت فيها تخطى الصعاب حتى أصبحا معا , وتؤكد أن قصص الحب على الفيس بوك لعبة قد تكون حقيقية فى أكثر من قصة سمعت عنها ورأتها بعينيها – إلا أنها تنجح أو تفشل حسب أخلاق الطرفين أبطال العلاقة ولا يعنى أن نشأة قصة الحب فى عالم إفتراضى يجعلها وهما أو سرابا وليس بالضرورة أن تكون العلاقة بين أطراف لديهم معرفة سابقة على أرض الواقع – إنه يضمن لها الإستمرار .

المسألة فى أى علاقة كانت فى عالم إفتراضى أو واقعى هى مسألة أخلاق وفقط والجديد فى طريقة السرد لهذه القصة هو التبادل الحوارى بين (هو- وهى) والتدرج الحسى لوصف المشاعر الكامنة لديهما والتخيل والرسائل والتوقع "ثقى فى مشاعرك فالغائب يوما سيعود , وأنظرى عودتى اليك . فانت وطنى الذى لم أرتم على أرضه ".

وفى القصة الخامسة والتى عنوانها الأصدقاء تستعرض فيها الكاتبة عبارة شكرا على قبولك الصداقة وما فيها من مجازفة لأنها تعد صكا لقبول علاقات الصداقة بين غرباء المسافات والبلدان وتغير الزمن وأيضا تؤكد الكاتبة مدى تطور العبارة من سطحيةComment –Like       إلى حالة من الفضفضة وأخذ المشورة فى دردشة خاصة تشعر فيها بالراحة والأمتنان لكل تلك المؤازرة النفسية دون مقابل .

وأخيرا تختتم فيه الكاتبة القصة والتى تدخل تحت مصنف المقالات الأدبية بهذا السرد " من قال أن العالم الإفتراضى لا يمكن أن تصنع فيه صداقة تدوم إلى الأبد " – "أنت وحدك تقرر" .

وفى القصة السادسة وعنوانها العاب تقول الكاتبة " ينسون أن بداية الرجل إمرأة كسرها أصعب من أن يرممة أحد وعلى يديها يعيش , وقى أحضان إمرأة يشعر بإكتمال رجولتة , وتبقى نظرة المرأة أقوى, الطفولة فى كل إمرأة تبقى داخلها " ..

إستعرضت فيها الكاتبة فترة الحب الطفولى لها وكيف أنها إستطاعت أن تستعيد ذاكرتها بعد أن تم زواجها من رجلها الذى جمعتهما حادثة بسيطة لسيارتهما وبدايات لعبة كبرت وتغيرت لظروف الزمان والمكان , وكيف أنها كانت تتمنى أن تظل طفلة " ليتنا لم نكبر " وترديد والدها لهذه الجملة وعلاقتها بأولادها وزوجها وتأثير الألعاب فى إستعادة العلاقة الفاترة به وإستعراضه لصور العلاقة القديمة وهى تصب الماء على رأس زوجها أيام الخطوبة وأخرى وهو يجرى خلفها " أراك هناك فى الماضى . فأرسل لها إسمايلى فيس وهو يقول لها جميلة جدا بتلك الشقاوة التى ما تزال فيك – أراك فى الكرمنل كيس – سأظل اقولها حتى تعود إلى – سلاما على تلك الأيام – سلاما على ذلك العمر الذى أصبح ماضيا – سلاما على صندوق الذكريات الملئ بالصور والألعاب فى البيت الكبير " وكان هذا ختاما لقصتها السادسة الممزوجة بطعم الذكريات .

كانت الخيانة هى العنوان لقصتها السابعة وأفردت لها ما يقرب من خمس وثلاثون صفحة القت فيها بما يغمرها من معاناة وتعتبر من أطول القصص فى الكتاب وأعتمدت فيها طريقة السرد الأدبى مع الحوار النصى فخرجت ممزوجة بطعم الرواية " أنا التى تمنت يوما رجلا يكون حائط مبكاى , عندها يكون للدمع معنى عندما يمسحة بكفية, رجلا إدخرت من أجلة دموع الأفراح والأحزان والإنتصار ودمعات الهزيمة عندما يكسوها الكبرياء " إستطاعت الكاتبة أن تروى تجربة الخيانة بطريقة وتحليل مختلف ورؤى إنعكساية مدمرة أحيانا وواقعية أحيانا أخرى وبالحوار الراقى المعتمد على الرومانسية الهادفة .

قصتها الثامنة والتى عنوانها الثورة " من كوكبى الإفتراضى كانت كلماتى لأهل الحكمة – أهل الواقع – الذين لا يعرفون المهمشين فى العالم الإفتراضى . من عالم الأحلام " والحبكة الفنية فى الرواية معقدة بشكل متداخل فهى تبدأ بنقد الواقع ثم نقد الذات وتستعرض ذلك فى صورة خطاب كان يود إرسالة إلى الرئيس السابق قبل وأثناء الثورة وبعد الحكم علية " دلفت والدته إلى الحجرة وهو يضع الخطاب فى الجيب الداخلى لمعطفة الذى بدا متضخما لكثرة الورق . نظرت بعين دامعة قائلة له : لا تسافر , عندى أمل ضعيف فى أنك سوف تبقى . مكانك هنا – نظر لها وهو يغلق حقيبتة , ثم قال دون النظر اليها : البقاء هنا صعب . لم يتحقق شئ مما تمنيته ياأمى . لا الحرية ولا العدالة ولا المستقبل الذى كنت اريدة . أشعر بغربة هنا ".

وختمت الكاتبة كتابها بقصة بلوك وهى حقيقة أفردتها على صورة لقطات فنيه ذات طابع أدبى تحمل فى معناها إسقاطا لعلاقات إفتراضية مثل engaged – comments – share – like- followers.

" فى لحظة ما وفى نوبة غضب لا نتجاوزها يتغير بعدها كل شئ .وفى لحظة إنفعال دون ندم . نطرد الأشخاص من حياتنا كأوراق تتطاير . وهل العمر إلا إحتمالية البقاء اليوم ؟ أو البقاء حتى حين أو بقاء مؤقت ؟ لكن المؤكد أن البشر نهاية ليست بالضرورة موتا . من قال أن الموت وحدة ينهى كل شئ ؟ ففى حياة كل منا أشخاص لهم عمر إفتراضى ينتهى ببلوك "

كانت هذة هى إطلالتنا النقديه لكتاب إنسان إفتراضى للمبدعة الشابة رنا جيرة الله وهى مجموعة قصصية من إصدارات دار إبداع للنشر ويمكننى القول بأنها تملك قلم متمكن وفكر سلس وتجربة قوية وأسلوب شيق وتستطيع التحكم فى أدواتها بسهولة ويسر .


    


الإبتساماتإخفاء