جاسم البرعصى - نسمة



نسمة


بقلم: جاسم البرعصى


كنا صغارًا.. مجرد أطفال وحسب.. نلعب حتى نتعب.. ثم نرتمى دون هموم. فى نوم عميق اشتهيه الآن كثيرًا.. كان كل شيء وقتها مختلفًا.. كان العالم وقتها مختلفًا لذا فكل شيء جميل وسعيد ولذلك كانت الأحداث المفزعة تبقى بعقولنا عالقة واضحة كشمس النهار.. وذات يوم جاءنى (على) صديق طفولتى وهو مفزوع ودموعه تسبق كلماته فى خوف ويديه ترتعش.. أخافنى برعشته ودموعه ظننت ان أحدًا مات.. كنا فى التاسعة.. (على) كان رفيقى بالدراسة أيضًا كانوا يقطنون المنزل المجاور لنا .. ولكن الأهم أنه كان أخًا (لنسمة).. آه نسمة حياتى .. أول حب وما أدراك بأول حب .. أيام الطفولة.. بهفواتها وجنونها وحماقاتها ..  

كانت نسمة فى العاشرة.. فهى أكبر منا بسنة واحدة.. كانت ملاكًا يمشى على الأرض.. وكيف لا أتذكر نسمة.. نسمة التى كان جسدى يقشعر عندما أنظر إلى عينيها وتحوم حول رأسى آلاف الفراشات .. آه.. يا للذكرى.. وحب الطفولة الذى لم أشعر بمثله أبدًا.. ولم أغرم أبدًا بفتاة كنسمة.. ولم أعد أرى الفراشات..

كنا نلعب صبيانًا وبناتًا.. كنا نلعب عسكر وحرامية نتعارك ونتصالح ونضرب بعضنا ونحضن بعض عندما نحرز هدفًا فى الكرة .. لم تكن هناك سوء نية من أحد..ولم نكن نعرف ما معنى علاقة.. عندما بلغت نسمة العاشرة.. سرقوها منا.. لا أزال أتذكر كل شيء بذلك اليوم لن أنسى الوجوه أبدًا.. وجوه المجرمين .. القتلة .. الجهلاء والسفهاء.. .عندما جاءنى (على) باكيًا ذهبنا جريًا لننظر داخل البيت من شباك الغرفة الخارجية.. لنرى ما تعد الأم .. وضيفاتها.. كان (على) يبكى فى فزع وكنت أحاول طمأنته.. لان نسمة أخبرته وهى تبكى أن الأم سوف تفعل شيئًا بها اليوم.. فقط قالت لها: "إنك كبرت ولازم تبقى عروسة".. وأنا فى الحقيقة لا أفهم علاقة الختان بأنوثة المرأة وجمالها.. وبالطبع دعت أم نسمة الستات المتخصصات.. وهى ما يطلق عليها بالأرياف اسم (داية) وهى كائن غريب وعجيب وجهها لا أعلم لما دائمًا وجهها يتسم بالقبح كأنها الشيطان ذاته.. فلابد أن يكون الشيطان الذى لم نراه أبدًا يشبهها.. لأننا لم نرى قبحًا وبشاعة بوجه مثل وجهها أبدًا.. الذى ظل يطارد كوابيسى لسنوات وسنوات.. .عندما سرقوا (نسمة) للداخل كانت مرتعبة وتبكى وترتعش فى فزع..وقلبى يحترق عليها خوفًا دون أن نمتلك وسيلة لنفعل أى شيء.. فماذا نفعل أمام أمها.. وصديقاتها.. الذين تجمعوا كأنهم سيذبحون ذبيحة.. ألبسوها الجلباب الأبيض.. وأحضرت الملعونة مشرطها.. لتتأكد من حدته .

نحن ننظر فى رعب يملأ عيوننا دمعًا وقلوبنا فزعًا.. .ونرى نسمة الجميلة وهم يمسكونها ليقيدوها.. حتى لا تستطيع أن تتملص.. وهى تبكى وتصرخ بينما أمها تضربها لكى تسكت.. .فتسكت المسكينة مغرمة .. ودموعها تسرح على خدها فى رعب.. ..بينما تقوم الملعونات بفتح قدميها .. ..وتسحب الملعونة الأخرى المشرط ببشاعة كأنها جزار يهجم على ذبيحته.. لتقطع لنسمة.. براءتها ورقتها وتقتل أنوثتها للأبد.. صرخنا فى فزع .. .لعناهم .. ضربنا الشبابيك بأيدينا وبالحجارة.. .سمعنا صراخ (نسمة) الجميلة.. .قبل أن تفقد وعيها.. ..والغريب أنهم يزغردون.. .ما زلت أتذكر كل شيء بالتفصيل.. ولا أعلم لماذا يزغردون.. .فى الحقيقة وجدت الإجابة عندما كبرت.. .أننا أغبى مجتمع.. وعندنا الجهل فى مجتمعاتنا الريفية بالوراثة.. .ومن أبشع وأحقر الظواهر بريفنا هو موضوع الختان.. .أنهم يرون أن ذلك هو صون لشرف البنت.. وخوفًا عليها .. .وأن ذلك هو الصواب الذى يجب أن يتم كى تصبح البنت عروسة جميلة.. .والأفظع أنهم يرون كل ذلك تحت مسمى الدين والأخلاق.. وأن الإسلام يرى ذلك.. ..وأن الختان هو طهارة للبنت..

فبالله عليكم هل وجدتم مجتمع فى الوجود أكثر جهلا وغباء منا!!.. أننا تفوقنا على كل جهلاء العالم وأغبيائه فأى شرف يدعون وأى دين وأى طهارة يتحدثون عنها.. .إن ما يحدث لبنات مجتمعنا الأبرياء على يد أهاليهم لهو جريمة بشعة وقذرة ترتكبها أياد مجرمة.. ..فكيف يدعون ان ذلك طهارة وهم لا يعلمون أن ذلك يسبب عجزًا وبرودًا جنسيًا للبنت مدى الحياة.. لأن ما يقومون باستئصاله إنما هو الجزء المسئول عن متعة البنت وإحساسها بجسدها.. وأنهم عندما يستأصلون ذلك فإنما يحرموها من أنوثتها إنما يغتصبوا منها حقوقها فى الحياة وفى متعتها.. فبالله عليكم!!..أليس ذلك لعنة.. أليس ذلك جريمة يجب أن يحاسب عليه كل من تسول له نفسه أن يشترك فى تلك الجريمة سواء كان طبيبًا أو داية أو من يكون.. .أليس هذا إجرامًا.. ..

وبالإضافة لحرمانها واغتصاب حقوقها وقتل براءتها واغتيال أنوثتها.. .. ..كل ذلك يأتى ويكون مجرد بداية لعشرات الأمراض النفسية والعقد.. والاكتئاب والخلل النفسى والاضطراب فى الشخصية.. .فأى إنسان يقرأ كلامى الآن يعرف جيدًا معناه.. .ويعرف أن أى بنت قاموا بعمل هذه الجريمة لها.. ..إنما تعانى من أمراض نفسية مزمنة.. ..وهذا ما هو ثابت أمام الجميع.. .. .لقد بدأت حديثى معكم عن حكايتى عن تجربة شخصية.. .خلفت بداخلى جرحًا عميقًا إلى الآن أعجز عن مداواته.. هل تعرفون يا أعزائى أننى إلى الآن أحاول النسيان.. نسيان ما حدث لنسمة المسكينة على يد أمها وصديقاتها.. ..هل تعلمون أن بعد ختان نسمة بساعات معدودة.. . وجدنا الصراخ يملأ البيت.. وعندما سألنا لماّذا؟؟..

عرفنا أن المسكينة تعرضت لنزيف حاد.. وتم حجزها بالمستشفى.. ولكن للأسف كانت فارقت الحياة.. فقد تأخروا.. ما زلت أتذكر عيونها.. ونظرتها.. . ما زلت أتذكر وقفتنا على قبرها.. .ونحن نبكى فى حرقة.. .وقلوبنا تنزف دمًا .. . على ملاك الرحمة الذى فارقنا دون ذنب.. .فارقنا لأن هناك بعض المجرمين الجهلة فى مجتمعنا ما زالوا يتعلقون بظواهر كاذبة وقذرة وبشعة وليس لها أساس من الصحة.. فكيف نترك مجتمعنا غارقًا فى تلك الظواهر البشعة.



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء