قدري الراعي - نادمون



 نادمون


قدري الراعي

[ 1 ] 

نادمون ...
لأننا خسرنا كل شيء ..
خسرنا الماء والهواء والحلم ..
خسرنا كل شيء حتى الحب ..!
لم يعد مما نملكه سوى بيتٍ من الرمل , وأحلامٍ نعلم أنها سرابية , وأطلالٍ نبكي عليها عمرنا الذي أنفقناه في الوهم , ومشوارنا الذي قطعناه نحو العدم , ومشاعرنا التي بعثرناها على حب ممل 
وكائنات رخيصة ..
وأفكار ساذجة ..
نادمون ...
لأننا أخطأنا في قراراتنا , وأفكارنا , وحساباتنا .
لأننا تصرفنا بحماقة عندما اشترينا الحب بالعذاب , واخترنا بإرادتنا طريق الأشواك نخطو عليه , وعلقنا هويتنا على صدر وطن متوحش ..!
وبعنا صوتنا بالمجان لمن لا يستحق , ونزفنا من دمنا الغالي ؛ لننقش في حنايا القلب وشماً لحبٍ لا وجود له سوى في خيالنا ..!

[ 2 ]

نادمون ...
لأننا تركنا أنفسنا نهباً لأوهامٍ ومثالياتٍ ليست واقعية , حتى وقعنا في شرك خرافةٍ كبرى .. اسمها " المدينة الفاضلة "..!
مضى بنا الوهم المريض أعواماً , وعمراً.. يحرّضنا ويغرينا بالبحث عنها في دأبٍ وإصرار , حتى اكتشفنا في نهاية المطاف كم كانت حماقتنا جسيمة..!!
فلا "الشرق" تحيا على أرضه مدينتنا الحلم , ولا "الغرب" يحمل في أحشائه السوداء شيئاً من فضيلة .. حياتنا حبلى .. ولكن بالغرائب.!
حياتنا حبلى .. ولكن بالوحوش.!!
هل سمعتم أن ثعباناً ذات يوم قد أتحف الدنيا بعصفور...؟
أو أن ثعلباً قد تمخض ذات يوم عن حملٍ وديع....؟! 

[ 3 ]

نادمون...
لأننا رغم كل هذا العمر الطويل فشلنا في أن نعرف..(من نحن؟) , و (ما نريد؟).. وكيف تحيا " كرامتنا " في سلام إذا ما قالت شفاهنا الصدق ولم
تجامل...؟! وكيف نجتاح الصبح الجديد بقلب لا يهاب الشر إن ثار..
ولا الرزق إن فات...
ولا الحب إن مات..
ولا الخلّ إن غدر...؟
وكيف نلج المساء بقلبٍ لا يدنسه القلق , ولا يبعثره الخطر , ولا تسلبه مرارةُ العجز نشوةَ الحلم وبهجة الأمل.؟!

[ 4 ]

نادمون...
لأننا في معظم قراراتنا المصيرية التجأنا إلى " القضاء العاطفي " , ولم نفكر مرة أن نعرض قضايانا أولاً على " المحكمة العقلية ".
والنتيجة أننا حيناً فرحنا.. وقليلاً ما انتشينا.. ولكننا في معظم الأحايين انتكسنا , وخسرنا أشياءً مهمة , وجعلنا نندب حظنا كالثكالى.. !

[ 5 ]

نادمـــــــــــون ...
لأننا فشلنا في أن نتعلم لغة هذا العصر..
ولم نُعِر اهتمامنا لدراسة أبجدية هذا الزمان..
ويا لها من لغةٍ غريبة..!
ويا لها من أبجدية عجيبة..!
إنهم جعلوا حروف الكذب لها دلالة على الذكاء الاجتماعي..
واعتبروا عبارات التملق المتأنقة إعرابًا عن المجاملة الضرورية في تقويض التعامل , وتدجينه. ورفعاً إلى المناصب العليا...
ونصباً على الضمائر الساذجة..
وجراً للمكاسب السريعة , والحقيرة أيضاً..
إنهم بدّلوا " الفطرة " عن مواضعاتها..
فليس الصدق في زعمهم سوى غباء..!
وليس الضمير في عرفهم سوى بالوعة عفنة في أعماق النفس ملآنة بأفكار بالية , ينبغي أن تُسَدَّ حتى لا تفسد على وجودهم لذته.!
وما الغش إلا كياسة , والمراوغة ضرب من الموهبة , والبطش  والجبروت , والتعسف أسلحة شرعية ومبررة تقتضيها دواعي التسييد , والتسييس.! لقد صادر أوغاد هذا العصر كل معاجم الكلمة الطيبة...
وأحرقوا دواوين الشعر الحالم..
ورجموا " فينوس " الجميلة..
وأعدموا الشعراء..
واغتالوا دعاة المحبة ..!
وذات يوم كشفت خفافيشهم عن وجوهها القميئة. وانطلقت شياطينهم في وضح النهار زمراً وجماعات... ركبوا رؤوسهم , وامتطوا صهوة عنادهم , فاحتكروا المنابر واعتلوها.. وشرعوا يلقون على الوجود خطبتهم العصماء.. سيلاً جارفاً من أباطيل سوداء , حديقةً ملأى بالأفاعي ..
قاموساً جديداً في اللغة كل ما فيه مقلوب .. فالوردة شوكة , والشوكة وردة.!! معرض فن مارق , ومنفلت , وإباحي , اللون الرمادي يغتصب اللون الأبيض عنوةً بدعوى الحرية.!
قصيدة شعر نابية..شاذة..لا هوية لها ولا أصل.. سوى أنها ابنة أفكارهم الشيطانية.
لقيطة..
وابنة زنا..
والحق أننا حاولنا دراسة هذه اللغة العجيبة , ولكننا بحكم طبائعنا , وفرط الحساسية التي تشربت منها مشاعرنا , ودمنا الحميّ الحار أخفقنا..وفشلنا فشلاً ذريعاً , ولم نخرج من غمار التجربة إلا مهزومين حيارى.. ولم نحصل في الامتحان إلا على أحط الدرجات ..
من يدري...؟ ..لعلها خيبتنا , وتدني قدرتنا على الاستيعاب والفهم , وضآلة حظنا من الذكاء.



الإبتساماتإخفاء