محمود سلامة الهايشة - الإنسان بين البحث والتنازل



الإنسان بين البحث والتنازل


"ناس تبحث عنها وآخرين يتنزلون عنها!!"



بقلم: 
محمود سلامة الهايشة
              كاتب وباحث مصري


هل يولد إنسان بدون جنسية؟!

بالتأكيد لا، فمن المفترض أن للمولد أب وأم وبلد وعرق ولون وموطن، ولكن من الجائز تنكر الوالدين لجنسيتهم، فهناك من يكون مجنس بجنسية ولكن له أصول مختلف عن الجنسية التي يحملها، فهناك دول ليس لديها مانع أن يتجنس مواطنيها بأكثر من جنسية بجانب جنسيتها، ولكن ليس كل دولة تمنحك الجنسية قوانين تسمح بأن تحتفظ بجنسيتك الأصلية التي تحملها منذ أن ولدت، وبالتالي لا يصبح أمامك إلا اختيارين لا ثلاث لهما، أما أن تحتفظ بجنسيتك وترفض التجنس بجنسية أخرى غيرها، وأما تتنازل عن جنسيتك لتمنح جنسية أخرى!.

نتناول خلال السطور التالية، منشور تداوله نشطاء مصريين عبر صفحات موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك خلال شهر "مارس 2016"، وهو عبارة عن بيان بأسماء طالبي الإذن بالتجنس بجنسيات أجنبية مع عدم الاحتفاظ بالجنسية المصرية، حيث أن تلك الوثيقة عبارة عن جدول يحتوي على 24 اسم، ولكنها تحتاج إلى تحليل رياضي ذو أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية.





الإناث إلى الذكور: 24= 7 أنثى+17 ذكر؛ أو بالتحديد 24= طفلة واحدة + 6 سيدات + 17 رجل؛ فالطفلة من مواليد 2005، أي أن عمرها هذا العام 2016 يبلغ 11 سنة، وبالتالي لا تعد هجرة، بل أنها تعيش في تلك الدولة مع والديها أو أحدهما، أو هي من مواليد هذه الدولة (ألمانيا)، خاصة وأن الطفلة "زهرة" هي الوحيدة في هذا الكشف من محافظة السويس. 

وقد بدأت بشرح حالة تلك الطفلة في البداية حتى أخرجها من الاحصائيات التالية، حيث سوف نتعامل معهم على أنهم 23 فقط، منهم 6 سيدات (26%) و17 رجل (74%)، أي أن الرجال المتقدمين للتنازل عن الجنسية المصرية للحصول على جنسية أجنبية يمثلون ثلاثة أرباع المتقدمين، أم السيدات فيمثلون الربع فقط، وهذا أمر طبيعي، لأنه في الغالب الأعم أن هؤلاء السيدات متزوجات من رجال يحملن جنسيات الدول التي يعيشون فيها الآن ويريدون التجنس بجنسية أزوجهن، واعتقد أن القليلات منهن يعملون مثل في تلك الدول ويردن التجنس بسبب العمل وطبيعته!. فمثلا حالة السيدة "نسمة" هي الوحيدة التي سوف تحصل على الجنسية الكويتية، كجنسية عربية، أما باقي الطلبات سواء سيدات أو رجال أو الطفلة فكلهم جنسيات أوروبية.

لو وزعنا الحالات الأربع والعشرين على الدول سنجد أكثر جنسية هي الألمانية 16 حالة (11 رجل + 4 سيدات+ طفلة واحدة)، يليها الهولندية 4 حالات (كلهم رجال)، النرويجية حالة واحدة (سيدة)، الأوكرانية حالة واحدة (رجل)، النسماوية حالة واحدة (رجل)، والكويتية حالة واحدة (سيدة).

عند تحليل محل الميلاد للـ 24 محل الدراسة، سنجدهم موزعين على النحو التالي:
أولاً: محافظات الوجه البحري (شمال مصر): 5 (القاهرة)+ 4 (الإسكندرية) + 2 (المنوفية)+ 2 (الغربية)+ 2 (الشرقية) + 1 (كفرالشيخ)+ 1 (الجيزة)+ 1 (البحيرة)+ 1 (السويس، من محافظات القناة)= 19 (79%). 

ثانياً: محافظات الوجه القبلي (جنوب/ صعيد مصر): 2 (المنيا) + 1 (أسيوط)= 3 (12.5%).

ثالثاً: من مواليد السعودية: 2 (رجلان)= 8.5%، واحد منهم مواليد ديسمبر 1984 وطالب الحصول على الجنسية الهولندية، والآخر مواليد مارس 1985 طالب الحصول على الجنسية الألمانية؛ مما يعني أنه ولدوا في السعودية، ويعيشون حالياً في دولتين أوروبيتين، مما يعني أنهم ولدوا وعاشوا حياتهم كلها خارج مصر. 

ويظهر من استعراض الأرقام والتقسيم السابق، أن للقاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة) والإسكندرية، عاصمتي مصر نصيب كبير من طالبي التنازل عن الجنسية المصرية، فيمثلون حوالي 42%، ونسبة الوجه البحري عموما تمثل ما يقرب من 80%، على عكس محافظات الصعيد الممثل 12.5% ومن محافظين فقط. وهذا راجع بالطبع للعديد من العوامل المتشابكة والمتداخلة.

من هو الجيل الذي خرج ولا يرغب بالرجوع؟!، سوف نلقي نظره على تواريخ ميلاد الـ 24، لمعرفة أعمارهم الحالية، ولكن سوف نستبع الطفلة (زهرة) مواليد مايو 2005؛ ونركز على باقي الـ 23 (17 رجل و6 سيدات)، من نوفمبر 1964 وحتى يونيو 1995، أي يتراوح أعمار ما بين 21 سنة إلى 52 سنة، أي جميعهم في عمر العمل والعطاء والشباب المبكر والوسط والمتأخر. عدد من ولدوا في الستينيات 4 من 23 (حوالي 17%)، أما مواليد السبعينيات 9 من 23 (39%)، ونفس العدد 9 من 23 لمواليد الثمانينيات (39%)، وواحد فقط من مواليد التسعينيات (5%). مما يعني أن مواليد السبعينيات والثمانينيات لهم نصيب الأسد، والذي تبلغ أعمارهم الآن الثلاثينيات من العمر ولم يبلغوا الأربعين بعد. 

هناك نقطة مهمه لدى البعض، وغير ذات أهمية لدى الكثيرين، ولكنها تجيب على أسئلة كثيرة ومعقدة تحدث منذ بداية الألفية الثالثة في مصر، وبالأخص بعد يناير 2011، ألا وهو ملف المواطنة أو ما يطلق عليه في الإعلام الأقلية أو الأكثرية، تقسيم الناس على أساس الدين هذا مسلم وذاك مسيحي، وهناك من يفرط في الوصف بالاضطهاد الديني. ولكن هيا بنا نقرأ الأرقام والواردة في هذا البيان الذي نحن بصدده، سنجد أن عدد المصريين المسحيين في هذا الكشف 4 فقط، رجلان وسيدتان، أي ما نسبته 17% فقط، أما باقي الـ 24 اسم فكلهم مصريين مسلمين بنسبة 83%، مما يعني أن التوليفة الداخلية هي نفسها التوليفة الخارجية، فعلى حسب أعداد ونسب المصريين الذين يعيشون على أرض مصر، يخرج منهم وبنفس النسب تقريبا مصريين يحلقون في سماء العالم.

إلى هنا نكون قد قمنا بعمل مسح وصفي تحليلي لهذا البيان، وتلك الأسماء الواردة بهذا الكشف، والغرض من قراءة الأرقام بشكل متعمق وليس بإلقاء نظرة سريعة خاطفة، أو أن فهم واستيعاب الخبر وما يحتوي من أرقام أمر في غاية الأهمية، فدائما يقول علماء الإعلام والاجتماع الأهم من الخبر ما وراء الخبر!.




الإبتساماتإخفاء