أمانى مسعد - رقية (1)





رقية (1)


رواية بقلم: أمانى مسعد الفلاحة






 شعرت بملوحة الدموع على شفتيها فتنبهت إلى أنها تبكى.. الراحة التى أحستها لحظة إعلان إقلاع الطائرة فتحت الباب المغلق لهذه الدموع.. لقد كانت تمسك أنفاسها طوال الأشهر الماضية, وأخيرًا أخذت هذا النفس العميق الذى تسترخى حال خروجه من صدرك وكأنه حمل همومك معه فأوجد متسعًا للحياة بداخلك..
كانت الدموع تغرق وجهها و الابتسامة تضيئه فى نفس الوقت لفتت انتباهها المضيفة منادية: مدام.. مدام. 
نظرت لها تطمئنها بابتسامة: "أنا تمام.. مفيش حاجة"
أشارت المضيفة إلى حزام الأمان منبهة: "حضرتك ما ربطتيش الحزام.. محتاجة مساعدة؟
استوعبت ما يجرى أخيرًا.. 
- آه.. آسفة.. لأ لا هقفله حالا.. ويداها تشدان الحزام بسرعة.. تمام كده؟
- شكرًا يا فندم.. حضرتك محتاجة حاجه؟
- لا لا.. شكرًا
انصرفت المضيفة و ظلت رقية محدقة فى الفراغ بابتسامة بلهاء.
- لبانه؟
- نعم؟
 رجعت من شرودها لتجد الرجل الجالس فى المقعد المجاور يمد يده بعلبة لبان بنكهة النعناع أمام وجهها..
- لبانه.. علشان تغير الضغط مع إقلاع الطيارة.
عقدت حاجبيها باستفسار صامت.. ثم قررت اختصار الموقف..
- لأ شكرًا. ثم نظرت أمامها.
بدأت الطائرة بالإقلاع.. بعد لحظات شعرت بانسداد مزعج فى أذنيها فأغمضت عينيها و ضغطت بأصابعها على أذنيها عدة مرات فى محاوله للتخلص من هذا الشعور..
سمعت خشخشة بجوار أذنها ففتحت عينيها لتجد يد جارها ممتدة بعلبة اللبان و هو ينظر لها رافعًا حاجبه..
ابتسمت وتناولت واحده من العلبة و أعادتها له.
- شكرًا.
- العفو.. أنا كمان ما كنتش أعرف موضوع تغير الضغط ده أول مره ركبت طياره و أنا رايح الأقصر السنة الى فاتت.
هزت رأسها بابتسامة دبلوماسية و أخرجت من حقيبتها الكتيب الدعائى للرحلة و رواية.. نظرت لكليهما للحظة ثم وضعت الكتيب جانبًا و فتحت الرواية لتغرق رأسها فيها و تقضى على فرصة جارها فى الثرثرة..
كانت عينيها مثبتتين على صفحات الرواية لكنها كانت تجتر أحداثًا بعيدة كل البعد عن هذه الصفحات..
لو قال لها أحد العرافين من ستة أشهر أنها ستكون اليوم على متن طائرة متجهة إلى روما للقيام برحلة سياحية فى مدن أوروبا لضحكت حتى دمعت عيناها ثم سلمته بنفسها إلى مستشفى العباسية.
كم هو غريب أن تتحول حياة الإنسان مائة و ثمانون درجة فى لحظة.. لأول مره تفهم معنى تعبير لحظات فارقة.. من كان يعرف أن دخول حشرة طائرة بحجم رأس الدبوس فى عينها سينتهى بها إلى هنا.. ضحكت بصوت مرتفع ثم وضعت يدها على فمها متعمقة فى النظر إلى كتابها كما لو كانت أحداثه كوميدية.. لكن فى الحقيقة فكرة أن هذه الحشرة قد قلبت ميزان حياتها كانت كوميدية من وجهة نظر أو أخرى..
تذكرت عندما فتحت عينها أمام المرآة لتستخرج هذه الحشرة المزعجة ثم وقفت تنظر لترى هل عينها لازالت حمراء فانتبهت أن عينها ليست حمراء فقط بل و صفراء أيضًا كان هناك صفار خفيف يشوب بياض عينيها.. جلست على حافة سريرها مفكرة.. فتذكرت أنها منذ مدة و هى تعانى من آلام فى البطن كانت ترجعها لالتهاب القولون.. لكن بعد ربط هذه الآلام باصفرار عينيها تكون هذه تقريبًا نفس الأعراض التى ظهرت عليها فى سن الثانية عشرة عندما أصيبت بالتهاب الكبد الوبائى فيروس "أ".. اجتماع هذه الأعراض يخبرها بضرورة حجز موعد عند الطبيب..
بعد ظهر نفس اليوم كانت تجلس فى غرفة الانتظار بعيادة الدكتور/ أحمد عبد المجيد أخصائى أمراض الباطنة الذى تتردد عليه منذ إصابتها بمرض السكري منذ ستة أعوام.. بعد انتظار نصف ساعة جاء دورها فى الدخول..
- أهلًا أهلًا بالإعلامية الكبيرة.
كانت قد رتبت استضافت الدكتور أحمد فى إحدى حلقات البرنامج الإذاعى الذى تعده و كانت هذه بداية معرفتها به و منذ ذلك الحين و هو يناديها بالإعلامية الكبيرة.. 
- أهلًا بيك يا دكتور.
- هاه.. أخبارنا إيه السكر ملخبط و لا إيه؟
- لا و الله السكر تمام.. بس عندى الم فى البطن كده بقالى مده و ساعات بيشتد أوى و لاحظت صفار شويه فى عنيا فقلت أعدى على حضرتك أطمئن. 
- لأ خير إن شاء الله.. 
و أشار الى سرير الفحص قائلًا:
- طيب إتفضلى نشوف حضرتك..
بعد الكشف كان اختفاء ابتسامة الدكتور أحمد مؤشرًا غير مريح.
- خير يا دكتور..
_ خير إن شاء الله.. شوفى يا مدام رقية علشان أنا عارف إنك بتهملى فى صحتك فأنا مش هطمنك بس كمان ما تقلقيش بزياده.. أنا هكتبلك على شوية تحاليل وأشعه تليفزيونيه تعمليهم على طول و أول ما يطلعو تجيبيهم فورًا ضرورى و إن شاء الله النتايج تطمئنا.
كانت شبه متأكدة أنها مصابة بفيروس "سى" من قبل أن تعمل التحاليل و الأشعة.. خرجت من عند الطبيب إلى معمل التحاليل ثم إلى مركز الأشعة فورًا.
 بعد يومين كانت تجلس متأهبة للأخبار السيئة و هى تتابع تعبيرات الطبيب أثناء مراجعته لفحوصاتها..
- إيه الأخبار يا دكتور.. التحاليل بتقول إيه؟
- و الله يا مدام رقية هو الأكيد إن إحنا عندنا مشكلة بس خلينا نعمل أشعة مقطعية كمان علشان الأشعة التليفزيونية مش واضحة كفاية.. نعمل الأشعة و نشوف..
- يعنى حضرتك شاكك فى إيه.. قوللى بصراحة.. فيروس "سى" صح؟
- بصى، هو حاجه زى كده.. معلش خلينا ما نسبقش الأحداث من فضلك إعملى الأشعة و أول ما تطلع تجيبيهالى على طول. 
كانت فى طريقها إلى العيادة بعد أن استلمت الأشعة عندما علا رنين هاتفها بشكل متواصل و مزعج.. كانت تكره إجراء مكالمات تليفونية أثناء قيادة السيارة و كل من يعرفها يعرف عنها هذه المعلومة..
وضعت سماعة البلوتوث فى أذنها مجيبة:
- إيه الإلحاح ده يا شاهى.. إيه الدنيا بتتهد.. فيه إيه؟
- ماما ماما ماما إنتى فين؟
 كانت موجات السعادة التى انسابت من صوت ابنتها بحماس عبر الهاتف كفيلة بأن تذيب غضبها وترسم ابتسامة على شفتيها وهى تجيب مدعية الصرامة:
-أنا فى مشوار و سايقه و إنتى عارفه إنى ما بحبش..
 قاطعتها بسرعة:
- عارفه عارفه عارفه.. بس عارفه إنتى بقى.. إياد و مامته و باباه جايين بكره البيت عندنا.. تا تا تا..
ضحكت على الموسيقى التصويرية للخبر ثم قالت:
- ومين إلى حدد الميعاد ده إن شاء الله تا تا تا..
- إياد كلمنى و أنا كلمت بابا وبابا رد عليا و أنا رديت على إياد و تم تحديد الموعد بنجاح.. بس كده.
- يا سلااام.. بس كده..و أنا طيشه.
- طيشه.. وهان عليكى تقولى كده يا كوكا برده.. دا إنت الى فى القلب يا قمر.
- لا و الله.. ماشى يا بكاشه.. طيب فهمنا يا ست البنات إياد جاى بكره، وصلت المعلومة يآنس و ينور ممكن نكمل كلام لما نرجع البيت علشان أنا سايقه. 
- لأ لأ بيت إيه بس.. أمال مين القمر الى هتعدى عليا دلوقتى فى الشغل و هتنزل معايا نشترى طقم شيك على حسابها علشان زيارة بكره؟
ابتسمت لأسلوب الابتزاز العاطفى الذى تجيده ابنتها بخفة دم تصعب عليها مقاومتها..
- آااااه قولتيلى بقى.. يعنى ما إفتكرتينيش غير ساعة المشاوير لأ يا حبيبتى مش لاعبه.. وبعدين أنا عندى مشوار مهم.. كلمى سلمى صاحبتك و إنزلو سوا هاتى الى إنت عاوزاه وأنا هدفع يا ستى.. تمام كده.
أجابتها ابنتها بلهجة تصنعت فيها أقصى قدر ممكن من الأسى.
- لأ مش تمام.. يعنى المشوار الى رايحاه أهم من بنتك حبيبتك.. فى أم تتخلى عن بنتها فى يوم زى ده و تقولها مش فاضيه أخرجي مع صاحبتك..
إصرارها على اتباع سياسة تأنيب الضمير أكد لرقية أنها لا تملك حلولًا بديلة..
- شهرزاد.. من غير الشويتين دول.. هى سلمى مش فاضية و لا تعبانة و لا إيه الحكاية بالظبط؟
- هى سلمى أختها بتولد و هى معاها فى المستشفى.. بس إوعى خيالك يصورلك إنى علشان كده عاوزاكى تنزلى معايا و مصممه.. إطلاااقًا.
ضحكت رقية..
- آه كده بقت مفهومه.. ماشى يا ست شاهى.. تحت أمرك نص ساعة و هكون عندك.. كويس كده.
- كويس جدًا يا أحلى أم فى الدنيا.. أنا هقفل بقى علشان إنتى ما بتحبيش تتكلمى و إنت سايقه.
- لا و الله، ماشى.. سلام
مدت يدها للأشعة التى وضعتها على الكرسى بجانبها لتضعها على الكنبة الخلفية و تدير السيارة عبر المنعطف لتعود إلى الطريق المعاكس لاصطحاب شهرزاد فى جولتها الشرائية المفاجئة، ففرحة ابنتها ليست قابلة للتأجيل و أى شيء آخر يمكن أن ينتظر..
بعد جولة منهكة لأربع ساعات على محلات الملابس و الأحذية و الإكسسوارات انتهت المهمة بكم محترم من الأكياس و ابتسامة لا تقدر بثمن على وجه ابنتها الجميلة.. 
انتبهت شهرزاد الى المغلف الذى يحمل اسم مركز الأشعة و هى تضع الأكياس على الكنبة الخلفية للسيارة..
- إيه يا ماما الأشعة دى.. إنت تعبانه؟
- مفيش ضهرى وجعنى شويه فرحت للدكتور قاللى إن عندى التهاب فى الفقرات مفيش حاجه تقلق يعنى بس طلب أشعه علشان نطمن.. 
عضت شهرزاد على شفتها و اكتست ملامحها بالخجل..
- إنت كنت رايحه للدكتور لما كلمتك.. طيب ما قلتيش ليه كنت أجلت المشوار ده و لا لغيته خالص.. زمان ضهرك وجعك أكتر من اللف ده كله..أنا آسفة.
ربتت رقية على شعر ابنتها مبتسمة بحنان..
- ولا آسفة و لا حاجه أنا كويسه.. وبعدين فى أم تتخلى عن بنتها فى يوم زى ده خصوصًا لما تكون سلمى مع أختها فى المستشفى ما ينفعش صح.. 
قالتها مداعبة لكن نظرة الذنب فى عينى ابنتها جعلتها تضيف:
- أنا أصلًا بقيت كويسه بس بما إنى عملت الأشعة قلت أعدى أوريها للدكتور.
 فتحت شهرزاد فمها لترد فأشارت لها رقية بأن تصمت..
-بطلى رغى بقى علشان أركز فى الطريق و ركزى انت بقى فى زيارة بكره.
ارتسمت على وجه شهرزاد ابتسامه ناعمة و طبعت قبلة على خد والدتها ثم نظرت أمامها سارحة تفكر فى الزيارة الموعودة من إياد و أهله..

كان إياد ملحقًا تجاريًا بوزارة الخارجية تعرفت عليه شهرزاد منذ أربعة أشهر فى أحد المؤتمرات الاقتصادية التى كانت تتولى فيها الترجمة لوفد من رجال الأعمال اليابانيين من خلال المؤسسة التى تعمل بها كمترجمة فورية لليابانية و التى التحقت بها فور تخرجها بتفوق من كلية الألسن..
لقد أعجبت به من الوهلة الأولى، رغم أنها لا تزال تنكر عليه هذه الحقيقة التى يعرفها جيدًا حتى الآن و تخبره أنها قبلت التعرف عليه للتخلص من إلحاحه..
شهرزاد هى ابنة رقية الوحيدة المدللة و صديقتها المقربة لذلك أخبرتها عن إياد منذ اليوم الأول.. دائمًا ما تمنت رقية أن تتزوج ابنتها عن حب و كانت على يقين أنها ربتها تربية صالحة ستجعلها تحسن الاختيار و لن تخون ثقتها الكاملة فيها و التى أعطتها لها رقية عن استحقاق.. لذا كانت سعيدة عندما أخبرتها شهرزاد عن إياد و زادت سعادتها يومًا بعد يوم و هى تحدثها عنه فقد كان شخصًا مرحًا مهذبًا عصريًا و لكن برجولة و ليس كأشباه الرجال التى تراهم فى كل مكان و الأهم أنه كان يحب ابنتها بصدق و احترام وهى أيضًا كانت تحبه جدًا.. عرفت عنه رقية كل شيء عن أسرته و عمله و أصدقاءه، كل من كان فى محيطه كان يشيد به و بأخلاقه وبأهله وبنجاحه.. لم تكن شهرزاد تعلم أن أمها لديها هذا الكم من المعلومات عن إياد فقد قامت بالتحرى عنه منذ البداية دون علمها لأنها مع ثقتها فى ابنتها كان واجبها كأم أن تتأكد أنها لن تتعرض للأذى.. وكل ما عرفته من معلومات حول إياد و أهله جعلها سعيدة و متفائلة بمستقبل علاقته بابنتها و لم يخيب إياد ظنها به..

دخلت شهرزاد من باب الشقة إلى غرفتها كالإعصار لتجرب مشترياتها مره أخرى..
ابتسمت رقية و اتجهت للمطبخ لتخرج طعام الغداء المعد سابقًا من الثلاجة فالساعة قاربت الخامسة و النصف و هو موعد رجوع زوجها من الشركة.. وضعت الطعام فى الميكروويف وذهبت لتبدل ثيابها و تغتسل..
خرجت رقية من الحمام لتجد "على" زوجها فى غرفة النوم يخلع بدلته..
- مساء الخير.
قالت و هى تتناول منه جاكيت البدله لتعلقه على الشماعة
- مساء النور.. عامله إيه؟
- الحمد لله.. إنت أخبارك إيه؟
سألته بابتسامة هادئة.. فقد كان هذا الحوار ورد يومى يكرر فى مثل هذه الساعة يوميًا ما عدا الجمعة ينتهى دورها فيه بسؤاله عن أخباره ليبدأ بسرد بعض أحداث يومه حتى ينتهى من تغيير ملابسه فيتوجه إلى الحمام و تتوجه هى إلى المطبخ لتضع الغداء..

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء