أمانى مسعد - رقية (2)


رقية (2)


رواية بقلم: أمانى مسعد الفلاحة





كان على يملك شركة استيراد وتصدير صغيرة أسسها بعد أن عمل كمحاسب فى إحدى دول الخليج لمدة تسع سنوات.. لم يكن من أصحاب الملاين لكن الشركة كانت ناجحة وكانت أحوالهم المادية مستقرة ومريحة.. رقية أيضًا كانت تملك دخل خاصًا بها غير راتبها كمعدة برامج فى إحدى المحطات الإذاعية فورثها عن والدها.. أمن لها دخلًا ثابتًا من إيجار قطعة أرض وشقة ومحل من أصل شقتين ومحل هم نصيبها من العمارة التى تركها لهم أبيها هى وأختها الكبرى سعاد مناصفة، فعمها رحمه الله لم يقبل أن يشارك البنات فى ورثهم على حد تعبيره وتنازل عن حقه الشرعى فى ميراث أخيه لذلك عندما دخلت الأرض الزراعية التى تركها لهم أبيها كوردون المبانى وطلب منهم ابن عمها شراءها لكى يضمها إلى أرضه ويقيم عليها مشروعًا وافقت هى وأختها بصدر رحب ردًا لجميل عمهما.. اقترح عليها على مشاركته فى شركته بنصيبها من ثمن الأرض الذى تعدى المليون جنيه لكنها رفضت بلطف، وقابل على رفضها بهدوء فهو اعتاد رغبتها فى الاستقلال المادى فهى لا تطلب منه أموالًا إلا إذا اضطرت، وهو لم يكن ينتظر منها أن تطلب منه فقد كان يترك فى البيت مصروفًا شهريًا مناسبًا سواء احتاجته أم لم تحتجه واستمرت الحياة على هذا المنوال باتفاق صامت يحترم كل منهما فيه طبع الآخر فهى تكره أن تطلب أى شيء من أى شخص، وهو لا يقبل أن تصرف زوجته على البيت من مالها الخاص لذا توصلوا لهذا الوضع إرضاء لجميع الأطراف..

لم يكن هذا هو الاتفاق الصامت الوحيد فى حياة رقية وعلى فمنذ بداية زواجهما نظرتهما للحياة مختلفة.. طباعهما مختلفة.. حتى علاقاتهما الأسرية والاجتماعية مختلفة.. الشيء الوحيد الذى اجتمعا عليه هى شهرزاد التى شاء الله أن يكتب لهذه العلاقة الخالية من فرص النجاح الاستمرار من أجلها فقد حملت رقية فى الشهر الأول لزواجها وكلما مرت الأيام كانت الروابط التى حاولا بنايتها فيما بينهما فى بداية زواجهما تتداعى فيما تكبر فى أحشائها ابنتها الحبيبة. كانت رقية مقتنعة أنه من الظلم أن يخطئ الإنسان فى الاختيار مرة فيتحمل نتيجة هذا الاختيار الخاطئ للأبد لذا قررت أن تنفصل عن على وطلبت الطلاق فقامت الدنيا على رأسها كيف تصبح ابنة الثانية والعشرين التى لم يمضى على زواجها سنة مطلقة؟ ألا يكفى أنها فسخت خطبتين؟ كيف سينظر إليها المجتمع؟ كل المتزوجين يختلفون فى السنة الأولى ولو انفصل كل اثنين اختلفا فى أول زواجهما لما بقى اثنان متزوجان وتراجعت رقية واتفقا على أن يتغيرا معًا حتى يصبحا قادران على التفاهم تحاملت على نفسها وكذلك فعل على ثم عاد الطبع ليغلب التطبع. لم يكن هناك منطقة مشتركة بينهما ليجتمعا منها ويبدأ فى توسيعها لقد كانا نقيضين ومرت سنة وسنتين وثلاثة وقررت رقية أنها انتهت من المحاولة ولم تعد قادرة على الاستمرار فى هذا الزواج.. على لم يكن شخصًا سيئًا ولا هى أيضًا.. كل ما هنالك أنهما كانا نصفين مختلفين جمعهما ليكونا كيانًا واحدًا أنتج كيانًا مشوهًا محى جمال نصفين.. كان رد على كل مرة على طلبها للطلاق هو الصمت فهو كان يعرف أن أهلها سيرفضون الطلاق، وهو كان مقتنع أنه يحبها.. ربما كان يحبها فعلًا من منظوره هو وأهلها للحب وهو أن يكون الزوجان صالحان، فيكون هو زوجًا محترمًا لا يهينها ولا يجرحها ولا يبخل عليها وأن تكون هى ربة منزل جيدة ترعى زوجها وبيتها وأولادها والعشرة كفيلة بالباقى وماعدا ذلك يعد فى عرفهم دلع بنات ودلالة على عدم النضج وتحمل المسؤولية.. وفى محاولتها الأخيرة للتمرد على هذا المنطق بعدما استنفذت كل قدرتها على التعايش معه وذلك بعد خمس سنوات من الزواج ردت عليها والدتها بجملة قضت على الصراع القائم بداخلها..

- إذا كنتى شايفة إنه مش من العدل إنك تدفعى تمن قرار خاطئ واحد ما أخدتيهوش لوحدك طول عمرك.. يبقى رأيك إن من العدل بنتك تدفع تمن قرار واحد هتاخديه طول عمرها؟ بنتك روحها متعلقة فى أبوها عاوزة تحرميها منه علشان أنانيتك ودلعك ولا هتسيبيها لأبوها وتحرميها من أمها.. وإنتى هتقدرى تعيشى من غيرها.. طبعا لا.. طيب هتقفى قدام نفسك إزاى لما تقولك إنك ضحيتى بسعادتها علشان الكلام الفاضى اللى بتقوليه ده.. هتقوليلها سبتى أبوها وحرمتيها من حضنه ليه والراجل عمره ما غلط فيكى ولا قصر معاكى فى حاجه؟

قالتها والدتها وغادرت الغرفة تتبعها نظرات رقية بعينين امتلأتا بدموع لم تنزل أبدًا..
ورجعت بيتها.. رجعت وهى أم شهرزاد وزوجة على فقط.. منذ ذلك اليوم لم تكن أبدًا رقية.. هى فقط أم شهرزاد ولذا هى زوجة على.. 

عرف على مع الأيام أن رقية قد اتخذت قرارًا بالاستمرار من أجل ابنتهما، عرف فى صمت، ووافق فى صمت، واستمرت الحياة لثمانية عشر عامًا أخرى فى صمت..

سافر إلى إحدى دول الخليج ليعمل على محاسبًا فأخذت رقية أجازة بدون مرتب من عملها وسافرت معه.. ثم عادا إلى مصر بعد تسع سنوات ليفتح على شركته، وتعود رقية إلى عملها وتستقر حياتهما..

 توفى والدها أثناء سفرها وتوفيت والدتها بعد عودتها بعامين ولم يتبق لها من عائلتها إلا سعاد أختها الكبرى..

نكزة خفيفة على كتفها أعادتها من ذكرياتها لتجد جارها ينظر لها بتساؤل.. فقالت:
- أيوه؟

عرف أنها لم تسمع كلمة مما قال فأشار إلى المضيفة مبتسمًا فبادرتها المضيفة..
- الأكل يا فندم.

فتحت طاولتها بارتباك.. بعد أن قدمت المضيفة الطعام وانصرفت قال لها الجار المزعج:
أنا آسف إنى تطفلت عليكى مرة تانيه.. بس المضيفة كانت هتعيط من كتر ما حاولت تلفت انتباهك.

ابتسمت بتهذيب رغم أنها لم تستسغ دعابته..

- معلش كنت سرحانة شويه.. شكرًا 

انحنى بحركة مسرحي:

- العفو إحنا فى الخدمة..

ابتسمت ابتسامة حقيقية لحركته التى ذكرتها بحركات ابنتها.. 
تطلعت فيه للمرة الأولى منذ أول الرحلة ففاجأها الشعر الأبيض الذى يغزو فوديه ويظهر على استحياء بين باقى خصلات شعره البنى.. لم تستطيع تحديد عمره بدقه.. كان بشرته سمراء برونزية كأن الشمس قد صبغتها لفترة طويلة وجهه طويل لا يمكنها القول أن ملامحه جميلة لكنها تحمل نوعًا من الجاذبية تجعلك تطيل النظر إليها.. أنف مستقيم طويل بعض الشيء فم واسع لكنه يتناسب مع تركيبة وجهه عينان بنيتان ما يميزهما حقًا هى تلك الخطوط الدقيقة التى حفرتها الابتسامة حولها.. التفت نحوها فجأة فلاحظت أثر جرح قديم غائر فى ذقنه بدا كطابع حسن انحرف قليلًا عن مكانه..

قطب حاجبيه باستغراب وابتسم.. فتصنعت سعلة خفيفة وقالت بارتباك:

- كنت عاوزة أعدى علشان أروح الحمام بعد إذنك.

- طبعًا.. طبعًا.

رفع صينية الطعام ووقف بجوار كرسيه مفسحًا لها المجال فرفعت صينيتها ووضعتها على الكرسى ومرت من أمامه دون أن تنظر إليه متمتمة بكلمة شكر..

- العفو تحت أمرك..

وعاد إلى كرسيه مبتسمًا..

غسلت رقية وجهها ويديها وأخرجت حقيبة ماكياجها الصغيرة لتجدد زينتها الخفيفة وتعطى بعض اللون لوجهها الشاحب نظرت إلى عينيها فى مرآة الحمام وهى تضع الماسكرا لترى بياضها صاف لا يشوبه أى صفار فابتسمت لمظهرها الصحى الكاذب وسمعت صوت الدكتور أحمد يرن فى أذنها عندما ذهبت إليه بعد عشرة أيام من الموعد الذى تخلفت عنه وبعد أن احتفلت بخطبة ابنتها..

- إعلاميتنا الكبيرة.. دا اسمه كلام أمال لوما كنتش منبه عليك تعملى الأشعة وتجيبيها على طول. 

ابتسمت بقلق وهى تسلمه مغلف الأشعة..

- معلش يا دكتور أصل كان عندى ظروف عائلية.

نظر لها بتساؤل وهو يثبت الأشعة فوق اللوح المضيء..

- خير إن شاء الله؟

ابتسمت بسعادة..

- خير أوى الحمد لله.. بنتى شهرزاد إتخطبت.

ابتسم ومد يده ليصافحها مهنئًا..

- ألف مبروك.. يعنى شهريار هو الى عطلك بقى.. أمال فين أبو العروسة مش كان ييجى معاكى علشان نباركله على الأقل.. 

صافحت يده الممدودة..

- الله يبارك فيك..على ما يعرفش حاجة أنا قلتلهم إنى كشفت وطلع عندى فيروس أ وإنى باخد الدوا لما لاحظو موضوع الصفار ده مش عاوزة أقلقهم.. هاه يا دكتور خير الأشعة فيها إيه؟      

نظر مرة أخرى للأشعة ثم نظر إليها بأسف..

- والله يا مدام رقية للأسف مش هقدر أطمنك لأن الى كنت متوقعة الأشعة أكدته بدون شك..

قاطعته متفهمة بحزن..

- فيروس سى؟

ضم شفتيه وهز رأسه نافيًا..

- للأسف مش فيروس سى.

فاجأتها الجملة فاتسعت عيناها وانتصبت فى مقعدها..

- مش فيروس سى وللأسف.. ليه هو أنا عندى إيه بالظبط؟

أشار إلى جزء معين فى الأشعة..

- أنا آسف بس مفيش طريقة سهلة أقولك بيها الحقيقة.. الى قدامى ده ورم فى البنكرياس ومع الأسف حجمه كبير ومتشعب الورم ده هو الى إتسبب فى انسداد القناة الصفراوية وسبب الصفار الى زاد زى ما أنا شايف وسبب آلام البطن الى بتشتكى منها.

نظرت إليه بعينين مليئتين بالدموع ثم مسحت دموعها بظاهر كفها وأغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا حتى تستطيع أن تتمالك نفسها ثم قالت:

- والعلاج؟

- شوفى أنا هبعت حضرتك لدكتور متخصص فى الحالة دى هو هيفيدك أكتر منى وبعدين نناقش الخيارات المتاحة..

مد لها يده ببطاقة تحمل اسم وعنوان الطبيب المختص..

- خدى التحاليل والأشعة وروحى وشوفى رأيه إيه؟

تناولت منه البطاقة دون أن تتفوه بكلمة وخرجت..

طرقة على باب حمام الطائرة جعلتها تعيد الماسكرا إلى الحقيبة وتخرج بسرعة..
عادت إلى مقعدها بعد أن قام جارها من مكانه حاملًا صينية طعامه وصينية طعامها أيضًا حتى تتمكن من الجلوس..

جلست وفتحت طاولتها ثم تناولت منه الصينية شاكرة وراحت تتناول طعامها البارد بلا شهية.. انتهت من الطعام وتناولت دواءها..

عادت لتمسك الرواية من جديد لكنها تراجعت فأعادتها إلى الحقيبة هى والكتيب الدعائى وأخرجت هاتفها وفتحته لتشاهد الصور المخزنة عليه، تأملت للمرة المليون صور زفاف ابنتها..

 رشيقة , خمرية , تملك عينى أمها الخضروان وشعر أبيها الأسود هى جميلة وزادها الفستان الأبيض جمالًا ملائكيًا يوم زفافها.. لن تنسى أبدًا اللحظة التى أطلت فيها شهرزاد من سيارة الزفاف كملكة متوجة وأجمل ما فيها كان تلك اللمعة التى ملأت عينيها وهى تنظر لزوجها وحبيبها.. فقط مع تلك النظرة عرفت رقية أنها أكملت مهمتها.. تنهدت وهى تنظر للصورة وابتسمت بحنان..

وزعت المضيفة بطاقات الوصول على الركاب لتعبئتها فوضعت رقية هاتفها على الطاولة وتناولت قلما لتملأ البيانات، بعد أن انتهت رفعت الهاتف والبطاقة لتغلق الطاولة فسقط الهاتف من يدها وهى تغلقها فأعاده لها جارها وهو يقول:

- أمورة العروسة ما شاء الله.. أختك؟

نظرت له باستغراب فبادرها قبل أن ترد:

- أنا ما كنتش أقصد بس عينى وقعت على الصورة لما حطيتى التليفون مفتوح.. وبصراحة العروسة زى صور المجلات فشدتنى غصب عنى.. ربنا يحميها.

ابتسمت بحنان لإطرائه الصادق على صورة ابنتها..

- الابتسامة دى معناها إنك سامحتينى.. هاه أختك؟

ضحكت لإلحاحه لمعرفة الإجابة.. وأجابته ليستريح.. 

- لأ، دى بنتى.

ضاقت فتحتا عينيه وهز رأسه مستغربًا إجابتها..

- بنتك؟.. ليه إنت عندك كام سنة؟

أجابته بانفعال..

- أفندم؟

رفع يده معتذرًا:

-أنا آسف.. آسف.. بس إنتى برضه ملكيش حق تفاجئينى كده. 

قطبت حاجبيها أكثر فعاد يعتذر بسرعة..

- آسف.. آسف

والتفت أمامه.. بعد أقل من دقيقتين التفت ناحيتها مبتسمًا كأن شيئًا لم يكن ومد يده مقدمًا نفسه:

- طارق محمود زايد.

نظرت ليده الممدودة وسألته مستغربة..

- دا الى هو إيه بقى؟

سحب يده بهدوء محافظًا على ابتسامته..

- هفهمك.. أنا من أول الرحلة بقيت معتذرلك أربع خمس مرات فى أقل من ساعتين، يبقى أكيد فى حاجة مش مظبوطة .. هى أكيد البداية الخطأ السبب.. فقلت أحط نقطة وأجيب من أول السطر وأقدم نفسى بأسلوب لطيف.

نظرت له باستغراب وقالت:

- أنا مش قادرة أفهم إصرارك على أهمية التعارف ده.. كلها شوية والرحلة تخلص ونوصل روما وكل واحد يروح لحاله وخلصنا.. إيه بقى؟

نظر لها وأومأ متفهمًا..

- تمام أنا آسف كمان مرة.. بس أحب أوضح لحضرتك معلومة صغيرة..إحنا الإتنين المصريين الوحيدين فى الرحلة وده كان سبب إصرارى على التعارف الى حضرتك مش فاهماه ماكنتش أقصد أى حاجة تانية.

نظرت له باستغراب وقالت هازئة:

- وحضرتك مريت على الركاب واحد واحد تسأل عن جنسياتهم..

 وهزت رأسها باستخفاف وهى تلتفت لتنظر أمامها من جديد لتجده يرفع أمام عينيها كتيبًا دعائيًا مطابقًا للذى فى حقيبتها والخاص بالجولة السياحية ففهمت ما يعنيه ونظرت له فسحب الكتيب ليعيده إلى جيبه ونظر أمامه دون أن ينطق..

أخرجت روايتها وجلست مرة أخرى لتطالعها دون أن تقرأ منها كلمة.. وعادت لتغرق فى ذكرياتها..



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء