محمد الغريب - صاحب الحدقة العظمي




صاحب الحدقة العظمي


بقلم: محمد الغريب

يتميز  خالد بالبدانة والخطوات الواسعة، ويرتدي نظارة طبية رخيصة التكلفة، كل هذا توصيفا صحيحا،  يدور في ذهن المارة والجالسين والناظرين من اعالي المباني واسفلها عن طريق الشروخ والبلكونات، وما يدور بخلد هؤلاء يثار في المنطقة.
وهذه النظرات تداهم اينما ذهب، حاول بافكار كثيرة محو هذا الامر ولكن كل السبل لا تفيد بشئ، فهناك عهد يربط اصحاب هذه النظرات بتتبع خالد حتي يختفي، ويتضمن هذا العهد، عدم اقدامهم النظر الي اشخاص اخرين ليس بينهم خالد، فخالد هو محور الاهتمام والنظرات.
وعندما اهتم وعرف خالد بهذا الامر، قام باصدار معاهدة مليئة بالملاحق والبنود، وبعض الملاحظات، والتلخيصات، والتقارير، والمعاهدة كتبت بالتعاون مع الناظرين والمتابعين لخالد، ومن بنودها عدم خروج خالد كل يوم للسير في الشوارع وزيادة فرص النظرات، لأنه هؤلاء الناس كل يوم ينتظرونه، لكي يعبر لينظروا عليه ويتحدثون حوله، وكل هذا يضيع اوقاتهم الثمينة والغالية والمنظمة، بجانب تعرض عيونهم للضعف والبهتان، وأن زيادة مرور خالد يصيبهم بالضعف البصري، وارهاق ذهني وجسدي، لانهم يستمروا في الوقوف، دون الجلوس، بجانب انهم يمددون اجسادهم واصابعهم واياديهم في الهواء الطلق نحو خالد، للتعبير عن اهتمامهم الشديد به.
وفي بعض الاحيان يقومون برمي الورد والازهار وبعض الوريقات المصممة للاحتفالات، وكلما نظر اليهم خالد يبتسمون ويضحكون، ويشيروا بأيديهم تجاه.
في أحد الايام ذهب خالد الي مقهي رث ومهترأ، يدعي النادي السوداني، ليجلس هناك كما معتاد ويتكرر كل يوم، ولكن في هذا اليوم كان علي الاقل لم يتواجد نصف سكان العمارات الموجودة في الشوارع التي يسير فيها خالد.
وجلس ينظر من الدور الثاني مكان المقهي، وينظر الي اسفل حيث يشاهد كل من يسير في الشارع، ولكن بطريقة تجعله لا يراه احد مطلقا، يحاول سرقة النظرات، فهو محروم من النظرات والمراقبة علي المارة والباعة ا\لجائلين، واصحاب المحلات واللذين يعملون بها، والزبائن الحقيقيون اللذين يسألون عن هذه الملابس، ثم يقومن بشرائها، والمتسائلين فقط دون شراء.
وفي هذا اليوم لم يستطيع الرؤية جيدة، رغم ان المراقبون في هذا اليوم وصل عددهم للنصف، فليس هناك من يسجل اتجاهات خالد، والقيام بالتبليغ عنه لوزارات الامن والاستقرار ومؤسسات حفظ البلد من المؤامرات المتعددة والمختلفة، ليتم احتجازه، مع الباقين في سجون النظرات والتأديب.
حاول مرة اخري النظر بأريحية، ولكن المحاولة لم تنجح، فقرر ترك المكان، والذهاب الي أخر حتي تتعدل الامور ومسار الاشياء وفقا له وللناظرين المراقبين، حيث هم دائما يتنمنون عدم ووقوع خالد في الخطأ، حتي لا يذهبون في اجراءات التقاضي، ومصاريفها، واستمرارها في التداول اكثر من عشرات السنين.
وترك خالد المكان، وقال في سره، قد فلت من العقاب والمراقبة، وشعر بالارتياح قائلاً لنفسه "انا الان لم اعاقب ولا مرة، وهذا نادرا ما يحدث، فالجميع دائما ما يخطئون ، وهما في الحبس الاحتياطي وتفاصيل التقاضي والعقاب". 
فذهب الي الدور الرابع في عمارة من اجل رؤية ومشاهدة المارة، وممارسة هوايته اليومية في تحليل وتنظير لما يحدث في شوارع اسفل النادي السوداني، ولكن اهل العمارة رفضوا دخوله العمارة بشدة، فكانت سلالم العمارة مظلمة، فاعتقد خالد أنهم لا يعرفونه جيدا ولا يعرفون قصته المشهورة عن المراقبة، فقام باشعال كود كبريت ووجه نحوهم وجهه البائس الاثير بمراقبة الناس دون مشاركتهم افراحهم واحزانهم، وعندما نظر اهل العمارة اليه، عرفوه علي الفور، ورحبوا به اشد الترحيب وكرم الحديث واصول الضيافة، وقرروا فورا دخوله وذهابه للدور الرابع كما قرر، وبالفعل دخل احد الشقق فورا وجلس في الصالة علي كرسي ملئ بحداثة الاثاث، وتلفزيون حديث الماركة، فوصل الي قرارة نفسه، ان اصحاب المنزل ينفقون الكثير والكثير علي اثاثهم، ومحتوياتها التي تتنوع بين الكلاسكيات، والذوق المعاصر، فنظر لكل شئ في اشمئزاز.
قام اهل البيت باحضار العشاء لخالد حتي يتغذي بعض الشئ من اجل تحفيز قدرته علي النظر والمراقبة، وهذا ما شعر به خالد، فاهل البيت مهتمين به اشد الاهتمام، وكانوا يجلسون معه، ويدعون له بالهناء والشفاء، ويشجعونه بكثرة علي قيامه بالمراقبة، فشعر خالد ان هناك حليف ما يسانده ويقف بجانبه، فسعد كثيرا، وشكر الرب علي هؤلاء الحلفاء.
ولما انتهي من تناول العشاء، ذهب للجلوس بجانبهم، فكل عدة دقائق يجلس بجوار أحد، ليحادثه ويلاطفه، ومر اليوم دون أن يقوم خالد بالمراقبة، ومن شدة حميمية الكلام مع اهل البيت، ولم يتضايق خالد بتاتا من ضياع اليوم من غير قيامه بهوايته المعهودة.
وكان بالفعل لا يشعر بالملل او الخذلان، او لم تبادره نية في ترك المكان رغم ان الليل جاء وانتهي اليوم،  لذا قرر النوم في حجرة فارغة، مجهزة من اهل البيت لهذه الظروف والطوارئ.  
استيقظ اول واحد في الشقة، فقام بالنظر الي مجتويات الشقة جميعاً، واستمر في التحديق حتي مالت عينيه الي النوم مرة اخري، فذهب الي المخدع للاستراحة قليلاً من المراقبة والنظرات، ولكنه لم يستمر كثيرا في النوم، بل استيقظ بعد 30 دقيقة، واكمل مهمته المشهورة عنه في المنطقة، وفتح المفكرات والاوراق واحضر اقلامه من شنطته  لكي يكتب ويحلل ما شاهده من محتويات الشقة، حتي انهي هذه المهمة. وجلس يستريح في الصالة، حتي يستيقظ اهل المنزل، ليستأذن منهم ويسير الي منزله.
وعندما عاد الي منزله، وجد والدته وابوه في انتظاره مرتدين ملابس العقاب والانتقام، ويرتدون في اعينهم حدقات كبيرة للغاية، ومن ينظر في تفاصيل المكان وخاصة الصالة، سيجد عشرات بل مئات النظرات الطيبة، واكثر من الفي حدقة للتمرين عي المراقبة والنظرات.
وقاموا بتوثيقه جيدا بالحبال والقيود الحديدية، وتم ركله كثيرا من قبل والده، لمعاقبته علي فعل التأخير، وعدم القيام بمهمة مراقبة الناس في الشوارع وفي البلكونات.
كان خالد يريد توضيح الامر ولكن دون جدوي، وكان يريد محادثتهم فيما فعل بالأمس من المبيت عند هؤلاء الناس الطيبون، الوالدين لم يسمعوه بأي شكل من الاشكال وبأي درجة من الدرجات، وقال الوالد:
- لا تتكلم ابدا الان، المشكلة ليست فيما فعلته فنحن نعرف جيدا ماذا فعلت، وابتليت من اشياء بالامس.
- هل هذا حقيقي فعلا يا ابي.
- ليس هناك وقت للخرافات الكلامية، والثرثرة بلا فائدة.
- هل تريد القول يا أبي أني الان في خطر مطبق وكبيرا.
- الامر اكبر من الاخطار والمخاوف.
- ماذا حدث يا ابي قولي ماذا حدث بالفعل.
- هناك محاكمات قضائية ضدك بدئت منذ وجودك بشقة هؤلاء الناس الغرباء.
- وانا لم افعل شيئا ضد الناس واصحاب البلكونات مطلقاً.
- ولكن انت لم تذهب لمراقبة والقاء النظرات علي السائرون في الشوارع والجالسون او الواقفون في البلكونات.
- ولكني لم افعل شيئا كريهاً، بل قمت بالمراقبة والتحديق في اصحاب المنزل هؤلاء ولم اتخلي عن واجبي نحو التحديق يوماً واحداً. 
هدأ الوالدان قليلأ، وطلب من خالد الجلوس في احد غرف المنزل، ومكثوا هناك ، يهدأون من روع خالد، وقال والده له "انت الان في ظروف سيئة، ولم تحصل لك من قبل بتاتاً، ولذا انا ووالدتك سوف نقف بجانبك، حتي تنتهي هذه الغمة والظروف القميئة.