عبدالحميد طاحون - نوارة و فرحات





                                                 نوارة و فرحات


عبدالحميد طاحون



 1


و من في القرية لا يعرفهما ؟؟
نوارة 
تلك الصبية التي ما كان يراها أحدا إلا سبح الله . وجهها المستدير المسقي بلون القمح و الحياة .الشمس المشرقة تتواري من ضياء ضحكتها التي تلازمها إينما ذهبت . كانت دوما و منذ نعومة أظفارها تحمل طفلا صغيرا علي كتفها أينما ذهبت.في البداية كانت تلك العروسة المصنوعة من القش . و بعدها كان أخيها الصغير . و من بعده كان أحد أطفال الجيران . تحمله و هي ذاهبة إلي السوق أو و هي ذاهبة لغسل الصحون في الترعة عند بداية الطريق. و لعل ذلك أحد أهم الأسباب التي جعلت كل أطفال القرية متعلقيين بها . فمن منهم لم تحمله نوارة صغيرا ؟؟ و من منهم لم تعطيه نوارة قطع الحلاوة التي تشتريها من حليمة المفترشة الأرض أمام منزلها ؟؟
كانت تحلم من يومها الأول باليوم الذي ستصير فيه أما , و قد كانت .

أما هو فرحات 
الأخ الأصغر لعائلة من أربعة عشر أخ و خمسة بنات , ورث من أبيه عوده المائل للنحافة  و من أمه طيبة قلبها ومن أرضه المترامية الأطراف أمامه تعلم أن يعطي بلا بخل ولا تقطير .و بينه و بين تلك الأرض نشأت علاقة لم يفشي بسرها لأحد أبدا . يقضي ساعات نهاره كلها و هو يمسك بفأسه يشكل ملامح الأرض من أمامه 
و عندما تتعامد الشمس علي الأرض يركن إلي شجرة التوت العالية يستظل تحت فروعها  و يتناول طعامه وهو ينظر للأرض من أمامه يحلم باليوم الذي يصير فيه أبا ; ليحكي لولده السر الذي أطلعته تلك الأرض عليه و التي أختصته به عن باقي أخوته.

2

و جاء الوقت الذي طالما حلم به كل منهما ,شعر أبو فرحات بأن أجله قد أقترب .. و بأنه يريد أن يطمئن علي ابنه الأصغر كما فعل مع باقي أخوته.
فرحات أصله كان طيب و أخواته كانوا ربنا ما يوري الحبايب 
أخذ فرحات يبحث جادا عن عروسا له,رأي الكثير من الفتيات و لكنه لم يجد في إي منهن ما كان يبحث عنه 
لم يجد من تشاطره أحلامه  وأسراره 
ولا واحدة من بنات البلد عمرت دماغه لحد ما شاف نوارة 
كانت نوارة ابنة الأربعة عشر ربيع قد شبت و صارت فتاة يافعة و أن ظل ذلك القلب النابض بين ضلوعها لطفلة لا تزال تجلس أمام دارها و البنات الصغيرات من الدور المحيطة يأتين لها وكل منهن تتسابق علي من تمشط لها نوارة شعرها أولا . أما هي فكانت تجلس كل واحدة منهن أمامها و تمشط لها شعرها بعد أن تدعكه جيدا بالجاز و تبدأ بتحريك المشط الأبيض في رأس الفتاة و تغني لها  لتشغلها عن نتشات المشط في الشعر المتلبد . حينها رأها فرحات و أسرع إلي أمه التي أفضت بالخبر إلي والده و لم يمض الكثير حتي كانت نوارة شمسا تشرق في دار زوجها 

3

مرت أيام الزواج الأولي سريعا . ذاق كل منهما فيها من حلاوة حب رفيقه مما خفف عنهما تبعات الحياة. هون الحب عليه تعب العمل في الحقل لساعات و هو محني الظهر لا يكاد يقيمه إلا نادرا . هون قربه عليها الركض بين جنبات الدار ترتبها و تكنسها و تعد الطعام للعاملين بالحقل  بالإضافة إلي إطعام الطيور . كانت حماتها تراها تعمل جاهدة بلا كلل أو ملل فترفع يدها و هي تدعو صادقة .
إلهي ربنا يكرمك يا نوارة يا بنت حوا و أدم و أفرح بعوضكم
كانت عندها تطرق صامتة للأرض و هي تهمس.
أمين  

4

كالقمر في السماء ما أن يكتمل حتي يبدأ في الأفول من جديد و لكننا ننظر ولا نبصر. و كأن الأيام أقامت هدنة مع الأثنين و ما أن أنتهت تلك الهدنة حتي عاد الدهر يكيل ركلاته بلا هوادة .
كان عاما قاسيا علي البلدة كلها , الخوف يخيم علي كل أهالي القرية . الهلع يطل من العيون .خوفا علي الأطفال و علي المحاصيل ; فقد غزت جيوشا من الفئران البر كله . فئرانا تختلف عن كل ما أعتدنا أن نراه
كان الفار من دول أد الأرنب حتي قال الناس أن أسرائيل هي اللي طلقتهم علينا 
أكلوا أكواز الذرة في أعوادها الواقفة بلا حول ولا قوة في الحقول ,حتي القمح لم تحميه الصوامع الطينية من مخالبهم , هاجموا عشش الطيور و أكلوها . و كانت الناهية للبعض أن هاجمت الفئران الأطفال الرضع .
البت حمدية جارتنا كانت سايبة ابنها علي راس الغيط و نزلت تجيب حبتين خيار من زرعة جوزها و لما رجعت لقت الفار قرض للواد صوابع رجليه.
و لأول مرة منذ عهد سحيق عاد الطاعون ليخيم بحضوره المشئوم علي بلدتنا. أرتفعت الأصوات في مسجد القرية تدعو الله أن يرفع عننا العذاب .أشعلت النيران في الحطب لعل الدخان يطرد الفئران و يرحمنا من القمل الذي تزايد في القرية . أرتفعت الأصوات تنادي من في السماء بعد أن نسينا أهل البندر المسئوليين عن الأمر. أستمر الأمر أغلب شهور الصيف أتلفت الفئران فيها ما أتلفت من حقول و من مخزون للغلال و مات فيها من مات من الطاعون. حتي جاء العون أخيرا من الوحدة الزراعية التي وزعت علي الأهالي مسحوقا أزرقا طالبتهم برشه علي الأرض و في الأماكن التي تكثر بها الفئران.
كان زي السحر و النبي, الفراخ تمشي عليه ما يحصلهاش حاجة , لكن لو فار أو أرنب لمسه ما يعديش عليه وقت و تلاقيه أتقلب و بطنه أتنفخت 
و بدأ الخوف ينحسر شيئا فشئ . و بنهاية الصيف غادر ذلك الوباء بلدتنا بعد أن حصد في طريقه من حصد,
و كان من ضمن من مات في تلك الأحداث أبو فرحات 

5

لم يتعلم في حياته إلا الصبر, و هل بيده شئ أخر ليفعله ؟
كان يرقب محصول أرضه و الفئران تدنسه و يقف مكتوف الأيدي بلا حيلة . أرضه التي طالما كان بينهما أسرار و أسرار تستنجد به ولا هو لا يدري ماذا يفعل .حتي كانت الضربة الكبري و خطف الطاعون أبيه بلا هوادة .صورة والده في معانات مرضه تملأ تفكيره .الجسد العجوز يرتعش طالبا الغطاء علي الرغم من حرارة الصيف الحارقة و التي أزدادت بلهيب أكوام الحطب الذي أمتلأت بها القرية. الكثير من القئ و الأسهال و حالات التشنج و كانت الناهية عندما تحولت أطرافه للون الأسود بسبب النزيف الداخلي. و فرحات يتابع كل ما يجري و يدعو الله أن يهون ألام المرض علي أبيه و تمر الشدة علي القرية بسلام و أن يلهمه الله الصبر كي لا ينهار من تتابع الضربات الموجعة. تجلت حقيقة الحياة  له  مع الأحداث. كاحد أسرار أرضه الذي تهمس به إليه  بين الحين و الأخر . فمنجل الموت يحصد ولا يبقي علي شئ ولابد له أن يستعد ليوم يحين وقته. راجع كل ما جري و جال برأسه الخاطر ماذا يحدث لو كان ضمن من ماتوا؟ , عندها ستموت تلك النبتة التي تحمل أسمه علي تلك الأرض ولن يذكره أحدا. كل أخوته لديهم من الأولاد أثنين أو أكثر . أما هو فلم يمن الله عليه إلي الأن بمن يحمل أسمه.
كان الخوف قد أنحسر عن القرية كلها ولكنه كان لا يزال يلقي بظلاله علي عقل فرحات . فلقد تجلت أمامه أشيائا لم يكن ينتبه إليها من قبل.

6

أنبتت بذرة الخوف في رأسه نبتة وكان القلق كفيلا برعايتها و تنميتها يوما بعد يوم.
جربا معا كل الوصفات التي نصحه بها الأقارب و المعارف , وصفات العطار التي لا تنتهي ولا تؤتي بثمارها أبدا, و مع كل مرة كان العطار يقول و هو يمد يده بالقرطاس الذي يحوي الوصفة الجديدة 
ده بقي الوصفة اللي هي, خلت الراجل أبو عبدالجواد يخلف الواد ابنه اللي زي الهلف ده 
و مع كل وصفة يتغير أسم الشخص الذي جربها و لكن لا جديد.حتي أن فرحات كان يعاهد نفسه بعد كل وصفة ألا يشتري أخري و أنه يجب أن يحفظ ما بقي من كرامته و رجولته و لكن هيهات ; إنه الأمل عندما يتلاعب بالعقول, الخوف من قطار الأيام و هو يركض بلا هوادة و يطحن كل من يقف في طريقه, الذعر الذي تملكه عندما لمح تلك الشعرة البيضاء في مقدمة شعره كأنه لمح ملك الموت و هو يقبض روحه. أبيه المسجي بالفراش يصارع الطاعون في معركة خاسرة,أخوته  الذين لا يقنع أي منهم بميراثه الصغير الذي ناله بعد أن تقسمت الأرض بينهم جميعا و قد صار كل منهم يترقب ما سيحدث لفرحات  ممنيا نفسه بالأرض التي صارت من نصيب الأخير. كل ذلك كان يجعله يسير مسلوب الإرادة إلي العطار و يطلب منه أخر وصفاته.

7

و يضيع عمر الإنسان بين قلق من غدا لا يأتي
و أمس لا ننساه
و بين هذا وذاك ننسي أن نحيا يومنا

8

ما بين اليقظة و المنام سمعت ذلك الفحيح يقترب.
فحيح بغيض يمتلأ بالموت و الكراهية يتزايد كل لحظة أكثر في عقلها , فتحت عينيها لتري من أين يأتي ذلك الفحيح الأسود. قلبها المنقبض يتمني لو كان الأمر مجرد كابوس و لكن الصوت أخذ يتعالي و هو يقترب أكثر و أكثر .تلفتت حولها يمينا ويسارا فلم تجد شيئا, فرحات نائما بجوارها .إلا يسمع ذلك الصوت الذي علا كل صوت أخر ؟, تلفتت حولها من جديد فلم تجد شيئا , لعل الصوت أت من خارج جدران الدار لبومة أبتلعت فأرا و تجاهد في لفظ ما بقي منه.
أستعاذت من الشيطان قبل أن تغلق عينيها محاولة النوم و لكن الفحيح علا أكثر و أكثر ,فتحت عينيها مقاومة ذلك الأحساس المشئوم بالأنقباض الذي بدأ يعتصر قلبها , وجه حماها المسود يملأ مخيلتها بلا سبب .
فتحت عينيها لعلها تهرب من تخيلاتها و لكنها ما فتحت عينيها حتي رأته, ثعبانا يمتد إلي ما لا نهاية يهبط عليها من سقف الدار.غلفها الخوف للحظات و هي تتابعه يقترب مصدرا فحيحه و لسانه المشقوق يمتد خارجا من حلقه. مدت يدها لتوقظ فرحات الراقد بجوارها و لكنها لم تجده . الثعبان يقترب حتي باتت تسمع فحيحه بكل كيانها وكإنه يخرج من رأسها. فتحت فمها لكي تصرخ و لكن صوتها لم يغادر حلقها, حاولت مرة بعد مرة و الثعبان لا يزال يزحف مقتربا حتي بات كل منهما ملاصقا للأخر و صوت الفحيح لم يعد قابلا للأحتمال . عندها تحررت الصرخة  من جوفها قوية و كإنها تستنجد ببعيد في بلاد بعيدة 

9

ظلت أيام طويلة و بقايا ذلك الحلم القاتم لا تفارق رأسها أينما ذهبت
كيف تحولت أحلامها بأولاد و بنات يملئون عليها دارها إلي كوابيس تمتلأ بالثعابين و الأفاعي؟ هل عز الأمان من الأحلام كما هجر جدران واقعنا من قبل ؟
إنها تعلم يقينا ما ينتظرها لو لم تنجب طفلا من فرحات.أخواته ينتظرون اللحظة التي يموت فيها لينقضوا علي كل ما يملك. أعماهم الجشع عن أن كل ما يملك فرحات لن يمثل شيئا لأي منهم بعد أن يتقسم بينهم. و لكنها لوسة من جنون وجشع .سمعت من المهندس الزراعي مرة و هي يحذرهم من الفئران لأن الفئران تأكل مضطرة. فأسنان الفأر تنمو كل يوم و يجب أن يأكل بها حتي لا تنمو و تغلق فمه فيموت. و لعل ذلك ما يحدث الأن لأخوة زوجها.
تذكرت فحيح الثعبان في حلمها .إنه البغض في قلوبهم تراه واضحا في أعينهم و في كل أفعالهم . و لكنها تدرك أن أي منهم لن يجرؤ علي أي فعلة مادام فرحات بجوارها .حتي أن تلك الأفعي في حلمها لم تظهر لها عندما كان فرحات بجوارها. الخوف كل الخوف مما هو أت.ستري ألوان و ألوان من الكراهية لم تعهدها و لم تسمع عنها من قبل. لن يشفع لها إنها لا تدخر جهدا في خطب ودهم بالمعاملة الحسنة. و أن تقرض منهم من يحتاج مالا تعرف جيدا أنه لن يرده. و لكن ما باليد حيلة 
10

بس الأيام بتدوب الحجر. حتي البني أدمين  ممكن الأيام تدوبهم
و أقسي ما تدوبه الأيام فينا هي أحلامنا .تلك الأحلام التي نسعي لتحقيقها يوما بعد يوم. يستقبل فرحات و نوارة شمس اليوم الجديد بأمل أن يحدث فيه ما يتمنوه . بأن تمتلأ احشائها بطفل منه. و بأن تستمر حياتهما من خلال طفلهما.و لكن تغيب شمس اليوم بلا جديد و تليها شموس أيام و أيام . حتي تشرق الشمس في يوم علي وجوه  قد تيبست بعد أن فارقها الأمل. فلا وصفات العطار أتت ثمارها و لا الحجاب الساكن تحت الوسادة منذ الأزل قد جلب المراد. و تتجلي الحقيقة  كإنها حكمة عادت للعقل بعد طول غياب. ماذا نجني من طفل يأتي و قد ناهز والده الخمسين ؟ هل نهديه للحياة قربانا بدون أن نربيه أو نعده ؟ و تعلو في النفوس مرارة من حلم مضي و لم يتحقق و عمر ضاع في السعي وراء ذلك الحلم

11

و كأنهما يسعيان للتعويض عن ما فاتهما من متع الحياة . يكفيهما ما مضي من الأيام في اللهاث وراء سراب . ها هو فرحات يبدأ حياته من جديد. لقد أعاد بناء داره التي بدأت أجزاء منها تتساقط بفعل الزمن . أصبح البيت الأول في قريتنا الذي شيد بالطوب الأحمر و الأسمنت . لم يدخر جهدا ولا مالا في أن يصير بيته الجديد ملجأ له من متاعب يومه الطويل المضني. جلب من بلدة مجاورة أمهر عمال البناء و الدهان. جدران المطبخ و الحمام هي الأخري ستغطي بالقيشاني اللامع . و سيشتري سخانا للماء بدلا من تسخينها علي الكانون .
ده حاجة تطول العمر والله يا جدعان
يهمس بها كل من يري البيت . و لكن تلك الهمسات لم تلقي أستحسان عند البعض . فقد وجد فرحات أخوته وقد تجمعوا عنده ذات ليلة ليروا ذلك البيت الجديد الذي يهدر عليه ما أدخره طوال عمره . و لكن فرحات لم يكن لديه أي رغبة في أهدار ما بقي من عمره في خلافات أو مناقشات مع أخوته .
وهو يعني البيت هيروح لمين ؟ ما هو ليكم بردة في الأخر 
لم يعد يجد غضاضة من قولها .و بما يفيده الأعتراض أن أعترض ؟ فليأخذ أخوته الأرض كما  يريدون. و ليتقاسموها فيما بينهم و يبدد كل منهم نصيبه كما أعتادوا . الأمر كله لا يعنيه ما دام سيحدث بعد موته. كل ما يحرص عليه الأن هو أن يحيا هو و زوجته ما بقي من أيامهما في سلام بين جدران ذلك البيت الجديد .

12

" و علي رأي المثل  نحسها معاها معاها منين ماتمشي يمنعها"
لم تدوم الفرحة بالبيت الجديد كثيرا . فلم تمر أحاديث الناس عنهما و عن بيتهما مرور الكرام .أستكثر أهالي البلدة علي العجوزين البيت الجديد المريح . و نسي الجميع نعمة الولد التي حرمهما الله منها .
 كانت أحدي ليالي القرية التي غاب فيها القمر عن السماء . و ما أن أنتهي فرحات من صلاة العشاء و خرج من المسجد ليركب حمارته و يعود إلي بيته حتي رأت الحمارة ذلك الثعبان و هو يزحف وسط أعواد البوص بجوارها. فهاجت و بدأت تتحرك في عصبية و فرحات يحاول أن يسيطر عليها. و لكن الخوف كان قد بلغ بالحمارة منتهاه. فقد أخذت تقفز في عنف و عصبية و هي ترفص بقدميها في عنف. علا صراخ فرحات فهب من كان في المسجد ليروا ما يحدث. و أمام أعين الجميع شاهدوا فرحات و هو يسقط من فوق حمارته التي سارعت بالجري مبتعدة. أما هو فقد أرتطمت رأسه بذلك الحجر.

13

ظل أيام غائبا عن وعيه . يصارع أشباح لا يراها إلا هو . و يخرق حاجزالصمت القائم بين اليقظة و المنام بكلمات و همهمات بلا معني لمن يسمعها .
يا ولدي بيخطرف طول ما هو نايم 
تقولها النساء المتشحة بالسواد و اللاتي أتين لتقفن مع نوارة في محنتها . أما نوارة ذاتها فقد ذهلت عن كل الحضور بذلك الحاضر الغائب صاحب الجسد الممدد علي الفراش . كلماته و همهماته تنغرس في قلبها.
حاسبي التعبان يا نوارة
يقولها بكل ما أوتي من قوة و أن أتت الكلمات علي الرغم منه واهنة . أما نوارة فكانت تتأمل الكلمات وتربطها بأحلامها البعيدة. تتفرس الوجوه الجالسة و الحزن البادي علي الوجوه في أحتراف و هي تتسائل عن ما يكمن وراء تلك القشرة الحزينة . لقد آن الأوان للمكاشفة و المصارحة بينها و بين نفسها . فلم يعد بينها و بين أعلان الحقيقة سوي ساعات قليلة. و بعدها سيظهر كل من في الحجرة نواياه وخبايا نفسه. سيظهر أقارب فرحات جشعهم و هم يتنافسون علي ما سيخلفه فرحات ورائه.الغريب إنها وفي تلك اللحظة لم تكترث.كل ما تمنته في تلك اللحظات أن يشفي زوجها. أن يعود إليها .فلم تعد تهتم بالأرض ولا بالبيت الجديد. فليأخذوا ما يريدون ويتكروها وزوجها .

14

مرت عليها الأيام ثقيلة متعبة مليئة بلحظات الأنتظار و التمني . تنتظر في كل لحظة غائبها ليعود إليها . و تتمني لو تظل أنفاسه تملأ البيت من حولها . حتي بدأ الخطر في الأنحسار . في البداية توقفت هلاوس فرحات و أنينه المستمر مما ضمن له  و لها ساعات راحة تلتقط فيها أنفاسها . تلا ذلك إنه بدأ يستعيد وعيه في بعض الأوقات . ينظر إلي الجميع بعينين ذائغتين ذاهلا عنهم لا يعرفهم .
الخبطة كانت قوية أوي عليه و أتسببتله في أرتجاج شديد و يمكن ده أتسبب في التأثير علي ذاكرته و كمان مراكز الكلام. ده بالأضافة أن طول رقدته في السرير و قلة الحركة أضعفت جسمه أكتر 
قالها الطبيب قبل أن يتابع .
هنبدأ معاه العلاج الطبيعي وياريت يجيب نتيجة و يقدر يتحرك تاني , كمان هنحاول ندربه علي النطق و الكلام و نفكره بكل اللي حواليه
بدت كلمات الطبيب لها و كأنها طلاسم لم تفهم منها شيئا. كل ما تعرفه الأن وتهتم له أن فرحات باق معها. تقبلته كأم طال أشتياقها لابن طال سفره و ها هو قد عاد. تمضي طوال يومها وليلها بجوار فراشه و هي تمسح رأسه و تهمس له بحكايات تعلمتها طفلة و صبية  تمنت أن تقصها علي أذن وليدها و ها هي تفعل. تخبره بأخبار القرية و بما حدث و يحدث بها;  لا من أجل أن يعرف و لكن من أجل أن يظل الحوار متصلا . تجلس بجواره و تطعمه بيدها و تمسح بقايا الطعام من علي فمه. حتي يعلن في أصرار طفولي بأنه قد شبع فتعيده من جديد إلي فراشه. تبتسم و قد أدركت المغزي من كل ما مرت به طوال حياتها. أدركت السر الأكبر الذي أفضت به الأرض لزوجها. إننا نحيا فقط ما نريد و ننال فقط ما نستحقه. فها هي أم للرجل الذ طالما حلمت أن تكون أما لأولاده. تطعمه و تهدهده كالأطفال. حتي إنه في الكثير من الأوقات يناديها بأمه. لقد صارت أما عندما أستحقت أن تكون .
 أما هو فرحات فقد ذاق لذة الميلاد من جديد. يعيش حياة طفله التي طالما تمني أن يخرج من صلبه. ها هو يصير طفلا من جديد. رأسه بلا أفكار الأمس المثقلة بذكريات حزينة. فلا أخوة و لا عطار بوصفات لا تجدي و لا طاعون. فقط هو و هي في بيتهما الجديد وحياتهما الجديدة. و عادت من جديد الأبتسامة لملامح نوارة بعد أن كانت قد هجرتها منذ زمن. زال الخوف و زال القلق و لم يبق سوي الرضا بما هو أت مهما كان. و ما أن يسألها أحدهم كيف حالها و كيف فرحات حتي تجيب كأم أمتلأ قلبها حبا لوليدها 

" أحنا كويسين ...و النبي كويسين "

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء