د. محمد يوسف - علامات شريف عابدين السردية


علامات شريف عابدين السردية


بقلم: د. محمد يوسف 


الدكتور شريف عابدين.. الطبيب الأديب
 كنت قد انتويت إعداد دراسة عن مجموعته القصصية ظلال الهمس والحضور إلى أتيلييه الثغر الباسم اليوم إلا أنني اعتذرت له نتيجة لظروف تمنعني من الحضور.. وإن كنت أود ذلك بشدة ولنا أن نضيف كلمة أخرى بجوار جملة الطبيب الأديب، وهي الإنسان، وهكذا يصبح مجموع ما تؤدي إليه الثلاث كلمات مجتمعة أكبر من قيمة كل كلمة منفردة، لا تتجاوز دلالتها صورتها الأيقونية الثابتة ذات الإيحاءات الإيجابية في مجملها..
  وهنا يمكننا القول بأننا قد لخصنا بطريقة سريعة و بنظام ما قل ودل واحدة من أهم المدارس النفسية التي انطلقت من ألمانيا في عشرينيات القرن المنصرم، وهي: الجشطالت أو الصورة أو الشكل تلك التي كان لها عميق الاثر في مدرسة الفورم الروسية وفيما بعد في البنية الفرنسية.
  
 وكان لزاما أن اطلع ولو بشكل متعجل على كل ما قيل في المجموعة حتى لا أقع تحت طائلة التكرارية.
  ولفت نظري لغة السرد بشقيها الشكلي والتكويني إلا أن بعض الدراسات وجدتها قد تحدثت بشيء من التفصيل فى هذا الصدد فعدلت عن رأيي وإن كنت متاكدا من أن لغة المجموعة ما تزال تحتاج للعديد من الدراسات حولها وفيها.
 ثم لفت نظري إحدى الدراسات الثمينة التى بدأت مقالها بجملة تعبيرية لفرانز كافكا وهي أن النظر لا يختلس الصورة بل أن الصورة هي التي تختلس النظر أو فيما معناه.. لأني لا أتذكر العبارة حرفيا.
 وهنا بانت لى أول الخيوط التي أردت الإمساك بها وهي الصورة، ولكن للمزيد من الدقة لنا أن نفرق بين عالمين الأول هو الصورة التي أفرد لها ميلان كونديرا مواطن كافكا التشيكي مساحة مهمة فى رواية الخلود والثانية هي العلامة تلك التي قال دي سوسير مؤسس اللسانيات الحديثة، إن الكتابة ما هى الا وسم الكلام (أحيانا تقال إن الكلام هو وسم اللغة). 
 فالحرف علامة والكلمة علامة والجملة علامة والنص إذا جملة من العلامات.

 أهمية جملة كافكا الفائتة أنها دون أن تدري ذهبت موافقة ومتسقة إلى حد بعيد مع ما ذهب إليه عالم النفس النمساوي برنتنابو وايده فيما بعد أدمند هسرل الألماني، مؤسس فلسفة الظواهر أو الفينومونولوجى والاخيرة عكس النومينا اى الجوهر وما أريد الذهاب إليه هو ما يطلق عليه الشعور المجرد والقصدية، فالقصدية لا تنبع من متابع الظاهرة بل من الظاهرة نفسها أي أن الاشياء هي التي تختار مفسرها، وليس العكس.
 وموقع الذات المفكرة هنا يجب أن يقع خارج الوعي حتى يكون التأويل أو الهيرمينيوتيكا الهيدجرية موضوعية إلى حد ما حتى نصل إلى ما أطلق عليه هيدجر كينونة المعنى وما طوره بول ريكور إلى موطن المعنى في سبيل توفيقه بين ظواهرية هسرل وتأويلية هيدجر من خلال الزمان السردي.
  
 إلى هنا يجب أن أتوقف حتى لا يتوه قارئي في تفاصيل قد تبدو بعيدة عن ناظرية حين مناقشة مجموعة قصصية معاصرة بشدة اتخذت فيها اللغة مسلكا متعرجا ما بين عدة لغات إلى عدة مستويات فى زمرة اللغة الواحدة.

 استخدمت هذه المجموعة القيمة قاعدة ذهبية في فن الحكي وهي show don`t tell 
بمعنى "ورينى وما تقوليش،، واجعلنى استخدم حواسي الممكنة بعيدا عن الوصف بشقيه سواء كان لغة تصف حدثا أو لغة تصف لغة حسب رولان بارث (دون نطق الراء والثاء الأخيرتين)".
هل تستوى شجرة عندما تراها ماثلة أمامك بكلمة شجرة عندما تقرأها في جملة ما؟!
 هل يمكن للكلمات أن تنقل إحساس الرائحة الشهية لطبخة ما لا يعرفها إلا قلة من الناس؟!

 لاحظ معي أن صورة سفينة تمخر عباب البحر سواء كانت ملتقطة أو مرسومة تختلف إيحاءاتها تماما عن وصف السفينة في حالة عبور البحر حين تصطادها كلمات ما للغة ما معبرة أو موحية أو حتى مباشرة.
 وهنا أتصور أن المؤلف قد نجح تماما في إيصال أشياءه السردية. وأشياء هنا أظنها أصح من كائنات رغم ما قد تنطوي عليه كائنات من حيوية وديناميكية.

 فما بين لغة عربية وأخرى أجنبية ولفظة فصيحة وأخرى عامية تتخللها دلالات متأرجحة وغير ثابتة في دراما غير خطية صعودا وهبوطا واستوءا.. تجعلنا أخيرا نصل إلى مبدأ رولان بارث المعجز في تشطير النصوص إلى وحدات قابلة لإعادة الكتابة، ووحدات مقروءة فقط.
  وهنا يبرز بشدة علم العلامة أو السيموطيقا الفرنسي، وهو نفسه بشيء من التنوع الخفيف السيميولوجى الأكاديمى الأميركى المستخدم بكثافة في علوم السينما. ولا ضرب مثال بذلك كيف تنقل صوت حركة مزلاج باب ما من الصورة إلى السرد بنفس القدر من توتر اللحظة وكثافتها هذا ما نجح فيه تماما مؤلفنا المبدع الكبير.
 عزيزى القارئ،  هذه ليست دراسة متخصصة أو حتى أكاديمية. فأنا قد مررت على المجموعة سريعا احتياطا في حالة الحضور إلا أن أكون مثل الأطرش في الزفة. إلا إني أحتاج فعلا للوقوف على المجموعة مرات ومرات حتى أخرج بدراسة وافية أكثر تعمقا وأكثر تخصصا.
  
 أما عن عنوان المجموعة، فهو فعلا تلخيص ماهر لحكاية وسم اللغة هذا الذي تحدث عنه دى سوسير في معرض محاضراته في جامعة براغ.
 فتأمل معي "ظلال الهمس" وسوف أتركك الآن لتأملاتك، ولمجموعة جد محترمة يجب قراءتها.